Sunday, July 21, 2019

كرة القدم النسائية الأميركية في مواجهة دونالد ترامب

شكّلت مسابقة كأس العالم النسائية الثامنة لكرة القدم التي فازت فيها حاملة اللقب الولايات المتّحدة قبل أسبوعين (للمرة الرابعة في تاريخها) منعطفاً رياضياً وإعلامياً وسياسياً مهماً على أكثر من صعيد.  
فعلى الصعيد الفنّي، قدّمت منتخبات المربّع الأخير (الولايات المتّحدة وهولندا والسويد وإنكلترا) مستوى جيّداً وأداءً مثيراً ظهّر تطوّر اللعبة في أوروبا، بعد أن كانت ألمانيا ومعها النروج وحدهما تنافسان الولايات المتحدة الأميركية. في حين لم تُفلح اليابان (حاملة اللقب العام 2011) والبرازيل في مجاراة فرق الصدارة وخرجت من الدور الثاني.
وعلى صعيد التنظيم والحضور والتغطية، نجحت فرنسا في حشد الانتباه للمسابقة، فامتلأت مدرّجات الملاعب، وتحسّن النقل التلفزيوني المباشر ومعه التعليق المحترف على المباريات، رغم بقاء آثار الثقافة الذكورية في بعض المصطلحات والتشبيهات المستخدمة، التي لم تتأخّر جمعيات نسوية وشخصيات فنية عن انتقادها والسخرية منها.
ومع أن "الاتحاد الدولي لكرة القدم" لم يتوانَ عن الموافقة على تنظيم عدة مسابقات في وقت واحد (وهو ما لم يكن ليفعله خلال إقامة كأس العالم للرجال)، إذ جرت بطولة أوروبا للشباب وكوبا أميركا والكأس الذهبية للكونكاكاف في نفس التوقيت (وتزامنت المباراتان النهائيتان للكأسين الأخيرين مع نهائي كأس العالم للنساء)، إلا أن رعاية الشركات الكبرى والاهتمام الإعلامي مكّنا الكأس النسائية من فرض نفسها كمسابقة دولية أساسية لا شكّ أن السنوات المقبلة ستشهد تكريساً لحضورها وتطويراً له.

Sunday, June 30, 2019

في تكامل معركتَي التحرّر من الاحتلال ومن الاستبداد

دخلت فلسطين والعالم العربي في العامين 2011 و2012 مرحلةً جديدة. فقضية الأولى عرفت تقدّماً سياسياً وديبلوماسياً دولياً بلغ أوجه عند صدور الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية ثم انضمام الأخيرة الى عدد من المنظمات الدولية وفي طليعتها اليونيسكو. والثاني شهد ثورات في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا بعثت أملاً بالتغيير وتحرير المجتمعات والأفراد من عقودٍ من الاستبداد والقهر. لكن التراجع ثم الانحدار جاءا سريعاً في الحالين بعد ذلك. ففي فلسطين، تصاعدت شراسة إسرائيل الميدانية وتعمّقت الانقسامات الداخلية الفلسطينية وعجزت قيادة السلطة ومثلها حماس عن إطلاق مبادرات مصالحة أو ديناميات سياسية تلجم تدهور الأوضاع وتقلّص رقعة أضرارها. وشنّت إسرائيل حرباً تدميرية على قطاع غزة العام 2014، كرّست خلالها عزلة القطاع عن باقي الأراضي الفلسطينية المحاصرة بدورها والمقطّعة أوصالها بالمستوطنات والطرق الالتفافية والجدار والحواجز العسكرية. وفي العالم العربي (مع استثناء تونسي)، أدّت الثورات المضادة وتعثّر التجارب الانتقالية والتمزّقات المجتمعية، وضراوة القمع والمذابح والتهجير والتدخلات العسكرية الايرانية والروسية في سوريا، والسعودية والايرانية في البحرين واليمن، وصعود "داعش" واحتلاله مناطق واسعة في العراق وسوريا ثم التدخّل الأميركي ضدّه، الى مآسي وخراب أطاحت ابتداءً من العام 2013 باحتمالات التغيير والتحرّر.

Sunday, June 23, 2019

عن الاسلاميين والعسكر ومقولة وجهَي العملة الواحدة


ارتفعت بُعيد وفاة الرئيس المصري المُعتقل محمد مرسي، نتيجة ظروف حبسه منذ الانقلاب عليه من قبل الجنرال عبد الفتاح السيسي، أصواتٌ يسارية وليبرالية عربية تقارب الأمر بحياد. حجّة الأصوات المذكورة أن لا فارق بين الإسلاميين والعسكر، وأن الطرفين "وجهان لعُملة واحدة"، وأنهما يتساويان عداءً للديمقراطية، ولا حاجة بالتالي لموقف قد يبدو تأييداً لواحدهما. 
على أن الحجّة هذه، خاصة إذ تُعلَن لحظة وفاة رئيسٍ مُنتخب في أول انتخابات حرّة في تاريخ مصر، ومُعتقل منذ ست سنوات في سجون العسكر المنقلِب عليه، تثير الكثير من الأسئلة عن ثقافة الديمقراطية ذاتها وعن فلسفة حقوق الانسان ومفهوم العدالة لدى مُعتنقيها.

Monday, June 10, 2019

عبد الباسط الساروت، أو سيرة ثورة مغدورة


قد يكون عبد الباسط الساروت الرجل الأكثر تجسيداً لمسار الثورة السورية في بهائها وارتجاليّتها وفي هنّاتها وتعرّجاتها، وصولاً الى نهاياتها التراجيدية.

فحارس مرمى نادي الكرامة الحمصي ومنتخب سوريا للشباب، المولود العام 1992 في حي البياضة الذي تقطنه غالبية من الوافدين الى حمص من ريفها، ويعيش فيه كما في بابا عمرو "بدوٌ" كانوا يوماً رحّلاً قبل أن يستقرّوا في ثالث مدن سوريا حجماً، اقتحم الثورة السورية بشعبيّته وبصوته ذي البحّة الشجيّة، ليقود المظاهرات ويحلّق كنسر فوق أكتاف محبّيه ممّن كانوا يصفّقون ويهتفون لصدّه الكرات، فصاروا يهتفون له ومعه من أجل الحرّية والعدالة وإسقاط النظام. عاش سلميّة الثورة في الساحات وقاد الجموع وشكّل لفترة ثنائياً أخّاذاً مع الفنانة الراحلة فدوى سليمان، العلوية المنبت والعلمانية المسلك، بما عناه الأمر يومها من رمزية أُريدَ لها كما لبعض الأهازيج والكتابات على الجدران مكافحة الطائفية والدفاع عن الوحدة الوطنية المُتخيّلة. وينبغي القول هنا، المُتخيّلة بصدق وإخلاص أو ربما باشتهاء وخشية اكتشاف فقدانٍ فظيع.

Sunday, June 9, 2019

السودان كاستثناء في تحالفات الثورات المضادة

ثبّتت أنظمة الاستبداد العربي على مدى عقود ماضية مقولة أن بديلها الوحيد إن خفّفت وطأة عسكرها وأجهزتها على المجتمعات وسمحت بانتخابات حرّة هو الحركات الإسلامية. استخدمت المقولة هذه في الداخل، تخويفاً لأقلّيات دينية أو لهيئات مجتمع مدني ثقافية وحقوقية، واستخدمتها في الخارج، حيث استثارة الدعم والبحث عن المشروعية والحماية الفعلية تتطلّب التهديد ببديل "خطير" إن ترافق أي دعم مع طلب إصلاح أو توسيع لهوامش المشاركة السياسية.
وعمدت الأنظمة إياها على مدى عقود أيضاً الى ضرب كل تيار سياسي يرفض الابتزاز المذكور ويحاول بناء ذاته خارج معادلة العسكر والمخابرات من ناحية والإسلاميين من ناحية ثانية، أو يحاول التواصل مع بعض الأخيرين وتوسيع التحالفات المعارضة والسعي الى التفاهم معهم على قواسم سياسية مشتركة.

Sunday, May 19, 2019

باراك أوباما الأميركي، باراك أوباما الدولي والشرق أوسطي

ما زالت سنوات حكم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تثير الخلافات والسجالات، إن في ما يتعلّق يسياساته الداخلية أو في ما يتعلّق بتلك التي اعتمدها خارجياً.
فالولايتان الممتدّتان بين كانون الثاني/يناير 2009 وكانون الثاني/يناير 2017 شهدتا كمّاً من القرارات والانقسامات والإنجازات غير المسبوقة داخل الولايات المتّحدة الأميركية منذ عقود. كما أنهما عرفتا أحداثاً وصراعات واتفاقات كثيرة خارجها. ويمكن لتقييم سريع لحكم الرجل وإدارته التذكير بأبرز العناوين والقضايا التي خاض فيها، خاصة في ضوء ما تلاها من إجراءات مضادة وقرارات مغايرة اتّخذها دونالد ترامب منذ دخوله البيت الأبيض مطلع العام 2017.

Thursday, May 16, 2019

إعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان: انتهاك للقانون الدولي وإطلاق لديناميّات تصعيدية جديدة في المنطقة


ملخّص تنفيذي

وقّع رئيس الولايات المتّحدة الأميركية دونالد ترامب في 25 آذار/مارس 2019 اعترافاً رسمياً أميركياً بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة منذ العام 1967، التي سبق وأعلنت تلّ أبيب "ضمّها" العام 1981 في خطوة أدانتها واشنطن يومها وأصدرت الأمم المتّحدة قراراً بعدم شرعيّتها، ولم يقبل بها أيّ من دول العالم.

بهذا، مثّل الاعتراف الرئاسي الأميركي انتهاكاً للقانون الدولي الذي لا يُجيز تبديل الحدود بالقوة. كما مثّل طيّاً أميركياً لصفحة مفاوضات السلام السورية الإسرائيلية (المتعثّرة) التي رعتها واشنطن طيلة تسعينات القرن الماضي وقامت على مبدأ "الأرض مقابل السلام".

على أن تداعيات الاعتراف الترامبي لا تتوقّف هنا. فهو يسجّل سابقة يمكن لمن يقرّر ضمّ أراضي
دولة مجاورة بعد غزوها عسكرياً الاستناد إليها في أكثر من منطقة نزاع في العالم. وهو يأتي في توقيت أميركي وإسرائيلي وشرق أوسطي فيه العديد من عناصر الصراع أو التأسيس للصراعات المقبلة، في ظل سعي تل أبيب الحثيث لتصفية القضية الفلسطينية بالتعاون مع ترامب ضمن إطار ما يُسمّى "صفقة القرن" التي أعدّها صهر الأخير ومستشاره كوشنير ويحاول منذ فترة تسويقها عربياً. كما أنه يُعقّد الأوضاع اللبنانية لأكثر من سبب. إذ يُهدّد أوّلاً بمفاقمة الالتباسات حول وضع مزارع شبعا ومنطقة الغجر المُعدّة دولياً أراضي سورية احتُلت عند احتلال الجولان، والتي يصّر حزب الله ولبنان الرسميّ بالمقابل على اعتبارها أراضي لبنانية. وهو ثانياً يؤدّي الى استقواء إسرائيلي غير محدود هذه المرة بالموقف الأميركي يصعب ألا تكون له انعكاسات على الصدامات الإسرائيلية الإيرانية، والإسرائيلية الحزب إلهية تحديداً. 

وهذا كلّه يحدث ويؤثّر في مرحلة ما زالت ملامحها قيد الرسم والتفاوض والتعارك سورياً، بين روسيا وإيران وتركيا وأميركا، إن في ما خصّ وضع منطقتي ريف حماه وإدلب أو أوضاع المناطق الشمالية الشرقية التي تسيطر عليها راهناً القوى الكردية، أو حتى في ما يخصّ الاحتلالات وسيطرة قوى أجنبية مباشرة أو بالواسطة على معظم الأرض السورية.

Saturday, April 27, 2019

حريق نوتردام وأخلاق الرأسمالية

حجبت نيران الحريق الرهيب الذي أصاب كنيسة نوتردام وما رافقها من مشاعر حزن على معلمٍ من أشهر معالم باريس العمرانية، مرتبطٍ بأدبها وتاريخها وما انصهر فيه من عناصر ومكوّنات ثقافية متنوّعة، الكثير من القضايا الأخلاقية والسياسية المتّصلة برمزّيته من جهة، وبما تلاه من سجالات فرنسية وتبرّعات قام بها أفراد ومؤسسات يملكون شركات ورساميل ضخمة من جهة ثانية.

لاجئون وعنصرية وابتزاز


تتصاعد مع كل أزمة اقتصادية أو توتّر سياسي أو تدهور خدماتي في لبنان خطاباتُ كراهية ضد اللاجئين السوريّين، تشبه تلك التي سادت على مدى عقود، وما زالت، ضد الفلسطينيّين. ويتناوب على إطلاق الخطابات هذه مسؤولون سياسيون وإعلاميّون ورجال دين من أطياف وخلفيات حزبية مختلفة، ولو أن أكثرهم من بيئة التيار المرتبط برئيس الجمهورية ميشال عون وصهره وزير الخارجية جبران باسيل. ويبدو أن المرحلة المقبلة قد تشهد المزيد من خطابات هؤلاء وحملاتهم.

Sunday, March 17, 2019

مدرّجات كرة القدم: معابد "الآلتراس" ومواقع التعبئة السياسية

لطالما كان لمدرّجات ملاعب كرة القدم دورٌ في بناء عصبيّاتٍ بين مجموعات تنام وتصحو منتظرةً التئام شملها لمواكبة فريقها، فتعيش معه كل أسبوع لحظات الحماس والحسرة والغضب والفرح أو الكآبة، وتهتف وتغنّي وتُطرب وتنتفض أجساد أعضائها وكأنها جسد واحد عملاق متناسقةٌ حركاته ومتكاملة. 
ولطالما أتاحت المدرجّات إياها صداقات وتحالفات وعداوات ونقاشات صاخبة ينطق فيها الفرد بلسانه، ثم يحيل رأيه ومشاعره على الدوام الى جماعته، يُفتي باسمها ويُعمل تقييماً في كل شاردة وواردة، فيسأم ويشتم ويتفاخر ويتصدّى لما لا يعجبه من قرارات مدرّبين وأجهزة فنّية مُسدياً عن بُعدٍ النصح لهم أو مستنكراً خياراتهم إن لم تُسفر نتائج مُبهجة. وغالباً ما لا يتّفق الفرد هذا في نُصحه واستنكاره مع كثرٍ من أقرانِه، فلا يلتمّون إلا على التعصّب للجماعة المشتركة ولتقذيع الخصوم ولعن طرف يعتبرون صفّاراته مُجحفةً في أدقّ اللحظات: حكّام المباريات، وهم التجسيد الظرفي للسلطة. السلطة المُهابة، والسلطة المكروهة، والسلطة المشكوك سلفاً بنزاهتها، أو السلطة المفترض بدايةً ممالقتها تجنّباً لِجورها (وبطاقاتها الصفراء والحمراء)، ثم التصعيد تدريجياً ضدّها لتحذيرها من التمادي في الظلم في انتظار احتمالات انكسار الجرّة نهائياً معها والتفرّغ لحظتها لتقريعها. 

Sunday, March 3, 2019

الجزائر بعد السودان: آن للمهانة أن تنتهي

تختلف ظروف انتفاضتي الشعبين الجزائري والسوداني، تماماً كما اختلفت ظروف الثورات التونسية والمصرية والليبية والسورية واليمنية والبحرينية العام 2011 واختلفت معها مسالكها ومآلاتها.
لكن الاختلافات هذه لا تُلغي المشترك الأبرز: رفضُ سيادةِ المهانة والابتزاز.
ولعلّ ما يجدر التوقّف عنده اليوم هو هذا المشترك بالذات. فبعد ترنّح الثورات العربية أمام الثورات المضادة والتدخّلات الأجنبية وعنف الأنظمة الهمجي، مع استثناء تونسي وحيد، بدا أن مسألة التحوّل الديمقراطي الشائكة قد تلاشت في العالم العربي ومعها الدعوات إليها، وصار التخويف بالنموذج السوري تارة أو بالنموذجين الليبي واليمني تارة أُخرى الابتزاز الأكثر رواجاً للأنظمة القائمة، ما أن تواجهها احتجاجات شعبية أو مطالبات بإصلاح أو ببعض عدالة. كما أن المناخ الدولي مال أكثر من أي وقت مضى الى إيثار الاستقرار على أي تغيير خوفاً من قضايا النزوح واللجوء واضطراب الحدود. وشكّل صعود أنظمة وتيّارات ومسؤولين في العالم غير معنيّين بالديمقراطية وحقوق الإنسان (إن لم نقل معادين لها) وإمساك بعضهم بمقاليد الحكم في بلادهم رافداً لفكرة "الاستقرار" عربياً ولَو فرضاً بالسجن والإعدامات، على ما يجري في مصر السيسي، أو غضاً للنظر عن ممارسات وجرائم ضد متظاهرين وناشطين وصحافيين، كما في السعودية والبحرين وغيرهما. 

Sunday, February 10, 2019

في خلفيات الكارثة الفنزويلية ومساراتها الراهنة

تتوالى منذ مطلع هذا العام فصول الأزمة السياسية الفنزويلية، ويبدو المشهد في كاراكاس مقبلاً على تطوّرات يُخشى أن تدخل البلاد معها في صدام أهلي واسع تغذّيه أطراف خارجية. وإذا كان منشأ الأزمة هو تجديد نيكولاس مادورو لولايته الرئاسية في انتخابات قاطعتها المعارضة في أيار/مايو 2018 ولم تعترف بشرعيّتها، فإن انفجارها جاء في 23 كانون الثاني/يناير 2019، حين أعلن رئيس البرلمان خوان غوايدو المعارض لمادورو تولّيه رئاسة البلاد الانتقالية في انتظار تنظيم انتخابات عامة. وقد اعترفت واشنطن مباشرة برئاسة غوايدو، وتبعتها كندا وإسرائيل ومعظم دول أميركا الجنوبية ثم الدول الأوروبية، في حين اصطفّت روسيا والصين الى جانب مادورو، ومثلها فعلت جنوب إفريقيا وإيران وتركيا.

Wednesday, February 6, 2019

التطبيع العربي المرتبك مع نظام الأسد: ثورة مضادة وخشية من العقوبات الغربية


ملخّص تنفيذي

بعد أيام من زيارة الرئيس السوداني عمر البشير (المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب) الى نظيره السوري في دمشق في 16 ديسمبر 2018، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة إعادة فتح سفارتها في سوريا. سبق ذلك لقاء بين وزيري الخارجية السوري والبحريني في أواخر سبتمبر على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتّحدة في نيويورك، وتبعه نقاش حامٍ في لبنان في يناير 2019 حول دعوة الرئيس السوري الى القمة العربية الاقتصادية في بيروت. وانتهى الأمر بعدم توجيه الدعوة الى اجتماع لم يحضره في أي حال معظم الرؤساء والملوك العرب لأسباب عديدة، من ضمنها صراعات نفوذ إقليمي وتجنّب إحراجات دبلوماسية دولية ومقاطعة البعض لحزب الله.

على أن الحراك العربي المحدود هذا، قابلته مواقف أميركية وأوروبية أظهرت تحفّظاً عليه ومواصلة لسياسة العقوبات على المسؤولين السوريين. والأرجح أنّ في ذلك ما لجمه. فواشنطن طلبت من الرياض والقاهرة تأجيل البتّ بعودة دمشق الى الجامعة العربية، وأقرّ مجلس نوابها "قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا". والاتحاد الأوروبي أضاف أسماء سورية جديدة الى لائحة العقوبات، من بينها رجال أعمال رُوّج لهم لفترة كواجهة لمشاريع التطبيع الاقتصادي و"إعادة الإعمار". ورغم المحاولات الروسية الحثيثة لتعويم نظام الأسد إقليمياً ودولياً وطيّ صفحة البحث في توصيات المسار التفاوضي في جنيف الداعية الى "انتقال سياسي" وقرار الأمم المتحدة 2254 المؤكّد على ضرورة "الحل الشامل" وتشكيل "حكومة إنتقالية وإجراء انتخابات برعاية أممية"، ما زالت عزلة دمشق والعقوبات المتزايدة عليها عائقاً أمام الوصول الى التسويات المنشودة في موسكو.

بموازاة ذلك، تصاعد التوتّر في شمال سوريا وشرقها نتيجة تمدّد "هيئة تحرير الشام" في إدلب من جهة، ونتيجة السجالات والتهديدات والحشود العسكرية التي تلت إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من المنطقة من جهة ثانية. كما استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد القواعد الإيرانية في جنوب سوريا ووسطها، وقصفت على دفعات مجموعة مواقع في محيط العاصمة دمشق وداخل مطارها الدولي، وبدا الأمر منسّقاً مع الروس والأميركيين على حدّ سواء.

تظهر هذه التطوّرات أن سوريا مقبلة مرّة جديدة على مرحلة صراعات وتجاذبات ما زالت معالمها طور التبلور، ويصعب التكهّن بكامل تداعياتها، خاصة أن التفاوض عليها قد تؤثّر عليه إجراءات قانونية إضافية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية خاصة بالجرائم المرتكبة وبالمسؤولين من نظام الأسد عنها.

Sunday, January 20, 2019

في صعوبة التعامل مع ظاهرة "السترات الصفراء" في فرنسا

نظّمت حركة "السترات الصفراء" يوم الاحتجاج العاشر لها هذا الأسبوع في فرنسا. وبدا أن قدرتها على التعبئة في الشارع بعد أكثر من شهرين على انطلاقها لم تتراجع كثيراً، رغم التراجع النسبي لحجم التأييد الشعبي لها بسبب عنف بعض المشاركين في مظاهراتها من ناحية، وبسبب الخسائر المالية للمؤسسات التجارية في أكثر من مدينة نتيجة الاقفال الاضطراري من ناحية ثانية.
النص التالي عرضٌ لبعض خصائص هذه الحركة وقراءة لما تُثيره من أسئلة حول العدالة الاجتماعية وحول أزمة الديمقراطية التمثيلية ومؤسّساتها في فرنسا، وفي أوروبا عامة.

Sunday, January 6, 2019

يمين متطرّف يجمع معاداة السامية وكراهية المسلمين بتأييد إسرائيل والأسد

كتب جدعون ليفي مقالاً في صحيفة هآرتس في نوفمبر 2016 قال فيه إن أبرز أصدقاء إسرائيل في الغرب صاروا من "العنصريّين واليمينيين المتطرّفين"، وإنهم في ذلك يقدّمون صورة عمّا صارته إسرائيل نفسها. ويمكن لتجسيد ما قاله ليفي تقديم أمثلة كثيرة ازداد عددها وانتشارها منذ نشره مقاله قبل عامين.
فمن البرازيل الى هنغاريا، ومن إيطاليا الى هولندا، ومن الولايات المتحدة الأميركية الى النمسا، تبدو القواسم المشتركة الأبرز بين داعمي إسرائيل اليوم، حكوماتٍ رسمية أو شخصيات وأحزاباً صاعدة من أقصى اليمين، نزعاتهم الفاشية ومغالاتهم القومية وكراهيتهم للكثير من قِيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان. ولا يحول عداء قسم كبير منهم للسامية دون دعمهم لإسرائيل وسياساتها، طالما أن ضحاياها هم من "العرب والمسلمين" الشبيهين بأكثر المهاجرين واللاجئين والموسومين بالإرهاب عندهم (في الدول الأوروبية والولايات المتّحدة)، أو طالما أن أنصار الضحايا الفلسطينيين هم خصومهم اليساريّين (في البرازيل).

Sunday, December 23, 2018

عن مسألة الانسحاب الأميركي من سوريا وتداعياته المحتملة

فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب إدارته ومعظم المسؤولين في الولايات المتّحدة الأميركية وفي العالم بتغريدة أعلن فيها قراره سحب قوات بلاده الخاصة المتمركزة في الشمال الشرقي السوري، في إطار ما يُعرف بـ"التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب".

Sunday, December 2, 2018

صُوَر الغِياب

يستحوذ الغيابُ على حيّز واسع في وسائل التواصل الاجتماعي التي يرتادها السوريّون. يفرض نفسه عليهم وعلى متابعيهم منذ سنوات. يمحو الحدود أحياناً بين الخاص والعام، بين الحميميّ والمُباح. يستدعي غائبين ويجعلهم مقيمين بين المتواصلين، مُزيلاً الالتباس بين ما هو افتراضي وواقعي. فكلّ افتراض يأفل إن خطف الموت صديقاً انتمى لفترةٍ لِعالمِه، وكل فقدان خاص يستحيل مُصاباً عاماً يتشارك في ألمه أصحابٌ واقعيون وافتراضيون. 

Sunday, November 18, 2018

عن بعض حُكّام عالمنا وما يمثّلون

لم يعُد فوز المرشّحين ذوي النزعات الشعبويّة، المعبّرين عن عنصريّة أو عن احتقار لقيَم التسامح والعدالة وحقوق الإنسان وعن كراهية للنُخب السياسية "التقليدية" ومؤسّساتها، بالأمر المفاجئ في الكثير من دول العالم. فالرجال "الأقوياء"، شديدو الفظاظة وسوقيّو المصطلحات والتشبيهات، عنيفو النزعات ممّن يُفصحون غالباً عن افتتانهم بالبدلة العسكرية بوصفها بديلاً عن بدلات رجال السياسة المدنية "الفاسدة"، أو عن تمسّكهم بِقيم دينية تخطّتها معاهدات حقوقية دولية وتشريعات وطنية وسلوكيات بشرية، صاروا اليوم حكّاماً أو مشاريع حكّام في عددٍ من أكبر الدول الديمقراطية أو شبه الديمقراطية. يحكم بعضهم في واشنطن وبرازيليا، وفي روما وبودابست، كما في مانيلا وكاراكاس، ويصبو بعضهم الآخر للحُكم في عواصم غربية عدّة تَقدّم فيها خطابه في السنوات الأخيرة.

Sunday, October 21, 2018

ستافان دي مستورا والأخلاق الدولية

أعلن السيد ستافان دي مستورا، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الخاص الى سوريا، أنه سيتخلّى عن منصبه آخر شهر نوفمبر المقبل، بعد أن أمضى أكثر من أربع سنواتٍ فيه قضاها يجول بين العواصم ويعقد الاجتماعات ويُطلق التصريحات ويراكم كل سنة دخلاً وامتيازات دبلوماسية وتوظيفية، من دون أن يقترن اسمه بإنجاز واحد أو بموقف صارم واحد أو حتى بمبادرة رصينة واحدة من وحي القرارات الأممية التي صدرت خلال سنوات مهامه. 
أكثر من ذلك، يترك دي مستورا عمله بعد أن ساهم في تحويل المباحثات حول ما سُمّي سلاماً سورياً في جنيف بين النظام الأسدي ومعارضاته الى "تفاوض من أجل التفاوض"، على الطريقة الإسرائيلية الفلسطينية، اختفت من جدوله توصيات مؤتمر جنيف الأول (المنعقد برعاية سلفه كوفي أنان في 30 يونيو 2012)، وسُمح فيه للنظام باستبعاد كل بحث سياسي لصالح البحث الأمني التقني، بما مكّنه مع الوقت، مدعوماً بالتدخّل العسكري الروسي، من القضاء على "المسار الجنيفي" برمّته.

Sunday, October 7, 2018

ثقافة الإشاعة

لَطالما اعتمدت الأنظمةُ الشمولية والاستبدادية عموماً الإشاعةَ كوسيلةِ ترهيبٍ سياسي، تُبقي المواطنين رهائن لمنزلةٍ دائمة بين الشك واليقين.
فللإشاعة سطوةٌ وقدرة على إشغال المتلقّين بها وبخلفيّات انبعاثها والاختلاف حول مراميها وتفاصيلها وسبل التعامل معها، بما يجعلها على الدوام حاضرةً كاحتمالٍ ومُتناقَلة همساً كَسِرّ أو كخشيةٍ أو كمنطلقٍ لإشاعات إضافية تُبنى عليها.
وهي بهذا المعنى سلطةٌ في ذاتها، تبعث الريبة بين مردّديها وتُغوي سواهم بنقل "الممكِن المُستغرَب" الذي تبثّه؛ يتسبّب تحقّقها إن حصل بالخوف المستقبلي من شبيهاتها، ويترك تعذّرها الغالب أو اختفاء أثرها باباً للتحليل والقلق من التبعات.

Tuesday, September 25, 2018

في وداع الفنّانة والمناضلة الديمقراطية السورية مي سكاف


الصديقات والأصدقاء

نجتمع اليوم لنحيّي ذكرى الصديقة الراحلة مي سكاف، ولنحيّي معها ذكرى أحبّة كثر رحلوا في سوريا وفي المنافي في السنوات السبع الأخيرة.

لكنّنا نجتمع أيضاً لنتمسّك ببعضٍ من أمل تُعيد بعثه مظاهرات إدلب وراياتُها وشعاراتها، ليس لأن موازين القوى الراهنة قد تتغيّر، ولا لأن العودة الى العام 2011 ما زالت ممكنة. بل لأن المظاهرات هذه، وفي صفوفها أطياف من سوريّين وسوريّات من مختلف المناطق، من درعا والغوطة وريف دمشق، ومن حمص وحماه وحلب والرقة وتدمر ودير الزور، تثبت أن الناس ما زالوا بأكثريّتهم، ما أن يتوقّف القصف الروسي والإيراني والأسديّ عليهم والقمع ضدّهم، متمسّكين بإسقاط نظام القتل والتعذيب والتعفيش، يرفعون حين يُترك لهم الخيار علم الثورة وما يرمز إليه، بعيداً عن كلّ الأعلام والرايات الفصائلية الضيّقة، وبعيداً بشكل خاص عن رايات السواد التي أراد المزوّرون ومروّجو الأسدية تصويرها كبديل وحيد عن نظامهم وسياساته.

Monday, September 24, 2018

فرصة إدلب

ثمّة فرصة للسوريّين المقيمين في محافظة إدلب لتنظيم أمورهم السياسية والإدارية بعد أن استعاد حراكهم المدني في الأسبوعين الأخيرين الكثير من الزخم، مستفيداً من تراجع النيران الأسدية والروسية ومن انتزاع أنقرة لاتّفاقٍ مع موسكو يحول مرحلياً دون الهجوم الشامل على المحافظة الشمالية.

Sunday, September 9, 2018

الانهيار اللبناني المديد

يتحسّر اللبنانيون كلّ فترة على أحوال بلدهم ويردّدون أنه لم يسبق أن وصلت الى هذا الحدّ من التردّي. والأرجح أنهم محقّون في كلّ مرّة في تحسّرهم، وأن الانهيار اللبناني صار مديداً، لا قاع ظاهراً أو نهاية باديةً له.

Sunday, August 26, 2018

سوريا: نظام التعفيش وابتلاع الجثث

كثيرةٌ هي الأهوال التي سلّطها نظام الأسد على عموم السوريّين على مدى عقود. ومخيفٌ مقدار العنف الذي أنزله بهم في السنوات السبع الماضية. يكفي تعداد أسماء مدن وبلدات على مدى الخريطة السورية لاستذكار المجازر التي نُفّذت فيها وحالات الحصار والتهجير والقتل بالبراميل أو بالغاز الكيماوي التي أصابت أهلها.
وإذ ينبغي التذكير الدوري بالجرائم هذه لكي لا يطويها النسيان وللبناء الحقوقي عليها يوماً ومنع الحصانة عن مرتكبيها، فإن التدقيق راهناً في وقائع بعضها ومؤّدياته يُعين على تشريح فلسفة الحُكم الأسدي ومرامي عنفه سياسياً ورمزياً.
النصّ التالي محاولة لفعل ذلك عبر التوقّف عند جريمتين منظّمتين ومتماديتين يرتكبهما النظام ضمن الحيّز الجغرافي الذي يسيطر عليه، أي خارج السياق الحربي والقصف عن بُعد. جريمتان هما التجسيد الأبلغ لشكل العلاقة التي يريدها في تعامله مع "المواطنين": التعفيش والاستباحة من جهة، واعتقال عشرات الألوف وقتل الآلاف منهم تعذيباً وإخفاء جثامينهم من جهة ثانية.

Sunday, August 5, 2018

كأس العالم 2018: ثقافة تكتيكٍ وتفوّق أوروبي واستثناء فرنسي

نجحت روسيا في تنظيم كأس العالم 2018 رغم دعوات بعض المنظّمات الحقوقية الى مقاطعة البطولة. وأقيمت المباريات في وقتٍ كان الطيران الروسي يُغير فيه على درعا، جنوب سوريا، بعد أشهر على ارتكابه جرائم حربٍ في الغوطة الشرقية لدمشق، وفي ظلّ الاتهامات الموجّهة أوروبياً الى موسكو حول دورها في إسقاط الطائرة المدنية في أوكرانيا ومحاولتها اغتيال عميلٍ مزدوج في لندن. وكما في العام 1978، حين فشلت دعوات مقاطعة البطولة المقامة في الأرجنتين تضامناً مع المعتقلين السياسيين في سجون بيونس آيرس، بيّنت التجربة هذا الصيف أن انتظار مليارات الناس حول العالم للحدث الرياضي الأهم، والاستثمار الاقتصادي والإعلامي فيه يجعلان كلّ جدل حول مشروعية تنظيمه صعباً.
هكذا، افتتح فلاديمير بوتين البطولة واختتمها، وتخطّى الاتحاد الدولي لكرة القدم أزمته الناجمة عن فضائح الفساد فيه، وتُوجت فرنسا بطلةً لمسابقة كانت فيها استثناءً على أكثر من صعيد.

Thursday, July 19, 2018

اتّفاقات الجنوب السوري والتباساته

نُشرت هذه الورقة على موقع "مركز الجزيرة للدراسات"، وهي قراءة في تطوّرات الوضع السوري في بداية صيف 2018. لتحميل الورقة بصيغة PDF، يمكن الضغط هنا.


ملخّص تنفيذي

رفع النظام السوري علَمه في ساحة مدينة درعا وفي عدد من ساحات مدن وبلدات محافظتها في 10 تموز/يوليو 2018، وأنهى بذلك مرحلةً من سيطرة المعارضة المسلّحة على أنحاء واسعة من جنوب البلاد حيث اندلعت الشرارة الأولى للثورة السورية في آذار/مارس 2011. جاء هذا بعد حملة عسكرية شنّتها قوات النظام بدعم ناريّ جوّي روسي كثيف بلغ حدوداً غير مسبوقة، وأدّى الى قبول المعارضة بشروط موسكو لوقف النار، ومن ضمنها عودة النظام عسكرياً ومدنياً الى المنطقة واستلامه معبر نصيب مع الأردن.

وإذا كان الأمر لا يشكّل سابقةً بعد حصول سيناريوهات مماثلة مؤخّراً في الغوطة الشرقية وفي جنوب العاصمة دمشق، فإن خصوصية درعا نظراً لموقعها القريب من مثلّث حدود استراتيجي أردني – عراقي – إسرائيلي، جعلت للتطوّرات فيها أهمّية تخطّت الحالة السورية، وطرحت أسئلة حول الاتفاقات والاتصالات بين موسكو وتل أبيب وعمّان وواشنطن، وحول نظرة طهران القلقة الى تلك الاتصالات وتداعيات الأمر على الخريطتين السياسية والعسكرية في سوريا.

ويمكن القول في خلاصة أوّلية، إن موسكو قدّمت ضمانات لتل أبيب وواشنطن حول الانتشار الإيراني – الحزب إلهي على مقربة من حدود الجولان المحتل، ولعمّان حول عدم تدفّق لاجئين جدد الى المملكة وفتح طريق دمشق-عمّان تجارياً. على أنه من غير المحسوم ولا المرجّح، أن تلتزم إيران بموجبات التعهّدات الروسية، ولو أن طهران تبدو حذرة في خطواتها السورية منذ الضربة الإسرائيلية الكبرى التي استهدفت قواعدها في 10 أيار/مايو 2018 عشية انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي معها.

بهذا، خسرت المعارضة السورية منطقةً هامة استراتيجياً ورمزياً. وظهر من جديد مدى ابتعاد واشنطن عن الاهتمام بالملف السوري وتراجع المتابعة الأوروبية والعربية له، وموت مسار جنيف الأممي رغم بعض تصريحات المسؤول عنه، ستيفان دي مستورا، العاجز عن العمل والمتمسّك رغم ذلك بوظيفته.


Wednesday, June 13, 2018

عن كأس العالم 1982 وحصار بيروت

مرّ الوقت بطيئاً وثقيلاً في بداية صيف العام 1982، عام اجتياح إسرائيل الثاني للبنان ووصول قواتها الى العاصمة بيروت.
الموت كان السياق العام المخيّم على المدينة، وتفاصيل الحياة اليومية بين جنازتين أو مسيرتَي تشييع كانت أشبه بالتحايل على الخوف والملل وقلّة الموارد في انتظار المجهول، أو في انتظار مباريات كأس العالم لكرة القدم!

العدّ العكسي لبدء البطولة الكونية كان قبل 6 حزيران، تاريخ بدء الاجتياح، الناظمَ الأول لروزناماتنا وساعاتنا. ننام ونصحو ونحتفي يومياً باقترابنا من الموعد الأبهى. نجمَع صوَر اللاعبين ونلصقها في صفحات ألبومات "الفيفا" المخصّصة لها، التي كنّا نشتريها طلال وحسّان ورغيد ومحمد ورياض وأنا من مكتبة "الرسالة العربية" على تقاطع خطّ البسطة وطلعة النويري. نتبادل مع باقي الأصحاب في الحيّ ثم في المدرسة الصور المكرّرة، إذ لا يملك واحدنا حين يبتاعها في مغلّفات سميكة مغلقة إمكانية اختيارها، وغالباً ما تتكرّر الصور ذاتها مؤجّلةً مهامنا في إتمام صفحات فرقنا الواحدة تلو الأُخرى. 

Sunday, May 20, 2018

باب الشمس وبابا عمرو

ماذا تعني الكتابة الثقافية السياسية في مرحلة تشهد فيها المنطقة العربية تحوّلات وتصدّعات وثورات وثورات مضادة وانقلابات واجتياحات وتشظّي مجتمعات وتهجير وحروبَ أبادةٍ تتشارك في صناعتها أنظمةٌ وميليشيات أهلية ودول إقليمية وقوى عالمية؟ وماذا تعني الكتابة هذه في بيروت بالذات، على مقربةٍ من المذبحة السورية المتواصلة من جهة، ومن تصاعد العدوانية الإسرائيلية ومشاريع الاستيطان في فلسطين المحتلة من جهة ثانية؟ وماذا تعني في لحظة تراجع مساحات التعبير الحرّ وانتشار إعلام الشائعات والصراخ والعنصرية ضد اللاجئين؟

قد تبدو الإجابة بديهيّةً، إذ تُحيلنا إلى مهام المثقف المدافع عن قضايا وقيم، المستقلّ عن السلطات والمحصَّن تجاه غواياتها، المتحوّل أحياناً بفعل الأحداث فاعلاً سياسياً، أو صانع رأي عامٍ، أو شاهداً على حقبة يكتب تاريخها الفوري ويعيشه مع من يكتب لهم، أو يكتب تاريخها الموازي، ذاك الذي تهمّشه السرديّات الرسمية المنتصرةُ وتنسى ناسه.
والياس خوري بهذا المعنى، هو من المثقفين اللبنانيّين والعرب الأكثر تأدية لهذه المهام، في كتاباته كما في علاقته بالشأن السياسي، عبر تجارب «مسرح بيروت» وملحق «النهار» ثم مجلة «الدراسات الفلسطينية»، أو عبر تجارب عدّة سبقتها ورافقتها في بيروت الحرب الأهلية طيلة سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، ثم غداة حقبة الاغتيالات والانتفاضة الاستقلالية الناقصة والمغدورة في العام 2005.

Wednesday, February 7, 2018

العلاقات اللبنانية السعودية: التدهور والانتظار


نُشرت هذه الورقة في مركز الجزيرة للدراسات بتاريخ 7 شباط/فبراير 2018، وهي قراءة في بعض أوجه العلاقات اللبنانية السعودية منذ العام 2011.

ملخّص تنفيذي

تشهد العلاقات بين بيروت والرياض منذ أشهرٍ توتّراً لم يعُد يقتصر على المسارات الديبلوماسية الرسمية فحسب، بل صار يتخطّاه ليطال العلاقات بين معظم القوى السياسية اللبنانية والنظام السعودي.

وإذا كان هذا التوتّر قد بدأ قبل سنوات لأسبابٍ ارتبطت يومها بتركيبة السلطة اللبنانية بعد إسقاط حزب الله لحكومة سعد الحريري الأولى العام 2011 من جهة، وإعادة ترتيب الأولويات السعودية في الشرق الأوسط نتيجة الثورات العربية والصراعات في سوريا والعراق واليمن والتوسّع الإيراني وتراجع الحضور الأميركي من جهة ثانية، فإن التطوّرات في العامَين الأخيرين اللذَين شهدا صعود وليّ العهد محمد بن سلمان الى موقع القرار في المملكة العربية فاقمت من التوتّر المذكور ودفعته الى حدود التأزّم على أكثر من مستوى. ولعلّ "استدعاء" الحريري الى الرياض ودفعه للاستقالة من رئاسة حكومته الثانية، ثم ما بدا "احتجازاً" له هناك قبل الوساطة الفرنسية التي أعادته عبر باريس الى بيروت والى حكومتها، يشيران الى المنحى الذي اتّخذه هذا التأزّم وما رافقه من محاولة سعودية للعودة بقوّة الى الساحة اللبنانية ومواجهة الخصوم فيها، قبل التراجع عن الأمر والانكفاء (المؤقّت) في انتظار تطوّرات إقليمية ودولية جديدة.

Saturday, December 23, 2017

كرة القدم في بعض أوجهها: سياسةٌ وأموالٌ وبحثٌ عن مشروعيّاتٍ وميدانٌ لصراع فلسطيني إسرائيلي

ليس في التوظيف السياسي والاقتصادي لكرة القدم الذي نشهد تزايده اليوم، وفي الصراعات عليها وعبرها، ما هو جديد فعلاً. فاللعبة الأوسع شعبية في العالم تحوّلت منذ ثلاثينات القرن الماضي وانطلاق مسابقات كأس العالم الى ميدان تتجاور فيه المسائل الرياضية والسياسية والقومية، تماماً كما تجاورت وما زالت مسائل طبقية وجهوية ومذهبية.

على أن الجديد اليوم هو حجم الأموال المستثمرة في اللعبة وفي الحقل الإعلامي – الإعلاني المرتبط بها، وهو أيضاً بحث دولٍ صغرى غنيّة ورجال أعمال دولٍ كبرى أو صاعدة عن مشروعيّات قد تُتيحها لهم كرة القدم وحضورهم فيها والترويج لإنجازاتهم في مضاميرها.

النصّ التالي (المنشور في مجلة الدراسات الفلسطينية في ديسمبر 2017) استعادةٌ تاريخيةٌ لتطوّر مراحل ارتباط كرة القدم بقضايا تتخطّى ميدانها، وعرضٌ لِبعض أوجه الاستثمار والصراع الذي يتّخذ منها حالياً حيّزاً رحباً لفاعليّاته.

Saturday, September 9, 2017

رَجُل الرقّة

تُطاردني نظرة هذا الرجل منذ ثلاثة أيام. أجدني رغم محاولاتي نسيانها، أبحث عنها باستمرار. لم أعرف قبل البارحة أن صاحبها قضى بعد دقائق من تصويره. أنه من أولئك المنسيّين على ضفاف الفرات، في مدينة الرقّة السورية، حيث يتدفّق الموت على الناس من كل صوب فيتحوّلون كما بيوتهم الى أشلاء...

ينظر الرجل إلينا بذهول، بحزن، بأسى، بِعتب، أو ربما بلا مبالاة. وجهه حطام قياميّ. محفورة الأهوال فيه. يُشبه ما كان يُمكن أن نتخيّله من وجوه التراجيديا الإغريقية، أو بالأحرى لا يُشبه شيئاً نعرفه أو نتخيّله. فكيف لنا أن نفهم نظرة رجل حطّمه قصفٌ وقرّبه من حتفه، يرى عدسة الكاميرا مسلّطةً على أنقاضه فيرسل لنا عبرها آخر رمق تبقّى له! هل كان يدري أنه سينطفئ بعد ذلك بدقائق؟ هل كان يريد ترك نظرة تشهد على ما تعرّض له؟ هل أرادنا أن نؤوّل ما قالته عيناه في تلك الثانية، أم أننا نفعل ذلك لنُبرّر لأنفسنا التمعّن في صورته وتداولها والكتابة عنها وعنه وعن عجزنا وقهرنا؟

رجل الرقّة هذا يبقى رغم تجسيده المأساة السورية في وجهه ونظرته رجلاً فرداً حطّمه قصف مرعِب. كانت له حياة ومهنة وأحلام وأخطاء ومشاريع غير مكتملة. كانت له أوراق في دِرج ما. أسرار حفظتها جدران وشوارع. وكانت له صوَر أُخرى، لِوحده أو مع أهله وصحبه. رجل الرقة هذا كان له اسمٌ، عبيد الكعكه جي، اختفى خلف عينيه، وصار مُلكاً لذاكرة عامة، مشتركة بين من شهد موته وبين من رأى مرآةً لِبعض وجعه في نظرته الغامضة الأخيرة...

ز.م.


Thursday, August 24, 2017

نحو "تصفية تقنيّة" روسية - أميركية للقضية السورية

 ورقة حول آخر التطوّرات السورية (يوليو - أغسطس 2017)، منشورة في "مركز الجزيرة للدراسات".


ملخّص تنفيذي

أبرم البيت الأبيض تفاهماً مبدئياً مع موسكو، تُفوّض واشنطن بموجبه روسيا بإدارة "النزاع السوري" وتنسيق الجهود لحلّه وفق أولويّتين: "الحرب على الإرهاب" و"تخفيض مستوى العنف بين النظام والمعارضة". وقد أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره فلاديمير بوتين خلال لقائهما في قمّة العشرين في ألمانيا في يوليو الفائت بموجِبات هذا التفويض.

ويمكن القول إن الجديد في التفاهم المذكور يتمحور حول القبول الصريح بإبقاء الأسد لفترة تقرّرها موسكو، والتركيز على المعارك شمال شرق وشرق سوريا ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" وتجميد القتال في الجنوب السوري كما في وسط البلاد، وتأجيل البتّ في وضع الشمال بانتظار ما قد تؤول إليه التطوّرات هناك.

وهذا إن تمّ، يعني أن الإدارة الروسية للمسألة السورية ستُنهي الدور السياسي للأمم المتّحدة وما ترتّب عن لقاءات جنيف من قرارات، لا سيّما في ما خصّ انتقال السلطة في دمشق.

بذلك، تتحوّل القضية السورية الى قضية تقنية لا بحث جدّياً في مساراتها السياسية، ويتكرّس تقاسم نفوذٍ روسي أميركي في جغرافيّتها، تبدو إيران براغماتية تجاهه مع تمسّكها بالسيطرة على حدود سوريا مع العراق ولبنان، فيما تسعى تركيا الى عرقلة استتباب سيطرة القوى الكردية على حدودها. أما الأردن المُهيّأ للعب دور رئيسي جنوباً، فينتظر كما الصين وأوروبا ومعظم الدول العربية، استتباب الأمور على توازن واضحٍ ليتعامل مع الأوضاع الجديدة.

Tuesday, August 1, 2017

المُعلّم فنسانت فان غوغ

في أحد نصوصه الثاقبة حول فان غوغ، يُشير الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز الى أن ما يجذبنا استثنائياً في لوحات هذا الرسّام هو مجموع الخطوط والفواصل والحركات الحرّة، العفوية، المفاجئة، واللاإرادية التي ينبثق منها عالمه الفنّي. عالمٌ تتعدّد فيه المستويات والأبعاد، وتتحرّر العناصرُ المُشكِّلة لكلّ مشهد من الحدود الفاصلة بينها. هكذا، يصبح الحدّ بين يدٍ وطاولة مثلاً، أو بين جسمٍ وخلفيّة، أو بين أرضٍ وسماء، واهياً، تنساب الحركة عبره فتوحّد عناصرَ المشهدِ جميعِها من دون أن تُفضي بها الى التماهي الكامل.

Thursday, January 19, 2017

المسألة السورية بعد حلب

نُشرت هذه الورقة التي تمّ إعدادها في 11 كانون الثاني/يناير 2017 في "مركز الجزيرة للدراسات"، وهي محاولة لقراءة الوقائع والتطوّرات الميدانية والسياسية في سوريا وفي سياق الصراع الإقليمي والدوليّ عليها.


ملخّص تنفيذي

إنتهت في أواخر العام 2016 حقبة من حقبات الصراع في سوريا وعليها. فالتدخّل العسكري الروسي الذي انطلق في 30 سبتمبر 2015 والتعبئة الإيرانية المتعاظمة للمقاتلين الشيعة اللبنانيين والعراقيين والأفغان أثمرت في ديسمبر 2016 اجتياحاً للأحياء الشرقية لمدينة حلب، بعد أن كان الحصار والقصف وغياب الإمداد على مدى سنوات قد خنق جيوب المقاومة العسكرية في أكثر من مدينة وبلدة في محيط العاصمة دمشق، وأنهى تواجد "المعارضة المسلّحة" فيها.
بذلك، أصبحت المدن السورية المتوسّطة والكبرى في جنوب البلاد (باستثناء درعا) وفي وسطها وغربها وشمالها الغربي (باستثناء إدلب) تحت سيطرة النظام وداعميه، وينحصر حضور المعارضة في مناطق ريفية أو في مدن صغرى. ويبقى الشرق السوري ومدينتاه الفراتيّتان الرقة ودير الزور تحت سيطرة "تنظيم الدولة الإسلامية" (الذي تقدّم أيضاً في البادية نحو مدينة تدمر)، في حين تستمر سيطرة الميليشيات الكردية على ثلاث مناطق شمالية وشمالية شرقية، وتتوسّع بينها وعلى حساب مدنٍ صغرى وبلدات عدّة كان يحتلّها "تنظيم الدولة" منطقةٌ جديدة تنتشر فيها المعارضة بدعم تركيّ مباشر.

سياسياً، تبرز ديناميّات مستجدّة مرتبطة بالتنسيق الروسي التركي الداعي الى مؤتمر تفاوض في آستانة في 23 يناير الجاري. ويترافق التنسيق هذا مع تراجعٍ كبير في الحضور الأميركي عشية مغادرة أوباما للبيت الأبيض، واستمرارٍ في العجز الأوروبي والعربي. وتبدو الأمور متّجهةً الى مزيج من التباحث بين موسكو وأنقرة وطهران على تصوّرات لتجميد الأوضاع العسكرية بين المعارضة والنظام وحلفائه في الشمال مؤقّتاً وعزل "جبهة فتح الشام" فيه من جهة، والتصادم الميداني بين المعارضة وحلفاء النظام في محيط العاصمة دمشق (الذي يتقدّم الدور الإيراني والحزب إلهي في محاوره على الدور الروسي) من جهة ثانية. كل ذلك في انتظار دخول دونالد ترامب الى البيت الأبيض واتّضاح بعض معالم سياسته تجاه سوريا، حيث التوفيق بين تقرّبه المحتمل من روسيا وعدائه المرجّح لإيران لن يكون سهلاً عليه وعلى الإيرانيّين بخاصة.

في خضمّ هذه التطوّرات في الميدان وما يرافقها وينجم عنها من ديناميّات سياسية، تبدو المعارضة السورية بمختلف أجسامها وهياكلها مُستضعفةً ومتروكةً لتوازن القوى المتبدّل. والأكثر دلالةً على التراجع العربي الخليجي والتركي والغربي في دعمها، ولَو على نحوٍ مُقنّن كما كان الأمر في السنوات الماضية، هو استمرار إقفال الحدود الأردنية منذ مايو 2016 بما جمّد جبهات الجنوب وأراح النظام فيها، وإقفال القسم الأكبر من الحدود التركية منذ أواسط الصيف المنصرم، بما يسّر على الروس والإيرانيّين معركة شرق حلب. وفاقمت الانقسامات بين القوى المعارِضة المقاتلة من الوهنَ الذي أصابها بعد بدء التدخّل العسكري الروسي، وساهم ذلك في الخسارات الكبيرة التي مُنيت بها في الأشهر الأخيرة.

على هذا، تبدو خيارات المعارضين في الحقبة المقبلة من الصراع محدودة، وقد يكون الأهمّ لبعضهم، لا سيّما الناشطين خارج البلاد، التركيز على قضيّتَي المساءلة القانونية لجرائم الحرب المُرتكبة والحقّ في مقاومة الاحتلالات الأجنبية، والعمل على بلورة خطاب جديد يُبقي "المسألة السورية" حاضرة في المحافل الإعلامية والحقوقية والسياسية الدولية.

Friday, December 9, 2016

حول العلاقات السورية اللبنانية الشائكة ماضياً قريباً وحاضراً

يجيب زياد ماجد في المقابلة أدناه على أسئلة "سوريا تكتب"، ضمن ملف "العلاقة السورية اللبنانية: إشكالات الماضي وصعوبات الحاضر"، ويتناول ماضي العلاقات منذ اجتياح نظام الأسد لبنان العام 1976، وحاضرها بعد اندلاع الثورة السورية وانخراط حزب الله في القتال دفاعاً عن الأسد، كما يتطرّق الى مسألة اللاجئين السوريّين في لبنان والممارسات العنصرية التي يتعرّضون لها.

Sunday, October 2, 2016

عن بعض مؤدّيات فشل الاتفاق الروسي الأميركي في سوريا وسيناريوهات الأشهر المقبلة

إنهار وقف إطلاق النار في سوريا، الذي كان اتّفاقٌ روسي أميركي قد فرضه في 11 أيلول/سبتمبر 2016، وانهارت معه مؤقّتاً مجموعة تفاهمات، كان يمكن أن تُفضي الى مرحلة تعاون عسكري مباشر بين موسكو وواشنطن.
النصّ التالي هو قراءة في خلفيّات الاتفاق وأسباب ترنّحه راهناً، وما يمكن أن ينتج عن سقوطه بالكامل أو عن العودة إليه والسير في خطوات تنفيذه والولوج الى مرحلته الثانية وموجباتها لاحقاً.

Wednesday, September 21, 2016

عن أبي ريتا وشيخ العشيرة الجرماني

لا أذكرُ كيف تعرّفتُ الى عسّاف العسّاف فايسبوكياً. الأرجح أننا التَقينا أواسط العام 2011 أو أواخره لكثرةِ الصداقات المشتركة، الواقعية والافتراضية، التي أتاحت لِـ"لايكاتنا" وتعليقاتنا أن تتقاطع تحت هذا البوست أو ذاك. لكنّني أذكر جيداً أنّني تنبّهت يوماً الى ما يكتب صاحب هذا الإسم الذي خلتُه لفترةٍ مستعاراً، فرحت أتابعه وأُطلّ من صفحته على نُتفٍ من أخبار الحياة الدمشقية التي يرويها بخفّة ظلّ وسخرية مريرة.

Saturday, September 10, 2016

جغرافيا الصراع في سوريا وديناميّات المناطق الخمس

نُشرَت هذه الورقة في "مركز الجزيرة للدراسات"، وهي تقريرٌ حول أحوال سوريا الميدانية والسياسية حتى الأول من أيلول/سبتمبر 2016، وقراءة في جغرافيا الصراع فيها وعليها وديناميّاته المناطقية

ملخّص تنفيذي

تتسارع التطورات الميدانية في سوريا، وتتسارع معها التطوّرات السياسية، من دون أن يعني ذلك حدوث تغييرات جذريّة في المقاربات الدولية والإقليمية لِسُبل حلّ الصراع المُحتدِم فيها.
وشهد شهرا تموز/يوليو وآب/أغسطس 2016 معارك عنيفة في مدينة حلب بدأت بنجاح نظام الأسد وحلفائه مدعومين بالطيران الروسي بتطويق الأحياء الشرقية التي تسيطر عليها قوى المعارضة في المدينة، وانتهت بتمكّن القوى الأخيرة من فكّ الطوق مؤقّتاً عن تلك الأحياء وفتح جبهات قتال جديدة في جنوب المدينة وغربها (عاد النظام وحلفاؤه وتقدّموا فيها). وتلى معارك حلب تصعيدٌ في قصف النظام لداريّا قرب دمشق ولحيّ الوعر في حمص ولمناطق عدّة شارك الطيران الروسي أيضاً في قصفها. وأدّى الأمر بعد سنوات حصار أربع الى تهجير كامل من تبقّى من سكّان داريّا وخروج المقاتلين وفق اتّفاقٍ قام مفهومه – كما حصل في حمص القديمة في السابق وكما في الزبداني – على إفراغ مدنٍ أو مناطق من سكّانها بعد إخضاعهم جوعاً وقتلاً من دون تدخّلٍ من الأمم المتّحدة ووسيطها.
على أن التطوّر الميداني الأبرز الذي حصل في الأسبوع الأخير من شهر آب/أغسطس كان دخول مدرّعات وقوات خاصة تركية الى داخل الأراضي السورية في ظلّ إسنادٍ جوي لدعم قوّات من "الجيش الحر" في مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" في جرابلس بغية طرده منها ومن الشريط الحدوديّ مع تركيا غرب نهر الفرات، وبغية دحر الميليشيات الكردية وحلفائها من مناطق سبق وتمدّدت فيها بغطاء جوّي أميركي في الأشهر الأخيرة غرب النهر أيضاً.
جاء هذا التطوّر في لحظة إعادة تموضع سياسي تركي تبِع محاولة الانقلاب الفاشلة في أنقرة، تصالحت فيها تركيا مع روسيا وضاعفت اتصالاتها مع إيران واستقبلت نائب الرئيس الأميركي الذي شهدت العلاقات مع بلاده توتّراً لأسباب سورية – كردية ونتيجة موقف واشنطن الملتبس من محاولة الانقلاب ومن المُتّهم من أنقرة بالوقوف وراءها، الداعية فتح الله غولن.
في المحصّلة، بدا المشهد السوري مع نهاية فصل الصيف السادس التالي لبدء الثورة السورية في آذار/مارس 2011 مُقبلاً على تحوّلات ميدانية في شمال البلاد قد تُوسّع من سيطرة المعارضة السورية الترابية فيه برعاية تركية، مقابل تعزيز النظام مدعوماً بحلفائه لسيطرته على المناطق المتاخمة للعاصمة دمشق، في وقت بردت فيه الجبهة الجنوبية وبدا أن قراراً دولياً وديناميات محلية تَحُول دون التصعيد العسكري فيها الذي لو حصل لخفّف العبء عن مناطق عدّة.
وهذا كلّه يُحيل الى خلاصةٍ مفادها ميلٌ دولي لتجميد بعض الجبهات و"تلزيم" جبهات أُخرى لقوى إقليمية أو غضّ النظر عن تدخّلها فيها مقابل مساهمتها في ضرب "داعش" وتقليص مساحات انتشارها. أما الحلّ السياسي الجدّي المرتبط بانتقال السلطة في دمشق ووقف جميع الأعمال الحربية، فيبدو أنه ما زال بعيداً.

Wednesday, August 3, 2016

عن حلب وملحمتها

ملاحظاتي الثلاث حول مُجريات الأمور في حلب، ضمن تقرير جريدة "المصري اليوم" الذي أعدّه رضا غنيم. لقراءة التقرير كاملاً، يمكن الضغظ هنا.

أوّلاً: بالنسبة لما يسمّيه الروس ونظام الأسد "ممرّات إنسانية"
هذه الممرّات، بالشكل المطروح هي بالواقع "ممرّات غير إنسانية"، فالممرّات الإنسانية والممرّات الآمنة، تكون بالاتجاهين، وتسمح بإدخال الأغذية والأدوية الى المناطق المحاصرة. أما الممرات المُقترحة من الروس والأسد فهي ممرّات لإخراج السكان من الأحياء الشرقية لحلب، أي هي ممرّات لتشريدهم ولصناعة المزيد من المهجّرين واللاجئين السوريّين. وفوق ذلك، لا يوجد سابقة واحدة في السياق السوري تسمح للمواطنين بالثقة في أن خروجهم من الحصار عبر مناطق يسيطر عليها النظام وحلفاؤه سيكون آمناً. فهم يعرفون جيداً من تجاربهم أنهم قد يكونون عرضةً للقنص أو الاعتقال والتنكيل، كما سبق وجرى في حمص، وكما جرى في بعض مناطق ريف دمشق.
الاقتراح الروسي – الأسدي المُروّج له إذاً ليس "إنسانياً"، وهو استمرار لانتهاك قرارات الأمم المتّحدة، لا سيّما القرار 2139 الصادر في 21 فبراير 2014 والقاضي برفع الحصار عن السكان المدنيّين والتوقّف عن انتهاك القانون الدولي الإنساني؛ وهدفه الفعلي هو الادّعاء لاحقاً أن مقاتلي حلب هم من يمنعون أهلهم من الخروج من بعض أحياء المدينة المحاصرة ويتّخذونهم رهائن، وبالتالي لا مفرّ من إطباق الحصار عليهم ومحاولة اجتياح ما تبقّى من مناطق يسيطرون عليها.

Tuesday, June 28, 2016

هامش كُروي: ملاحظات حول مباراة إيطاليا وإسبانيا

يمكن القول إن مباراة إيطاليا وإسبانيا هي أبرز مباراة حتى الآن في بطولة كأس أوروبا 2016.
إسبانيا كانت تريد إثبات استمرار تفوّقها على غريمتها منذ العام 1994 (تاريخ آخر فوز إيطالي عليها)، وإيطاليا تريد الثأر لخسارتها النهائي الماضي أمام الإسبان (بنتيجة صفر لأربعة، وهي أكبر نتيجة في نهائي أوروبي منذ انطلاق البطولة العام 1960). والأهمّ أن كلّاً من إسبانيا وإيطاليا كان يسعى لتعويض أوروبي عن سوء الأداء في كأس العالم الأخيرة التي خرج فيها المنتخبان من الدور الأول.

Wednesday, June 8, 2016

سوريا: مفاوضات بلا أفق وتحدّيات استراتيجية القضم

يظهر من مجمل التطورات الميدانية داخل سوريا ومن الاتصالات الدولية الأخيرة بشأنها أن لا حلَّ سياسيًّا في المستقبل القريب. فواشنطن تبدو أقرب إلى فكرة ترحيل البت بالحلول والخيارات إلى العام المقبل حين تدخل إدارة جديدة إلى البيت الأبيض. وروسيا وإيران تريدان استمرار عمليات الخنق أو القضم البطيء للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة بما يمكّنهما من القول لاحقًا: إنه لا مناطق سورية واسعة وذات تواصل ترابي باقية خارج سلطة نظام الأسد سوى تلك التي يسيطر عليها "تنظيم الدولة الإسلامية" من جهة، و"جبهة النصرة" من جهة ثانية (إضافة طبعًا إلى المناطق التي تسيطر عليها "وحدات الحماية" الكردية). وهذا يعني أن المطالبة برحيل الأسد لم تعد محمولة من قوى وازنة عسكريًّا ومقبولة دوليًّا ومسيطرة على مساحات واسعة من الأرض السورية.
لقراءة ورقتي حول سوريا وأوضاعها الراهنة المنشورة في مركز دراسات الجزيرة، يمكن الضغط هنا.

Tuesday, May 10, 2016

عن نتائج انتخابات بيروت

يمكن إيراد الكثير من الملاحظات على انتخابات بيروت المحلية، وما شهدته من تحالفات ومن بروز أوّل محاولة "مدنية" إصلاحية جدّية منذ أكثر من عشر سنوات مثّلتها "بيروت مدينتي". 
من هذه الملاحظات، أن لائحة قوى السلطة التي قادها رئيس تيّار المستقبل وجمعت مرشّحيه الى جانب مرشّحي حركة أمل والقوات والكتائب والطاشناق وبعض التيار العوني وحظيت بدعم جزء من ناخبي حزب الله والحزب التقدمي لم تنجح في جذب أكثر من 50 في المئة من أصوات المشاركين في الانتخابات، الذين لم يتخطّوا نسبة ال20 في المئة من مجموع الناخبين المسجّلين في بيروت، أي أنها حصلت على أصوات 10 في المئة من أصوات "البيارتة" الذين ادّعت تمثيلهم. وفي هذا فشل ذريع يشبه فشل القوى إياها التي سبق وأدارت بلدية العاصمة خلال السنوات الماضية، فأنتجت أزمات النفايات والتلوّث والتعدّي على الشاطئ وعلى التراث المعماري لبيروت.