Monday, March 29, 2010

عن مقولتي التفاوض والمقاومة في فلسطين...

تبدو اليوم مقولتا "المقاومة المسلّحة لإسرائيل" و"التمسّك بالتفاوض معها" على قدر واحد من التبسيط واللامعنى.
فالأولى أدّت بالفلسطينيين بعد تعسكر الانتفاضة الثانية ابتداء من خريف العام 2000 وتحوّلها من مظاهرات شعبية ومصادمات بالحجارة الى عمليات انتحارية ومواجهات مسلحة، الى خسارة معظم ما كانوا قد حقّقوه من تحرير للأرض (بالسلاح والحجارة وبالتفاوض في عصر علاقات دولية كان يسمح باعتماد الأساليب المختلفة) وبدء بناء دولة على جزء من ترابهم الوطني. فالضفة اليوم محتلّة معظم مناطقها، مقطّعة الأوصال بالحواجز العسكرية والمستوطنات، ومخنوقة بجدار الفصل العنصري. أما غزّة، فتحت الحصار والضغط والقهر اليومي.
والثانية أدّت بهم، في ظل بهتان أداء السلطة الوطنية السياسي والتفاوضي بعد رحيل ياسر عرفات من جهة، وفي ظل لا سياسة حركة حماس ومزايدة النظامين الإيراني والسوري على الفلسطينيين بدمهم (وتشبيه حزب الله لمارون الراس بالقدس!) من جهة ثانية، الى التفكّك والتقاتل والى إفساح المجال أمام إسرائيل لمواصلة الانقضاض عليهم وتعديل المعطيات الميدانية بشكل جذري يجعل كل محاولات الوصول الى حلول في المستقبل محكومة بواقع جغرافي ديموغرافي لا يسمح لهم حتى بالعودة الى ما كانوا عليه في أيلول من العام 2000. وكل ذلك طبعاً وسط عجز عربي غير مفاجئ، وصمت دولي تعكّره بعض الأصوات والبيانات التي لا تصدر إلا عند وصول الفظاعات الاسرائيلية الى مستويات يصعب تجاهلها.
هل من مخرج إذن من هكذا ثنائية لم تحصّل منذ أكثر من عقد أي مكسب فعلي؟
يصعب الجزم بذلك. لكن الخروج واعتماد نهج جديد يبدوان هذه الأيام شديدي الجدوى. فرصد سريع لبعض المعطيات الراهنة يُظهر أن موقفاً فلسطينياً مسنوداً عربياً وتركياً ومُنسّقاً مع بعض الأوروبيين ومع دول كالبرازيل وجنوب أفريقيا والهند وغيرها قد يكون ذا أثر أميركياً يعمّق التناقض بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو ولا يبقيه مؤقّتاً. فالأميركيون اليوم، وإن كانوا مستمرّين في تحالفهم مع إسرائيل ودعمهم لها، يريدون منها حداً من الالتزامات في ما خصّ تجميد الاستيطان والانسحاب من بعض أراضي الضفة والافراج عن معتقلين فلسطينيين وتخفيف إجراءات الحصار على غزة وغيرها من أمور تسهّل بنظرهم إحياء العملية السلمية الميتة. أما الاسرائيليون، وهم بمعظم أطيافهم يرفضون الوصول الى حل فيه الحدّ الأدنى من العدالة للفلسطينيين، فيظنّون أن بمقدورهم "الصمود" في وجه الضغوط الأميركية المرحلية من خلال الاتّكال على اللوبي الصهيوني المؤيّد لهم في واشنطن والذي استنفر مئات الأعضاء في الكونغرس ومجلس الشيوخ للطلب الى أوباما تليين موقفه؛ والأهمّ ربما، من خلال الاتكال على اللامبادرة الفلسطينية واللامواقف العربية والهدايا الايرانية التي غالباً ما تأتي على شاكلة تصريحات نارية لأحمدي نجاد تُنكر المحرقة أو تهدد بإزالة إسرائيل من الوجود وتتيح على الدوام لتل أبيب استذكار أهوال الحرب العالمية الثانية وتحوير الأنظار نحو طهران...
بهذا المعنى، فتشدّد فلسطيني سياسي رافض لكل تفاوض قبل وقف الاستيطان والتراجع عن القرارات الاسرائيلية الأخيرة، مقرونٌ بمظاهرات سلمية في القدس وفي محيط الجدار في الضفة وفي غزة، إضافة الى حملة ديبلوماسية في واشنطن وفي عواصم دول مجلس الأمن للتأكيد على الاستعداد للسلام شرط احترام الاتفاقات الموقعة وقرارات الأمم المتحدة (واستئجار صفحات ودقائق في الجرائد والمحطات الأميركية والأوروبية لعرض وجهة النظر الفلسطينية مدعومة بتواقيع زعماء من العالم ومثقفين وحائزي جوائز نوبل) وغيرها من الأمور، ضرورية لإحراج الاسرائيليين أكثر والضغط عليهم وإحداث بعض التناقضات في صفوف ائتلافهم الحكومي. وهي ضرورية أيضاً لجعل أوباما يقتدي بجيمس بيكر عشية مؤتمر مدريد ويتعامل مع نتنياهو من موقع قوة شبيه بموقع بيكر حين أنذر إسحق شامير، وحين جمّدت إدارته الأميركية (لمرة يتيمة) مليارات الدولارات التي كانت مقرّرة لإسرائيل
أما الاكتفاء ببيانات مستهلكة كبيان القمة العربية، أو التلويح بنهج الكفاح المسلّح والتهديد بمحو إسرائيل من الوجود على ما درج على فعله "الممانعون"، فأمور لا تثير عند نتنياهو ووزراء حكومته سوى التبسّم والطمأنينة والتيقّن من أن الرهان على اللوبي المؤيّد لهم في واشنطن قد يكفي للجم أوباما، وأنّ بيانات التمسّك العربي بالتفاوض من دون متابعة وضغوط، أو التهديد على طريقة الفرزدق الذي قال فيه جرير: "زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً – أبشِر بطول سلامة يا مربع"، لن تؤدّي لا الى تثبيت أوباما في ضغطه ولا الى تعديل موازين القوى الميداني في فلسطين على نحو يحدّ من الاستيطان ومصادرة ما تبقّى من أراضي في القدس ومحيطها...
زياد ماجد

Tuesday, March 23, 2010

الدرس العراقي

إنتخب ملايين العراقيين داخل العراق وخارجه مجلسهم النيابي الجديد.
انتخبوا للمرة الثانية بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، وانتخبوا بحرية نسبية وتنافسية عالية لم تعرف المنطقة العربية مثيلاً لها في غير حالتي لبنان عام 2009 وفلسطين عام 2006.
وانتخبوا وفق نظام التمثيل النسبي على أساس اللوائح الوطنية لضمان وصول مختلف الاتجاهات التي يفيض بها مجتمعهم (الى الندوة النيابية) على تنوّعها وتنافرها، من الطائفية والليبرالية والدينية الى العلمانية والقومية واليسارية والقبلية.
وبمعزل عن تقييم هذه الاتجاهات ومدى ديمقراطيتها، ينبغي التذكير أنها في معظمها ذات مشروعية شعبية في العراق اليوم، وهي حكماً سابقة على الاحتلال الأميركي، بعضها نتاج مسار تاريخي، وبعضها الآخر نتاج الممارسات التي تناوب على اعتمادها أكثر حكّام العراق منذ استقلاله (والتي بلغت حدّاً مروّعاً من العنف والإرهاب مع سطوع نجم صدام حسين ثم استلامه الرسمي للسلطة عام 1979 وإدخاله بلاده في الحروب والخراب).
على أنها في كل الأحوال، حسناً تفعل إذ تتنازع انتخابياً واحتكاماً الى العراقيين والعراقيات، وحسناً تفعل إذ تتعوّد وتُعوّد الناس على النظام الانتخابي النسبي الذي يتيح لمعظم القوى التمثّل داخل البرلمان وفق أحجامها، عوض السعي الى الإقصاء والتهميش وصولاً الى الإلغاء.

وإن كان استحقاقان انتخابيان لا يكفيان لتحديد أي خيار سارت أو ستسير عليه الاتجاهات هذه وأصحابها، ومعها أمور العراق، إلا أنهما يؤكّدان أن ثمة تجربة تتقدّم، وأنها قد تكرّس إن استمرّت ثقافة تداول السلطة، أو على نحو أدقّ، ثقافة التقاسم لها والتشارك فيها، فضائل سياسية لا تعرفها أكثر الدول العربية. فأنظمة هذه وتلك، كما بعض تياراتها الذامة دون كلل ولا ملل "المحاصصة المذهبية" و"الفرقة الطائفية" في العراق، تفضّل الاستئثار على المحاصصة، والوحدة (بالقهر والدم) على التعدّد. هذا علماً أن هذين الاستئثار والوحدة بالدم هما ما ساهم - فور انكفاء المستأثِر والموحِّد - في تحويل التعدّد الى تنابذ والى بحث عن ثأر أو عن "توحيد مضاد" (بالدم أيضاً)، قد يكون الالتزام الانتخابي الدوري والتنافس المفضي (بسبب النظام النسبي) حصصاً في البرلمان مقدمّة للخروج من ويلاته


باختصار، ليست الانتخابات العراقية نموذجية، ولن تكون كذلك في المدى القريب. لكنها بالتأكيد بداية تكريس لنهج جديد في الحياة السياسية لا أمل باستقرار على المدى البعيد من دونه ولا إمكانية لبناء دولة تنهي الاحتلال وتحتكر الحق في اللجوء الى القوة من دون تطويره وتحصينه ضد كل من يتفجّع على "العراق" من خارجه، ومقصده التفجّع على نظامه البائد، وضد كل من يريد جعل ثمن الحرية في هذه المنطقة مكلفاً ومنفّراً وبعيد المنال...
زياد ماجد

Tuesday, March 16, 2010

عن المسامحة والنسيان...

لم يكن تاريخ 16 آذار 1977 تاريخاً لاغتيال كمال جنبلاط فحسب، بل كان كذلك تاريخاً لتأسيس صفحة جديدة في الحرب الأهلية اللبنانية وافتتاحاً لإدارة إقليمية مباشرة لها. إدارة تقوم أولاً على الاغتيال السياسي ثم على التصرّف وكأن الاغتيال كان ردعاً للمغدور أو تجنّباً للأضرار التي يمكن لحياته إن طالت أن تحدثها. وعلى ذويه التسليم بذلك وتجاوز الدم حفاظاً على أرواحهم ومنعاً لتفاقم الأمور في ديارهم. لا بل أكثر من ذلك، عليهم الاعتذار عن أفعال المغدور وعن دمه ثمّ الكفّ عن تذكّره حرصاً على سمعة قاتله...
بهذا المعنى، يمكن تفسير ما قاله المسؤولون السوريون لوليد جنبلاط بعد أربعين والده من أن كمالاً أراد الحسم العسكري في لبنان ولم يقبل بالمسعى السوري لإنهاء الاقتتال، ووصف سوريا بأنها "سجن كبير"... وبهذا المعنى أيضاً، يمكن تفسير ما سرّبه بعض المحسوبين على النظام السوري من أن رفيق الحريري تآمر مع مروان حمادة وآخرين لاستصدار القرار الأممي 1559 وإخراج الجيش السوري من لبنان. وبهذا المعنى أيضاً وأيضاً، قيل إن سمير قصير تجاوز الخطوط الحمر إذ كتب في الشأن السوري الداخلي وربط استقلال لبنان بديمقراطية سوريا... وفي كل هذا ما استدعى، مرة بعد مرة، تدابير اضطُرّت المعنيين الى الاستئصال منعاً للتمادي وذوداً عن الاستقرار...


على أسس "القتل الوقائي أو التأديبي" إذن، قامت في لبنان معادلة "الدم أو الرضوخ" لعقود ثلاثة خلت

وإن كان من فضل كبير ليوم 14 آذار 2005 (بمعزل عن أي نقاش في وظائفه السياسية والطائفية الداخلية)، فهو أنه أسقطها وأسقط التهويل والتخويف بها، ورفض الاستسلام لمقولة إن المقتول مذنب وليس القاتل، وإن الصمت والرضوخ هما السبيل الأمثل لتفادي استجلاب المزيد من الهلاك والفتن.
*****
... واليوم في 16 آذار 2010، بعد 33 عاماً على الجريمة التأسيسية، وبعد 5 سنوات على إسقاط المعادلة المبنية على ذاك التأسيس، يجدر ربما تأكيد أمر واحد بعيداً عن كل سجال وتبرير أو هجاء وتعريض: أن النسيان والمسامحة لا يحلّان مشكلة ولا ينتجان معادلات جديدة.
فالمسامحة يمكن أن تتمّ بعد المحاكمة أو بعد اعتراف القاتل بجرائمه واعتذاره عنها. أما النسيان فلا يغيّر في شيء ما قد حصل. وهو في أحسن الأحوال، يسمح لمن يريده أن يلغي من ذاكرته حدثاً، لكنه في ذلك لا يلغي الحدث نفسه، ولا أطرافه ووجوهه.
والأهمّ، لا يلغي حقيقة أن ثمة من لن ينسى ومن لن يفضّل المسامحة على العدالة، ولا حتى على البعض منها، ولو بعد حين...
زياد ماجد

Monday, March 8, 2010

في يوم المرأة ...

يذكّرنا اليوم العالمي للمرأة كل عام أن أحوال المرأة في لبنان ليست على ما يرام.
فالتمييز ضدّها في القوانين والممارسات مستمر، وموقعها في الحياة العامة مهمّش تماماً كما حالها في أغلب الأحيان في الحياة الأُسرية وفي منظومة العلاقات الاجتماعية.
ويمكن فهم الأمر بوصفه نتاجاً للقوانين المجحفة بحقها، المتراكمة منذ عقود، من قوانين الأحوال الشخصية الى قانون الجنسية، ومن قانون العقوبات الى قوانين العمل والتقديمات الاجتماعية والصحية.
ويمكن فهمه أيضاً انطلاقاً من الصورة النمطية المقدّمة عن المرأة بوصفها الأم والأخت والزوجة، وليس الكائن المستقل في ذاته بمعزل عن النسب الى علاقة عائلية تفرض أدواراً محدّدة وتفترض علاقات تراتبية تحلّ فيها المرأة – الدور في المرتبة الثانية على الدوام.
كما يمكن فهمه عند تشريح النخب السياسية والاقتصادية في لبنان حيث لا وجود فاعلاً للمرأة إلا بكونها – في حالات معدودة – وريثة لوالد أو لزوج وافته المنيّة أو لقي مصرعاً قبل بلوغ أحد الذكور من نسله سنّاً يسمح له بارتداء عباءته.
وفي هذا ما يجعل الاهتمام بقضاياها ثانوياً في بيئة تستصغر ما تخاله قضايا ترف نخبوي.
وإن أٌضيف الى كل ذلك العنف الرمزي - المعنوي أو الجسدي المباشر المُستسهَلة ممارسته ضدها في كثير من البيئات، صار الفهم أوضح، وبان الوضع أكثر سوءاً وظلماً، وأمست الحاجة الى مواجهته أكثر أولوية وإلحاحاً مما يُظنّ.

:على أن بعض الإشارات الايجابية ظهرت في السنوات الأخيرة
- منها الحملات الهادفة الى المطالبة بالاعتراف بمواطنية المرأة وبحقها "البديهي" في منح الجنسية اللبنانية الى زوجها الأجنبي والى أولادها،
- ومنها حملات المطالبة بالقانون الاختياري للأحوال الشخصية،
- ومنها أيضاً الحملات الهادفة الى التعريف بقباحة العنف المتعرّضة له بأشكاله كافة،
- ومنها كذلك الإصرار على كوتا نسائية في الانتخابات تمكّن النسوة من التمثّل في المؤسسات الدستورية التي يحجبها عن الوصول إليها السلوك الذكوري وآليات الهيمنة الاجتماعية والاقتصادية السائدة، كما إحجامها عن المشاركة خوفاً من الفشل.
- ومنها الكتابات والدراسات حول الإجحاف الذي تعاني منه في القوانين والتشريعات الوضعية والدينية.
لكن هذه الإشارات الهامة، على ضرورتها وشجاعة القائمات والقائمين عليها، تبقى معزولة في السياق السياسي والقانوني العام في البلاد إن لم يُصار الى تحصينها.
والتحصين يبدأ بتبنّي الإعلام لها وبالكتابة الدورية حولها، وبالضغط على الأحزاب والتشكيلات المجتمعية كما على الأفراد المؤثرين – وزراء ونوّاباً وحقوقيّين- لاعتمادها وتحويلها الى مشاريع قوانين تُحرج من يرفضها، وتراكم محاولةً إثر محاولة نهجاً إصلاحياً هو أحوج ما نكون إليه...
زياد ماجد

Tuesday, March 2, 2010

إيران وأخواتها

تثير زيارة الرئيس الايراني أحمدي نجاد الى دمشق والقمة التي عقدها مع الرئيس السوري بشار الأسد بمشاركة أمين عام حزب الله حسن نصر الله، ملاحظات عدة حول العلاقات والأحلاف الاقليمية، وحول التوقيت والرسائل السياسية.
هنا بعض هذه الملاحظات.
في مضمون اللقاء
ليس تصريحاً جديداً ما أعلنه المجتمعون عن أن أي حرب ضد لبنان لن تُبقي سوريا مكتوفة الأيدي. فهذا التصريح يسمعه اللبنانيون والسوريون ومعهم الفلسطينيون منذ عقود، ولم يروا منه في كل مرة كانت حمم الموت الاسرائيلي تتساقط فيها على الجنوب وبيروت (والضفة وغزة) سوى التشديد الحاسم على "رفض سوريا الانجرار خلف استفزازات العدو وترك الردّ للتوقيت والمكان اللذين تختارهما بنفسها"، وهما الى الآن مجهولان.
وليس جديداً كذلك توعّد الرئيس الايراني الحالي بمحو إسرائيل فور "ارتكابها خطأ العدوان على المقاومة وعلى المقاومين أنظمةً وحركات". فهو يكرّر التهديد منذ سنوات، لكنه لا يبدو في عجلة من أمره لتنفيذه...
هل من جديد إذن في ما قيل؟ لا يبدو ذلك. لكن الجديد الفعلي هو في توقيت القول وشكله وظروفه.
عن ظروفه الإقليمية والدولية
انعقد اللقاء ليؤكّد على استمرار الجبهة التحالفيّة بين سوريا وإيران، واستطراداً حزب الله، بعد كل الجهود العربية والدولية الهادفة الى تفكيكها، وبعد بعض القلق المتبادل بين أطرافها من مآل المفاوضات التي يُجريها كل منها وحيداً مع القوى الدولية، وبعد اتّضاح التباينات في الشأن العراقي بين دمشق (الساعية الى إبقاء الأميركيين والعراقيين في مأزق أمني يجعلها شريكاً محتملاً في أي تسوية لاحقة) وطهران (المطمئنة الى قوة دورها وحضورها في العراق وغير الممانعة في استقرار سياسي وأمني طالما أن حلفاءها المحلّيين عناصر أساسية في إدارة الدولة والمجتمع).
وهذا التأكيد على المضيّ في التحالف هو ربما الرسالة الجديدة المبعوثة لأطراف عديدين، بدءاً بفرنسا التي غادر رئيس وزرائها دمشق مؤكداً على المزيد من التعاون قبل ساعات من اللقاء، مروراً بالإدارة الأميركية التي قرّرت إعادة سفيرها الى دمشق قبل أيام منه، وصولاً الى السعودية التي صالحت النظام السوري منذ فترة ووفّرت فتح صفحة جديدة له لبنانياً.
والتآم اللقاء قد يكون، بهذا التوقيت، مبادرة إيرانية للتأكيد على أن لا شيء تغيّر في دمشق رغم الانفتاح العربي والغربي عليها. كما أنه محاولة سورية للعودة الى سياسات التموضع في أكثر من موقع، وإبقاء الخطوط مفتوحة مع أكثر من طرف، بانتظار جلاء الأمور في مرحلة تبدو فيها الأولويات الأميركية بعيدة عن إقلاق راحة قصر المهاجرين، ولو من دون حرارة مع حكّامه.
في الشكل ومستويات التمثيل والغياب
يعكس شكل اللقاء جوانب عدة من وظيفته.
فهو تمّ بين رئيسي دولتين ورئيس منظمة سياسية عسكرية يُراد له أن يكون ممثل دولة ثالثة. وفي ذلك تجاوز لأعراف ولمفاهيم سيادية وتعامل مع ممثل جهة لبنانية بوصفه ممثلاً للدولة ولقرارات السلم والحرب والتموضع الخارجي فيها. وهذا يكرّس النظرة الفوقية الى لبنان والتعامل السوري والايراني معه بوصفه "التابع" وساحة الصراعات وتصفياتها، مع "حلاوة لسان" وتعهّد بعدم تركه وحيداً إن هاجمته إسرائيل. كما أنه يكرّس نظرة حزب الله الى الكيان اللبناني باعتباره أرض مقاومة لا حاجة فيها لمؤسسات منتخبة أو لسلطات دستورية تدير خيارات أهلها.
ولعل في غياب زعيم حركة حماس عن الاجتماع – بقرار من الحركة أو بعدم توجيه دعوة له – ثم ظهوره الى جانب زعيم الجهاد الإسلامي في صورة استلحاقية في طهران، ما يشير الى أمر ما مستجدّ في السياق الفلسطيني - الإقليمي، من المفيد رصده في المرحلة المقبلة...
خلاصة القول إننا أمام مشهد حدّاه الستاتو كو المقيت والصدام المدمّر. ونحن على الأرجح غارقون فيه لوقت إضافي.
زياد ماجد

Tuesday, February 16, 2010

عن 14 شباط 2010



لم يكن 14 شباط هذا العام شبيهاً تماماً بالمحطات السنوية التي سبقته.
فبعيداً عن البروباغاندا والبروباغاندا المضادة حول الحشد، وهو في أحسن الأحوال أقلّ مما كان عليه في السنوات السابقة، وأكثر مما يفترض به أن يكون بعد التطوّرات السياسية الأخيرة وبعد شعور كثر بانتفاء معنى الاستنفار الشعبي طالما أن الدينامية التوافقية داخل النادي السياسي هي الحاكمة... وبعيداً عن الشعارات التعبوية والتحذيرية، أو تلك المستخفّة بما جرى وكأنه مسألة عابرة لا دلالات لها، يمكن لمراقب أن يسجّل عدداً من الملاحظات السياسية.


مثّل 14 شباط 2010 استعادة لبعض معاني انتخابات 2009 معطوفة على ما تلاها من تراجع.
- فهو أكّد مرة جديدة القدرة التعبوية الكبيرة لتيار المستقبل، وهي القدرة التي كانت قد أوصلت سعد الحريري الى زعامة غير مسبوقة في الشارع السني، كرّستها الانتخابات النيابية وأفضت به نتيجتها الى رئاسة الحكومة.
- وهو عاد وظهّر التقدّم الشعبي لمسيحيي 14 آذار، وبخاصة للقوات اللبنانية. لكنه كرّر تبيان تعذّر صرف التقدّم هذا سياسياً في المؤسسات أو تحويله تأثيراً حاسماً في السياق الوطني، تماماً كما جرى بعد الانتخابات الماضية مع البدء بمفاوضات تشكيل الحكومة (حين استعاد ميشال عون سياسياً ما كان قد خسره انتخابياً).
- وهو جسّد القدرة الجنبلاطية على استيعاب الوضع الدرزي وتململه من مستجدّاته السياسية. فلم يكن الحضور من الجبل والشوف وراشيا وحاصبيا كما كان في السنوات الفائتة، رغم أن المشاعر على الأرجح لم تتبدّل. وزيارة جنبلاط ضريح الرئيس الحريري، ثم انتقاله الى الضاحية الجنوبية للقاء السيد نصر الله بيّنا في يوم الحشد نفسه الفارق بين مستويين من التعاطي الجنبلاطي مع المرحلة الراهنة.
- وهو أكّد أن الحضور "المدني" من خارج الماكينات الكبرى انطلاقاً من موقف "الضد" (ضد النظام السوري وحلفائه اللبنانيين – حزب الله والتيار العوني وسواهما) أكثر منه من موقف "المع" (مع قيادات 14 آذار)، استمرّ في سلوك يشبه سلوك الانتخابات الطلابية والنقابية الأخيرة التي كانت تسابق المصالحات وتوزيع المناصب الوزارية (ولو على نحو أكثر خجلاً هذه المرة)...
ترجم 14 شباط 2010 ما يمكن تسميته بالتعبوية العاطفية.
ففي كلّ الظروف التي تلد تجمّعات شعبية ضخمة، تظهر مجموعة عناصر تنسج المشترك بين الناس.
- منها الانفعال الجماعي نتيجة الظروف الولّادة للحشد وما تسبّبت به من آلام ثم صنعته من آمال.
– ومنها الذاكرة المكانية والطقوسية التي يتقاسمها المجتمعون، إذ صارت ساحة الشهداء هوية سياسية لهم وصارت زواياها والمسالك المفضية إليها دروباً يسلكونها سنوياً بطقوس لا تتغيّر: رفع العلم والشعار ووضع الفولار وإشهار رغبة التحدّي والتآخي مع الآلاف من الوافدين، والتلهّف لمشاهدة بحرهم في طور التكوّن ثم الوقوف على صورته مساء للاحتفاء به وبطوفانه.
– ومنها كذلك الشعور بأمان الكثرة. تلك الكثرة التي تمدّ الفرد بالقوة وبرغبة الاستمرار، والتي تعزّز عنده اليقين السياسي وتمنع عنه التردّد أو القلق نتيجة ما يمكن تطارحه من أسئلة حول جدوى التزامه وصوابيّته.
– ومنها أخيراً التمسّك بفكرة متّصلة بالوفاء للدم، برفض نسيان التضحية التي افتدى من خلالها المضحّي الجمعَ المحتشد، بتذكّره وبالانتصار له.
على أن 14 شباط 2010 عبّر في مفارقة سياسية صارخة، بعكس ما يردّده البعض حول كونه إنذاراً شعبياً للأكثرية النيابية لوقف سياسة التنازل، وبعكس نوايا معظم من نزل (وتحديداً أولئك الوافدين متسلّحين "بالضد")، عن تغطية شعبية "لسياسة التنازل" هذه، أو على نحو أدقّ، لما تمّ منها حتى الآن، ولو على نحو غير مباشر.
ف14 شباط 2010 قطع سياسياً مع ما سبقه في ما خصّ التعبئة ضد النظام السوري، واستبدل ذلك بالحديث عن العلاقات الندّية والاحترام المتبادل والالتفاف حول رئيس الحكومة الداخل الى المصالحات مع دمشق من "النافذة السعودية". وهذا كان متوَقَّعاً. كما أنه قطع سياسياً مع "أقلمة" النزاع اللبناني، بذريعة المعادلات العربية الجديدة، جاعلاً مسألة بحجم مسألة سلاح حزب الله داخلية لبنانية يتحمّل الحزب مسؤوليتها، وهو المتلحّف في شأنها بثلث ضامن يقيه من أي تصويت حاسم بشأنها.

الأبعد دلالة من كل ذلك، هو أن 14 شباط 2010 أظهر، إن وُضعت المشاعر والحدّة في اختيار التعابير وأساليب الكلام جانباً، أن الفوارق الجوهرية صارت شبه متلاشية بين مواقف الحريري وجنبلاط السياسية. ففتح صفحة جديدة مع نظام دمشق مشترك بينهما، وكذلك مسار التسوية الداخلية، ولو بنكهتين، واحدة "عروبية" تبتعد عن "القُطرية" وبعض متطلّباتها والثانية "لبنانية أولاً" تصرّ على البقاء في تواصل مع شركاء مسيحيين.

وكل هذا يعني في ما يعنيه أن المرحلة المقبلة ستكون من جديد مرحلة ستاتوكو داخلية بانتظار التطورات الخارجية...
زياد ماجد

Monday, February 8, 2010

الرئيس السوري والنظام اللبناني

يصعب فهم الجوانب الدستورية أو المؤسساتية أو حتى التطبيقية للنظام السياسي اللبناني التي يرى الرئيس السوري ضرورة تغييرها تجنّباً لاندلاع حرب أهلية في لبنان لا تحتاج نيرانها لأكثر من أيام لتشتعل، على ما قال في مقابلته مع سيمور هيرش في مجلة نيويوركر


فإن كان الضروري تغييره بنظر الرئيس الأسد هو كل ما يتّصل بالديمقراطية التوافقية التي يقوم على أساسها نظام الحكم في لبنان، فالمسألة تحتاج لنقاش مستفيض حول البدائل المتاحة وحول تجارب المحيط العربي مع هذه البدائل ومؤدّياتها.
وإن كان المقصود هو السمة الطائفية للنظام وتجلّياتها الثقافية والمسلكية، فالأمر يحتاج أيضاً لبحث عن سبل التعاقد الوطني وشروطه وعمّا إذا كان إشهار الطائفية من خلال توزيع المناصب أسوأ أم ممارستها من خلال الاستئثار بالحكم وتغليف هذا الاستئثار بشعارات العلمنة والمواطنة.
وإن كان المطلوب إعادة النظر فيه هو الطابع المدني للسلطة السياسية في لبنان، فمن المفيد التقصّي عن الخيارات الأخرى المطروحة، العسكريتارية أو الثيوقراطية أو العائلية، التي يمكن تقييمها إذ هي موجودة منذ عقود على امتداد خريطة المنطقة.
أما إن كان تغيير القوانين التي تتيح الحريات والتعدّد والتنوّع هو المعنيّ بالقول الرئاسي السوري، فربما المقارنة مع نظم الطوارئ والمحاكم العسكرية تفيد للإضاءة على التبعات السياسية والاقتصادية والثقافية (والصحافية) للنموذجين، وأيّهما واجبٌ تغييره.

والحقيقة، بمعزل عمّا قاله الرئيس الأسد وما أدلى به بعض من تجرّأ من سياسيين لبنانيين على الردّ، هي أن النظام اللبناني هو فعلاً نظام مأزوم ويصعب استمرار الرهان على قدرته على إدارة الأوضاع في ظلّ التبدّلات الدائمة في موازين القوى الديموغرافية والسياسية والاستراتيجية للجماعات الطائفية، وفي ظل إصرار كل جماعة معنية بالتبدّل على ترجمة المتغيّرات داخل النظام والحصص في مؤسساته
كما أنه عاجز عن التطوّر حالياً في ظل قدرة أحد الأطراف على تهميش أكثر آلياته والعمل على فرض توجّهات وتدابير على اللبنانيين جميعاً، لامتلاك هذا الطرف الأسلحة وقرارات الحرب والسلم المتأتية منها.
لكن تشخيص المواجع في النظام والبحث في سبل إصلاحه التي لا تسبّب أزمات جديدة شيء، والحديث عن التغيير والانقلاب على القائم شيء آخر. فقد علّمتنا التجارب حتى الآن أن لا بدائل جذرية تبدو ممكنة في ظل هشاشة الإجماعات الوطنية بين اللبنانيين، وفي ظل التداخل بين الوضع اللبناني الداخلي وبين أوضاع المحيط الإقليمي وسعي أطراف هذا المحيط الى اعتماد لبنان ساحة رسائل أمنية وسياسية...
على أن باب القصيد في قول الرئيس الأسد قد يكون أكثر بساطة ومباشرة من كل ما ذُكر: جعل اللبنانيين يعيشون ما يعيشه السوريون منذ أوائل الستينات.
ذلك أنه بعد الفشل في سياسة الضمّ والابتلاع ثم العودة المظفّرة من خلال الانتخابات النيابية، صار المطلوب اليوم إرسال إشارات تتذرّع بالحرص على العلاقات المتجدّدة بين البلدين بعد "حفلة المصالحات" لتوجيه النقد للنظام اللبناني (صحيفة "تشرين" من فترة، والتصريح الرئاسي بالأمس) والمطالبة بتغييره ليس لما فيه من مساوئ، بل تحديداً لما فيه من حسنات، والحرية أوّلها، فيصبح حينها أكثر شبهاً بنظام البعث، وتكتمل إذ ذاك الأخوّة بين البلدين.
واكتمالها على هذا الأساس يعني أن تستكين السياسة في لبنان لصالح "الأمن" وأجهزته، وتتلاشى منابر التعبير المستقلّ، وتتنهي احتمالات انتقال "إرهاصات" التحرّر بالعدوى، في زمن الفضائيات والإنترنت والفايسبوك والتجارة والعمّال الوافدين وغيرها مما تتطلّب مراقبته وقمعه جهوداً يحبّذ الإستبداد توفيرها لأمور أخرى ولأوقات أكثر شدّة...
أما إن تعذّر ذلك، فلا بأس حينها بالقول إن الحرب يمكن أن تندلع (بسبب الحرّيات) بأي لحظة، ليحلو الحديث من بعد في الاستقرار والتباهي بشروطه...
زياد ماجد

Saturday, February 6, 2010

بؤس يسارَين

يبدو اليسار اللبناني في مشهديه، الشيوعي – القومي من جهة والديمقراطي الوسطي من جهة ثانية – في حالة إفلاس لم يسبق أن شهدها من قبل.
فبين يسار يختصر السياسة اللبنانية بهجاء الطائفية والطوائف (وكأنها مخلوقات معزولة وغريبة عن لبنان وتاريخه)، ويقفز الى الوضع الإقليمي فيختزل شجون المنطقة ومآسيها بجدار تبنيه مصر على حدود غزة (وهو بأي حال جدار عار لكنه ليس سبب التيه الفلسطيني ولا البؤس العربي)، ثم ينطلق الى الوضع العالمي فلا يرى في كل ما يجري في القارات الخمس سوى مكائد أميركية (من هايتي الى دارفور فاليمن)، وبين يسار يكاد بالمقابل يخجل من المجاهرة بالعلمنة مخترعاً مصطلحات عجائبية من نوع "الدولة الطبيعية"، ويسمّي أنظمة عربية مهترئة "اعتدالاً"، ثم يغيب عن باله أن ثمة أموراً في العالم وعلاقاته الدولية ومصالح الأطراف فيه تدور بمعزل عن لبنان وسيادته، بين هذين اليسارَين يضيع معنى اليسار ويختفي دوره. والدور هذا، في بلاد مثل بلادنا، أخلاقي ورمزي إضافة الى كونه سياسياً.


في حالة اليسار الأول، الذي بلغت الصفاقة ببعض أطرافه حدّ تكريم دكتاتور بائد هو صدّام حسين، صار التماهي مع العديد من التيارات (التي سمّاها مرّة ظلامية) بحجة "الممانعة" تماهياً لا تعكّره سوى مسلكيّات فردية خاصة بالمشرب والمأكل والملبس. بهذا، يصبح الانتماء الى معسكر يجمع الطالبان والبعث (ببقاياه العراقية وبحكمه السوري) وحزب الله وحماس ونظامي أحمدي نجاد وعمر البشير – مع بعض الزينة التشافيزية – انتماء طبيعياً لكون المقياس مناهضة أميركا فعلاً أو لفظاً (حتى ولو أدمت ممارسات المناهضة هذه شعوباً بحالها). وإن عُطف الموقف المذكور، على تسخيف اليسار عينه للبنان واستقلاله وشتمه لطائفيته، صارت الفضيحة أعظم، إذ أن الطائفية في لبنان - على قباحاتها ومساوئها - أقل فتكاً بالمجتمع منها في معظم الدول المتعاطَف معها، ناهيك بأن من يناصر تيارات ليست طائفية فحسب بل ودينية أيضاً يُستغرب بعد ذلك هوسه بالطوائف

أما في حالة اليسار الثاني، فبعد صعود ومشاركة فاعلة في انتفاضة الاستقلال عام 2005، صار الصمت والعجز عن التحليل واتخاذ المواقف والخوض في المحاججات سمة رئيسية تخرقها بين شهر وآخر بيانات وتصريحات يخالها القارئ مسودّات مواضيع إنشاء في صفوف تكميلية، حيث بعض الشعارات والعموميات حول الحرية والاستقرار والسلم والعدل تُتَوّج بعبارات من نوع "بناء الدولة"، وكأن البناء هذا نشاط مهني ونقابي أو جائزة يُكافأ عليها من ينادي بها أكثر من غيره. وهكذا، يغيب المنطق السياسي، ويتخبّط ما يصدر من مواقف متفرقة بالتناقضات، وبالعجز عن بلورة قراءة علمية لأزمة النظام والدولة والمجتمع كما للأحداث والظروف، محلية كانت أو خارجية.

هل هذا يعني أن اليسار فقد مبرّر وجوده في لبنان؟
لا نعتقد ذلك. فالفكر الذي أنتج أدوات معرفية تشرّح الواقع وتحلّله، والموقف الأخلاقي المحصّن للسياسة، والمزاوج بين فهم الواقع وحيويّاته والتوق الى تغييره من دون أوهام أو مبالغات، والأهم من ذلك، الدفاع عن منطق لا يخشى الابتزاز ولا يستسلم للسهولة ولازدواجية المعايير، جميعها ما زالت مسائل يحتاج إليها الاجتماع السياسي اللبناني، وأكثر من أي وقت مضى. وإن أضفنا إليها ضرورة السعي في لبنان اليوم الى خلق ديناميات مواطنية متحرّرة من الأثقال المذهبية والطائفية، والى تحقيق تنمية اجتماعية تقلّص الفوارق الطبقية والمناطقية، والى سن تشريعات تلغي التمييز ضد المرأة وتمنح الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين وتجرّم العنصرية ضد العمّال السوريّين والأجانب والمهمّشين، وقعنا على الحاجة التي لم تنتفِ لبناء يسار جديد يعيد الى اليسار دوره وبريقه...
زياد ماجد

Tuesday, February 2, 2010

هل قلتم إصلاحات؟


خاض أكثر أطراف الطبقة السياسية اللبنانية في الأيام الماضية في نقاشات تمحور ظاهرها حول عناوين إصلاحية، في وقت كان جلياً انبعاثها من حسابات طائفية ومذهبية ولو من منطلقات مختلفة.
ولعلّ بعض التدقيق في عدد من هذه العناوين وفي ظروف طرحها يفيد لتبيان عمق الانقسامات وصعوبة مقاربة المسائل على نحو مجرّد من التشنّج وفقدان الثقة السائدين.

عن إلغاء الطائفية السياسية وسن ال18 والجنسية اللبنانية
أن يُطلِق البحث في إلغاء الطائفية السياسية طرفٌ يستمدّ مشروعيّته السياسية والدستورية منها، وأن يناصره في ذلك حزب ديني يرى في ولاية الفقيه عقيدة ولا يقبل بغير الثلث الضامن في السلطة التنفيذية، فالأمر مدعاة تأمّل في أهداف البحث وفي توقيت طرحه.
وأن يَردّ على الطارح وحلفائه أطرافٌ يبدو هاجسهم الوحيد التمسّك بالطائفية لأسباب ديموغرافية تفتقر الى المنطق الديمقراطي رغم استنجادهم به في أوقات أخرى رداً على مقولات التوافقية (التي يتذكرون لاحقاً أن لا غنى لهم عنها)، فالمسألة تصبح رداً طائفياً على طرح طائفي لإلغاء الطائفية!
ولكي لا ينتهي المشهد على تعادل، يعاجل دعاة الإلغاء خصومهم بالقول: حسناً، تصرّون على المناصفة الشكلية (بعد أن فرضنا عليكم بالسلاح ما يشبه المثالثة)، فليكن، هاكم إذن سن ال18 عمراً للاقتراع!
ولمّا كان سن ال18 هو فعلاً وبداهة السن الواجب اعتماده للانتخاب طالما أنه سنّ الرشد القانوني المتيح عقوبات ومحاكمات وإجازات قيادة سيارات وفتح حسابات مصرفية ومباشرة أعمال وأنشطة اقتصادية وانتساب الى الجيش والأجهزة الأمنية، فإن استغراب تحويله مادة سجالية، لا يلبث أن يختفي حين تبان أسبابه الطائفية. فالاستنصار التهديدي بمن هم بين ال18 وال21 من العمر لتعميق الفجوة الديموغرافية الواسعة أصلاً بين المسلمين والمسيحيين، يتحوّل في الردود الرافضة (لأسباب رقميّة جليّة) الى اجتهادات لا معنى لها حول ثقافة من هم في سن ال18 وحول سلوكياتهم ومخاطرها، أو يفتح الباب أمام مطلب آخر محقّ لكنه ليس دحضاً لمطلب تخفيض العمر الانتخابي، ولا ينبغي أن يبدو نكاية: مطلب اقتراع المغتربين في أماكن اغترابهم. ذلك أن لا سلوكيات من هم في عمر ال18 هي المشكلة (ولا دراسات حولها وحول تبعاتها الانتخابية أصلاً، وحتى لو افترضناها إشكالية، فهذا لا يغيّر من حق أصحابها الديمقراطي)، ولا شأن المغتربين مرتبط بسنّ الرشد أو تداعيات اعتماده. فشأن هؤلاء إداري لوجستي ينبغي تنظيمه في السفارات اللبنانية، وينبغي تقديم مشروع قانون لإقراره بأسرع وقت.
ثم هناك من يذهب في ردّه على الابتزاز العددي أبعد من ذلك. إذ يطالب بمنح الجنسية اللبنانية لمن هاجر (من متصرفية جبل لبنان) في مطالع القرن الماضي. وبذلك، يقفز في ردّه "الطائفي" نحو موضوع ينبغي أن يُبحث أيضاً، ولكن من دون علاقة سببية بأي شأن عمريّ، ويجب أن توضع له معاييره وضوابطه وشروطه.
وفي أي حال، فإن المعالجة الضرورية لقانون الجنسية في لبنان، يجب أن تبدأ – وقبل الوصول المفيد الى ريو دي جينيرو ومكسيكو وماساشوستس- بإقرار حق النساء اللبنانيات المتزوجات من أجانب بمنح الجنسية لعائلاتهن اعترافاً بمواطنيتهن وبمساواتهن باللبنانيين الذكور.
عن الانتخابات البلدية
ما يسري على العناوين السابقة، يسري أيضاً على العناوين المطروحة اليوم لتحسين الأداء الانتخابي البلدي.
فالقضايا الثلاث الأكثر أهمية لإصلاح قانون الانتخابات المحلية جرى تجنّبها أو إسقاطها في المداولات.
فلا الاقتراع مكان القيد أو مكان السكن جرى التطرّق إليه، ولا أسباب تقسيم المدن وفقاً لدوائر عقارية كما هي الحال في المدن الكبرى في العالم جرى عرضها والردّ عليها، بل استُبدِلت بزجل حول وحدة بيروت أو تقسيمها وفق حدود طائفية (وهي قُسّمت كذلك في الانتخابات النيابية منذ أشهر!)، ولا الاقتراع النسبي بما هو مدخل تحسين مستوى التمثيل جرى القول فيه لكل المجالس البلدية.
لحسن الحظ أن الكوتا النسائية اعتُمدت (ولو بنسبة تقلّ عن ال30 في المئة الواجب احترامها وفقاً للاتفاقيات الدولية). فلولا هذا الاعتماد، ولولا الجدل حول انتخاب رئيس البلدية ونائبه مباشرة، لما كان النقاش دار حول أي موضوع مستقل عن التمثيل الطائفي وما يفترضه من تعاط مع وضع العاصمة.
*****
في ختام هذه العجالة، لا بد من القول إنه رغم المخاوف الطائفية التي لا يمكن نفيها – وبعضها مبرّر في ظل وجود طائفة مسلّحة - ورغم أن الطائفية ذاتها مؤسسة كبرى في لبنان قوامها التمثيل السياسي والإدارات والخدمات والهيئات الدينية والتعليم الخاص وبعض البنى الاجتماعية ويصعب بالتالي إسقاطها من الحساب عند أي مقاربة سياسية، ورغم أن الخلل الديموغرافي يطرح تحدّيات عديدة على صيغ الحكم والمشاركة في مؤسساته يجب التصدّي لها، إلا أنه لا يمكن للمعنيين بالإصلاح الجدّي الاستسلام للديماغوجية واستغلال الشعارات المطروحة، ثم الاكتفاء برفضها (ولو كانت سليمة) والبحث عن ذرائع تدفع شرّ طارحيها. فالتأكيد عليها وتبنّيها ضمن ورشة إصلاحية شاملة لا يقلّ أهمّية عن رفض جعلها أدوات ابتزاز وتهويل وتهديد يستخدمها طرف ضد آخر...
زياد ماجد

Tuesday, January 26, 2010

أبو موسى 1983.. أبو موسى 2010

في العام 1983، وبعد عام على الاجتياح الاسرائيلي للبنان، اندلعت معارك ضارية في مخيمي البارد والبداوي في الشمال وفي بعض مناطق طرابلس بين الجيش السوري ومقاتلي حركة فتح.
كان النظام السوري قد قرّر شن هجوم شامل على الوجود الفلسطيني الذي لم تنهه إسرائيل في اجتياحها بهدف القبض على الورقة الفلسطينية والقضاء على مفاعيل الشعار العرفاتي الشهير: القرار الوطني المستقل. وقد اتّخذ الهجوم السوري يومها اسماً حركياً هو "فتح الانتفاضة" بقيادة أبو موسى و"القيادة العامة" بقيادة أحمد جبريل.
وبعد ثلاثة أشهر من الكرّ والفرّ، وبعد خسائر بشرية مدنية فلسطينية ولبنانية وعسكرية سورية وفلسطينية فادحة، سقط مخيما الشمال بيد الجيش السوري، ودخل أركان "الانتفاضة والقيادة العامة" استعراضياً إليهما، قبل أن يعودوا الى دمشق، موقع الأمر والنهي بالنسبة إليهم.

وفي العام 2007، دخلت "فتح الانتفاضة" مخيم البارد ثانية، متأسلمة هذه المرة، وبأمرة أحد ضبّاطها شاكر العبسي. ورغم مسرحية سجن أبو خالد العملة في دمشق لاتهامه بالانشقاق وبارتباط متأسلمي "الانتفاضة" به وتشكليهم "فتح الاسلام"، ورغم بعض الملابسات المحلية داخل المخيم وفي محيطه لجهة استقطاب سلفيين جهاديين والدخول في علاقات مع فلسطينيين ولبنانيين من جهات عدّة، بقيت الخيوط المخابراتية التي تُحرّك العبسي (ومن فرّ معه بعد خراب المخيم ومآسي أهله) هي نفسها التي حرّكت "الانتفاضة" قبل 24 عاماً.
واليوم في العام 2010، يدخل أبو موسى المسرح الفلسطيني في لبنان من جديد. يظهر من منزل رئيس بلدية صيدا ليرفض البحث في سحب السلاح والمقاتلين التابعين "لانتفاضته" والمتواجدين خارج المخيمات. يظهر من عاصمة الجنوب ليربط سلاحه بالصراع العربي الاسرائيلي، المتخطّي لبنان واللبنانيين، والمتخطّي شؤون اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم.
هكذا، يمرّر العقيد رسالة سورية تذكّر بتعدّد الأوراق الأمنية التي يملكها نظام دمشق وتؤكد أن موضوع السلاح "الانتفاضي" و"القيادي" ليس مسألة تقنية، ولا هو مسألة حوار وطني أو مصالحة لبنانية سورية. ذلك أن اللجوء الى مقولة الصراع العربي الاسرائيلي يشير الى أن الأمور أبعد من القضايا الوطنية – أو "القُطرية" بالعرف البعثي – وهي تستدعي مباحثات إقليمية وتفاوضاً مع "المجتمع الدولي" والولايات المتحدة وبحثاً في مآل قرارات الأمم المتحدة، من القرار 242 الى القرارين 1559 و1701، وهنا على الأرجح بيت القصيد...
وهذا كله يعني استمراراً في سياسات استدراج العروض انطلاقاً من الساحة اللبنانية. وهو يستدعي وضوحاً رسمياً لبنانياً، لم يظهر حتى الآن، أو على الأقل، لم يجر التعبير عنه بالمستوى المطلوب.
زياد ماجد

Tuesday, January 12, 2010

عن الأقليات

ليس موضوع الأقليات جديداً في العالم العربي ولا هو خاص به.
فالموضوع يرتبط أساساً بالهجرات وبتكوّن الأمبراطوريات وتوسّعها، ثم بولادة الأفكار القومية ونشوء الكولونيالية وقيام الكيانات الوطنية وترسيم حدودها. وهو يرتبط كذلك بمفاهيم الهويّات والانتماءات الأولية، ويحضر اليوم بوصفه قضية على قدر من الخطورة ومن الارتباط بالنزاعات الدائرة في الكثير من نواحي الأرض، من البلقان وأفغانستان وإندونيسيا والفيليبين وماليزيا وسيريلانكا الى الصين والاتحاد الروسي وأكثر البلدان الأفريقية. هذا إضافة الى وجوده تحت مسمّيات أخرى في بلدان أوروبية وأميركية عدّة.
على أنه في منطقتنا العربية، ولا سيما في مشرقها، يرتدي أهمية استثنائية. ذلك أن ميراثنا اللغوي والسياسي احتضن في القرون الماضية مفهوم "الأمة" بوصفه المفهوم الجامع ذا المشروعية الدينية والدنيوية التي وجب الاستناد إليها لإعلاء شأن أو إسقاط آخر.
فالأمة الإسلامية كانت الوعاء البشري والجغرافي الحاضن للخلافة الإسلامية القائمة أو الافتراضية، والأمة العربية كانت الإطار المشتهى لمرحلة ما بعد الكولونيالية وللتعبير عن صعود مشروع "ترابي" (وإن بقيت علاقته بالإسلام ملتبسة) يزيل حدوداً اعتبرها اصطناعية وتآمرية...
بهذا، ظلّت "الوطنيات" تدابير مؤقتة وصارت المغالاة فيها - إن لم تكن موجّهة الى عدوّ خارجي- صنو الانعزال أو الردّة أو التخلّي عن "الوطن الأكبر".
حتى أن القضية التي يدّعي أنصار الأمة إجماعاً على أولويتها، قضية فلسطين، عُيّب على أهلها اتّخاذها هويةً لهم واتُهم زعميهم ياسر عرفات بالخيانة لتمسّكه بالقرار الوطني المستقل، أي ذاك الرافض مصادرة الأنظمة العربية له بذريعة "القضية القومية" وأولويات الأمة وسواها من مفردات استهلكتها تيارات وقوى قابضة على سلطات بلادها منذ عقود.
وإن كان الكلام بالوطنيات وبالانتماءات ما دون القومية يثير شبهات انعزال، فكيف إذن بالكلام في قضايا الأقليات؟
يبرز هنا مستويان للمقاربة.

الأول، يُكمل ما سبق ذكره من زجل قومي/إسلامي سقيم ويضعه في مرتبة هجاء أعلى شأناً. فما جرى اعتباره انعزالاً في حالة التخلي عن المشروع الوحدوي لصالح وطنيات وأولويات محلية، يصبح في حالة الكلام على حقوق الأقليات "إدخالاً للوهن الى جسم الأمة وتنفيذاً لأجندات خارجية تبحث عن تفتيت المفتّت حماية لإسرائيل وتبريراً لوجودها".
أما الثاني، فمرتبط ببعدين قامت عليهما السلطة في عدد من البلدان ذات الشعارات القومية، وبالأخص في سوريا والعراق البعثيَّين. فالاستبداد الحاكم في كلا البلدين وحزبه الحامل شعارات تتخطّى الحدود، اتّخذ من فكرة الصَهر للناس خلف قيادته مسلكاً، ورفض البحث في التنوّع والتعدّد وهو القائل أصلاً إن قومه ما هم إلّا جزء من شعب قَسّمت حدود المعاهدات الاستعمارية وطنه الأكبر. وهو في الوقت نفسه – وفي الحالين - أقلّوي لجهة الانتماء المناطقي أو الطائفي، يتجنّب إثارة المسائل الأقلّوية إلا إن اضطر لاستنفار "الجماعة" المنبثق منها وتجييشها ضد الجماعات الأخرى حماية لمكتسبات وفّرها لنخبها، على نحو ما جرى في سوريا في بداية الثمانينات، وفي العراق طيلة التسعينات.
أما في مصر، حيث للوطنية حضور تاريخي قد يكون الأوسع بين الدول العربية، فمسألة التعامل مع الأقلّيات متّصلة على الأرجح بالتنافس على الحقل الديني بين السلطة السياسية والسلطات الدينية خارج المؤسسة الرسمية (أي خارج الأزهر). ومتّصلة أيضاً بمشاعر تعصّب طائفي مرافق لصعود بعض التيارات الإسلامية في مناطق يغلب عليها الطابع الريفي، ويتراجع على نحو مروّع حضور الدولة وأجهزتها غير المخابراتية فيها. وما الاعتداءات التي يتعرّض لها الأقباط منذ أيام سوى طور أشد بشاعة من طور الحملات التي تستهدفهم عشية كل انتخابات تشريعية وتُفضي رسوباً لجميع المرشحين من بينهم.
وفق معادلات كهذه، يمكن أن يتوقّع المرء المزيد من التهتّك والتطرّف والصدامات في الكثير من أراضي الناطقين بالضاد، ارتباطاً بمسألة الأقليات أو بمسائل الانتماءات القبلية والعشائرية والطائفية في ظل إدارات سياسية وأمنية قوامها غالباً القمع والفساد، وفي ظل غياب الحد المقبول من التعاقدات الاجتماعية والقوانين والممارسات المستندة إليها. وهو غياب لا يبدو أن غروبه حاصل في الأفق القريب...
زياد ماجد

Tuesday, January 5, 2010

ليس قضاء "البعث" قدراً

تتوالى تصريحات المدير السابق للأمن العام اللبناني ومؤتمراته الصحافية منذ خروجه من السجن قبل أشهر وإعلانه عن عزمه تولّي وزارة العدل... كما تتوالى زياراته الى العاصمة السورية للقاء المسؤولين فيها ولرفع الدعاوى أمام محاكمها ضد سياسيين وصحافيين وأمنيين وقانونيين لبنانيين وضد مواطنين عرب وأجانب.

وبقدر ما تثير تصريحات المدير السابق المذكور التندّر حين تركّز على التشكيك بصدقية القضاءين اللبناني والدولي لتبرير اللجوء الى "قضاء البعث" (على اعتبار أن لا شكّ بنزاهته ولا باستقامة قوانين الطوارئ التي يعتمدها منذ العام 1963 والمفضية كبتاً لأنفاس السوريين واعتقالاً تعسّفياً للآلاف منهم، مثقّفين وقانونيين وصحافيين وطلبة وناشطين سياسيين)، بقدر ما ينبغي التوقّف عند مدلولات الدعاوى، خاصة بعد تحوّل الاستنابات السورية المستندة إليها مادةً إعلامية لبنانية.

ذلك أن ما يُروّج له في بعض الإعلام حول وساطات تركية وسعودية فاشلة لدى الرئاسة السورية لسحب الاستنابات إنّما يهدف الى إظهار "أهميّتها" وخطورتها وعلوّ كعب صاحب شأنها (المدير السابق) ودخول أمم على خطّ التوسّط لديه، ولدى الدولة السورية التى اشتكى الى قضائها، دون أن تصل الوساطات الى نتيجة.

وفي هذا، بمعزل عن التضخيم والمبالغات، رسالة مفادها أن لا وساطة ستحمي بعد الآن من ستسوّل له نفسه الاستمرار في هجاء النظام السوري أو اتّهامه بالموبقات أو انتقاد مرحلة سيطرته على لبنان ورموزها. والغاية القصوى: إعادة بناء جدار الخوف الذي انهار في ساحة الشهداء قبل خمس سنوات، وجعل الصمت وبلع الألسن بالترهيب (أو الترغيب) عنوان المرحلة المقبلة.


على أن ما يجري تناسيه مقابل كل ذلك، وما تساعد ركاكة الطبقة السياسية اللبنانية بمعظم مكوّناتها على عدم تذكّره، هو أن استمرار حاجة نظام دمشق الى التهديد والى إظهار رفض الضغوط لا يعبّر بالضرورة عن قوّته وبأسه.

فرغم فكّ الطوق الذي كان مضروباً حوله، ورغم دعم إيران وتركيا المباشر له وتواطؤ إسرائيل غير المباشر معه، ثم الانفتاح الفرنسي-الأوروبي والسعودي عليه، ما زال النظام السوري عاجزاً عن إحكام الخناق حول بلد صغير يجاوره رغم تحالفاته فيه ورغم حكمه له لعقود. وهو بعد أن كان يتوعّد بتحقيق أكثرية في صناديق الانتخابات النيابية والعودة للهيمنة من خلالها، صار جلّ ما يتباهى به اليوم مصالحة بعض خصومه له واضطرارهم (لأسباب إقليمية أو أمنية) لزيارته.

بمعنى آخر، ليس قضاء البعث الذي يُروّج له اليوم قدراً.

لكن الخفة أو المكابرة عند بعض القوى اللبنانية المناوئة له من جهة، وفائض القوة المسلّح لدى حزب الله المتحالف معه من جهة ثانية، وهشاشة الإجماعات الوطنية اللبنانية المعطوفة على بنية طائفية للنظام تتحوّل عند الاحتقانات شللاً من جهة ثالثة، تتيح له التهديد والوعيد والضغط، وتجعل كل ظرف إقليمي (متفجّر أو مستقرّ) يبدو وكأنه حكماً مؤبّداً على حالة هي بالأحرى، وكما علّمتنا التجارب حتى الآن، مؤقّتة. ذلك أن الصراعات المستمرة في البلد ومحيطه تسمح في كل فصل بتبدّل تحالفات تبدّل بدورها موازين القوى. وللتذكير، فما بدا غير قابل للأفول عام 2004 انقضى عام 2005، وما بدا زهري اللون عام 2005 صار أسوده لاحقاً، وما يبدو هزيمة اليوم لمعسكر يتفكّك سبقه انتصار مدوّ له قبل أشهر.

العبرة من ذلك إذن، تكمن ربما في عدم الاستكانة المتسرّعة لطور سائد، والاستمرار في الدفاع عن الحرية من دون مقايضة، والمحافظة على الهدوء والمثابرة، والاستنتاج يوماً أن تغييراً للمعادلات صار ضرورياً، وأن استقراراً داخلياً حقيقياً لا يمكن أن يظل وقف ارتهان لنظام هنا ولمصالحة أو صدام هناك...

زياد ماجد