Sunday, October 21, 2018

عن ستافان دي مستورا والأخلاق الدولية

أعلن السيد ستافان دي مستورا، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الخاص الى سوريا، أنه سيتخلّى عن منصبه آخر شهر نوفمبر المقبل، بعد أن أمضى أكثر من أربع سنواتٍ فيه قضاها يجول بين العواصم ويعقد الاجتماعات ويُطلق التصريحات ويراكم كل سنة دخلاً وامتيازات دبلوماسية وتوظيفية، من دون أن يقترن اسمه بإنجاز واحد أو بموقف صارم واحد أو حتى بمبادرة رصينة واحدة من وحي القرارات الأممية التي صدرت خلال سنوات مهامه. 
أكثر من ذلك، يترك دي مستورا عمله بعد أن ساهم في تحويل المباحثات حول ما سُمّي سلاماً سورياً في جنيف بين النظام الأسدي ومعارضاته الى "تفاوض من أجل التفاوض"، على الطريقة الإسرائيلية الفلسطينية، اختفت من جدوله توصيات مؤتمر جنيف الأول (المنعقد برعاية سلفه كوفي أنان في 30 يونيو 2012)، وسُمح فيه للنظام باستبعاد كل بحث سياسي لصالح البحث الأمني التقني، بما مكّنه مع الوقت، مدعوماً بالتدخّل العسكري الروسي، من القضاء على "المسار الجنيفي" برمّته.

Sunday, October 7, 2018

ثقافة الإشاعة

لَطالما اعتمدت الأنظمةُ الشمولية والاستبدادية عموماً الإشاعةَ كوسيلةِ ترهيبٍ سياسي، تُبقي المواطنين رهائن لمنزلةٍ دائمة بين الشك واليقين.
فللإشاعة سطوةٌ وقدرة على إشغال المتلقّين بها وبخلفيّات انبعاثها والاختلاف حول مراميها وتفاصيلها وسبل التعامل معها، بما يجعلها على الدوام حاضرةً كاحتمالٍ ومُتناقَلة همساً كَسِرّ أو كخشيةٍ أو كمنطلقٍ لإشاعات إضافية تُبنى عليها.
وهي بهذا المعنى سلطةٌ في ذاتها، تبعث الريبة بين مردّديها وتُغوي سواهم بنقل "الممكِن المُستغرَب" الذي تبثّه؛ يتسبّب تحقّقها إن حصل بالخوف المستقبلي من شبيهاتها، ويترك تعذّرها الغالب أو اختفاء أثرها باباً للتحليل والقلق من التبعات.

Tuesday, September 25, 2018

في وداع الفنّانة والمناضلة الديمقراطية السورية مي سكاف


الصديقات والأصدقاء

نجتمع اليوم لنحيّي ذكرى الصديقة الراحلة مي سكاف، ولنحيّي معها ذكرى أحبّة كثر رحلوا في سوريا وفي المنافي في السنوات السبع الأخيرة.

لكنّنا نجتمع أيضاً لنتمسّك ببعضٍ من أمل تُعيد بعثه مظاهرات إدلب وراياتُها وشعاراتها، ليس لأن موازين القوى الراهنة قد تتغيّر، ولا لأن العودة الى العام 2011 ما زالت ممكنة. بل لأن المظاهرات هذه، وفي صفوفها أطياف من سوريّين وسوريّات من مختلف المناطق، من درعا والغوطة وريف دمشق، ومن حمص وحماه وحلب والرقة وتدمر ودير الزور، تثبت أن الناس ما زالوا بأكثريّتهم، ما أن يتوقّف القصف الروسي والإيراني والأسديّ عليهم والقمع ضدّهم، متمسّكين بإسقاط نظام القتل والتعذيب والتعفيش، يرفعون حين يُترك لهم الخيار علم الثورة وما يرمز إليه، بعيداً عن كلّ الأعلام والرايات الفصائلية الضيّقة، وبعيداً بشكل خاص عن رايات السواد التي أراد المزوّرون ومروّجو الأسدية تصويرها كبديل وحيد عن نظامهم وسياساته.

Monday, September 24, 2018

فرصة إدلب

ثمّة فرصة للسوريّين المقيمين في محافظة إدلب لتنظيم أمورهم السياسية والإدارية بعد أن استعاد حراكهم المدني في الأسبوعين الأخيرين الكثير من الزخم، مستفيداً من تراجع النيران الأسدية والروسية ومن انتزاع أنقرة لاتّفاقٍ مع موسكو يحول مرحلياً دون الهجوم الشامل على المحافظة الشمالية.

Sunday, September 9, 2018

الانهيار اللبناني المديد

يتحسّر اللبنانيون كلّ فترة على أحوال بلدهم ويردّدون أنه لم يسبق أن وصلت الى هذا الحدّ من التردّي. والأرجح أنهم محقّون في كلّ مرّة في تحسّرهم، وأن الانهيار اللبناني صار مديداً، لا قاع ظاهراً أو نهاية باديةً له.

Sunday, August 26, 2018

سوريا: نظام التعفيش وابتلاع الجثث

كثيرةٌ هي الأهوال التي سلّطها نظام الأسد على عموم السوريّين على مدى عقود. ومخيفٌ مقدار العنف الذي أنزله بهم في السنوات السبع الماضية. يكفي تعداد أسماء مدن وبلدات على مدى الخريطة السورية لاستذكار المجازر التي نُفّذت فيها وحالات الحصار والتهجير والقتل بالبراميل أو بالغاز الكيماوي التي أصابت أهلها.
وإذ ينبغي التذكير الدوري بالجرائم هذه لكي لا يطويها النسيان وللبناء الحقوقي عليها يوماً ومنع الحصانة عن مرتكبيها، فإن التدقيق راهناً في وقائع بعضها ومؤّدياته يُعين على تشريح فلسفة الحُكم الأسدي ومرامي عنفه سياسياً ورمزياً.
النصّ التالي محاولة لفعل ذلك عبر التوقّف عند جريمتين منظّمتين ومتماديتين يرتكبهما النظام ضمن الحيّز الجغرافي الذي يسيطر عليه، أي خارج السياق الحربي والقصف عن بُعد. جريمتان هما التجسيد الأبلغ لشكل العلاقة التي يريدها في تعامله مع "المواطنين": التعفيش والاستباحة من جهة، واعتقال عشرات الألوف وقتل الآلاف منهم تعذيباً وإخفاء جثامينهم من جهة ثانية.

Sunday, August 5, 2018

كأس العالم 2018: ثقافة تكتيكٍ وتفوّق أوروبي واستثناء فرنسي

نجحت روسيا في تنظيم كأس العالم 2018 رغم دعوات بعض المنظّمات الحقوقية الى مقاطعة البطولة. وأقيمت المباريات في وقتٍ كان الطيران الروسي يُغير فيه على درعا، جنوب سوريا، بعد أشهر على ارتكابه جرائم حربٍ في الغوطة الشرقية لدمشق، وفي ظلّ الاتهامات الموجّهة أوروبياً الى موسكو حول دورها في إسقاط الطائرة المدنية في أوكرانيا ومحاولتها اغتيال عميلٍ مزدوج في لندن. وكما في العام 1978، حين فشلت دعوات مقاطعة البطولة المقامة في الأرجنتين تضامناً مع المعتقلين السياسيين في سجون بيونس آيرس، بيّنت التجربة هذا الصيف أن انتظار مليارات الناس حول العالم للحدث الرياضي الأهم، والاستثمار الاقتصادي والإعلامي فيه يجعلان كلّ جدل حول مشروعية تنظيمه صعباً.
هكذا، افتتح فلاديمير بوتين البطولة واختتمها، وتخطّى الاتحاد الدولي لكرة القدم أزمته الناجمة عن فضائح الفساد فيه، وتُوجت فرنسا بطلةً لمسابقة كانت فيها استثناءً على أكثر من صعيد.

Thursday, July 19, 2018

اتّفاقات الجنوب السوري والتباساته

نُشرت هذه الورقة على موقع "مركز الجزيرة للدراسات"، وهي قراءة في تطوّرات الوضع السوري في بداية صيف 2018. لتحميل الورقة بصيغة PDF، يمكن الضغط هنا.


ملخّص تنفيذي

رفع النظام السوري علَمه في ساحة مدينة درعا وفي عدد من ساحات مدن وبلدات محافظتها في 10 تموز/يوليو 2018، وأنهى بذلك مرحلةً من سيطرة المعارضة المسلّحة على أنحاء واسعة من جنوب البلاد حيث اندلعت الشرارة الأولى للثورة السورية في آذار/مارس 2011. جاء هذا بعد حملة عسكرية شنّتها قوات النظام بدعم ناريّ جوّي روسي كثيف بلغ حدوداً غير مسبوقة، وأدّى الى قبول المعارضة بشروط موسكو لوقف النار، ومن ضمنها عودة النظام عسكرياً ومدنياً الى المنطقة واستلامه معبر نصيب مع الأردن.

وإذا كان الأمر لا يشكّل سابقةً بعد حصول سيناريوهات مماثلة مؤخّراً في الغوطة الشرقية وفي جنوب العاصمة دمشق، فإن خصوصية درعا نظراً لموقعها القريب من مثلّث حدود استراتيجي أردني – عراقي – إسرائيلي، جعلت للتطوّرات فيها أهمّية تخطّت الحالة السورية، وطرحت أسئلة حول الاتفاقات والاتصالات بين موسكو وتل أبيب وعمّان وواشنطن، وحول نظرة طهران القلقة الى تلك الاتصالات وتداعيات الأمر على الخريطتين السياسية والعسكرية في سوريا.

ويمكن القول في خلاصة أوّلية، إن موسكو قدّمت ضمانات لتل أبيب وواشنطن حول الانتشار الإيراني – الحزب إلهي على مقربة من حدود الجولان المحتل، ولعمّان حول عدم تدفّق لاجئين جدد الى المملكة وفتح طريق دمشق-عمّان تجارياً. على أنه من غير المحسوم ولا المرجّح، أن تلتزم إيران بموجبات التعهّدات الروسية، ولو أن طهران تبدو حذرة في خطواتها السورية منذ الضربة الإسرائيلية الكبرى التي استهدفت قواعدها في 10 أيار/مايو 2018 عشية انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي معها.

بهذا، خسرت المعارضة السورية منطقةً هامة استراتيجياً ورمزياً. وظهر من جديد مدى ابتعاد واشنطن عن الاهتمام بالملف السوري وتراجع المتابعة الأوروبية والعربية له، وموت مسار جنيف الأممي رغم بعض تصريحات المسؤول عنه، ستيفان دي مستورا، العاجز عن العمل والمتمسّك رغم ذلك بوظيفته.


Wednesday, June 13, 2018

عن كأس العالم 1982 وحصار بيروت

مرّ الوقت بطيئاً وثقيلاً في بداية صيف العام 1982، عام اجتياح إسرائيل الثاني للبنان ووصول قواتها الى العاصمة بيروت.
الموت كان السياق العام المخيّم على المدينة، وتفاصيل الحياة اليومية بين جنازتين أو مسيرتَي تشييع كانت أشبه بالتحايل على الخوف والملل وقلّة الموارد في انتظار المجهول، أو في انتظار مباريات كأس العالم لكرة القدم!

العدّ العكسي لبدء البطولة الكونية كان قبل 6 حزيران، تاريخ بدء الاجتياح، الناظمَ الأول لروزناماتنا وساعاتنا. ننام ونصحو ونحتفي يومياً باقترابنا من الموعد الأبهى. نجمَع صوَر اللاعبين ونلصقها في صفحات ألبومات "الفيفا" المخصّصة لها، التي كنّا نشتريها طلال وحسّان ورغيد ومحمد ورياض وأنا من مكتبة "الرسالة العربية" على تقاطع خطّ البسطة وطلعة النويري. نتبادل مع باقي الأصحاب في الحيّ ثم في المدرسة الصور المكرّرة، إذ لا يملك واحدنا حين يبتاعها في مغلّفات سميكة مغلقة إمكانية اختيارها، وغالباً ما تتكرّر الصور ذاتها مؤجّلةً مهامنا في إتمام صفحات فرقنا الواحدة تلو الأُخرى. 

Sunday, May 20, 2018

باب الشمس وبابا عمرو

ماذا تعني الكتابة الثقافية السياسية في مرحلة تشهد فيها المنطقة العربية تحوّلات وتصدّعات وثورات وثورات مضادة وانقلابات واجتياحات وتشظّي مجتمعات وتهجير وحروبَ أبادةٍ تتشارك في صناعتها أنظمةٌ وميليشيات أهلية ودول إقليمية وقوى عالمية؟ وماذا تعني الكتابة هذه في بيروت بالذات، على مقربةٍ من المذبحة السورية المتواصلة من جهة، ومن تصاعد العدوانية الإسرائيلية ومشاريع الاستيطان في فلسطين المحتلة من جهة ثانية؟ وماذا تعني في لحظة تراجع مساحات التعبير الحرّ وانتشار إعلام الشائعات والصراخ والعنصرية ضد اللاجئين؟

قد تبدو الإجابة بديهيّةً، إذ تُحيلنا إلى مهام المثقف المدافع عن قضايا وقيم، المستقلّ عن السلطات والمحصَّن تجاه غواياتها، المتحوّل أحياناً بفعل الأحداث فاعلاً سياسياً، أو صانع رأي عامٍ، أو شاهداً على حقبة يكتب تاريخها الفوري ويعيشه مع من يكتب لهم، أو يكتب تاريخها الموازي، ذاك الذي تهمّشه السرديّات الرسمية المنتصرةُ وتنسى ناسه.
والياس خوري بهذا المعنى، هو من المثقفين اللبنانيّين والعرب الأكثر تأدية لهذه المهام، في كتاباته كما في علاقته بالشأن السياسي، عبر تجارب «مسرح بيروت» وملحق «النهار» ثم مجلة «الدراسات الفلسطينية»، أو عبر تجارب عدّة سبقتها ورافقتها في بيروت الحرب الأهلية طيلة سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، ثم غداة حقبة الاغتيالات والانتفاضة الاستقلالية الناقصة والمغدورة في العام 2005.

Wednesday, February 7, 2018

العلاقات اللبنانية السعودية: التدهور والانتظار


نُشرت هذه الورقة في مركز الجزيرة للدراسات بتاريخ 7 شباط/فبراير 2018، وهي قراءة في بعض أوجه العلاقات اللبنانية السعودية منذ العام 2011.

ملخّص تنفيذي

تشهد العلاقات بين بيروت والرياض منذ أشهرٍ توتّراً لم يعُد يقتصر على المسارات الديبلوماسية الرسمية فحسب، بل صار يتخطّاه ليطال العلاقات بين معظم القوى السياسية اللبنانية والنظام السعودي.

وإذا كان هذا التوتّر قد بدأ قبل سنوات لأسبابٍ ارتبطت يومها بتركيبة السلطة اللبنانية بعد إسقاط حزب الله لحكومة سعد الحريري الأولى العام 2011 من جهة، وإعادة ترتيب الأولويات السعودية في الشرق الأوسط نتيجة الثورات العربية والصراعات في سوريا والعراق واليمن والتوسّع الإيراني وتراجع الحضور الأميركي من جهة ثانية، فإن التطوّرات في العامَين الأخيرين اللذَين شهدا صعود وليّ العهد محمد بن سلمان الى موقع القرار في المملكة العربية فاقمت من التوتّر المذكور ودفعته الى حدود التأزّم على أكثر من مستوى. ولعلّ "استدعاء" الحريري الى الرياض ودفعه للاستقالة من رئاسة حكومته الثانية، ثم ما بدا "احتجازاً" له هناك قبل الوساطة الفرنسية التي أعادته عبر باريس الى بيروت والى حكومتها، يشيران الى المنحى الذي اتّخذه هذا التأزّم وما رافقه من محاولة سعودية للعودة بقوّة الى الساحة اللبنانية ومواجهة الخصوم فيها، قبل التراجع عن الأمر والانكفاء (المؤقّت) في انتظار تطوّرات إقليمية ودولية جديدة.

Saturday, December 23, 2017

كرة القدم في بعض أوجهها: سياسةٌ وأموالٌ وبحثٌ عن مشروعيّاتٍ وميدانٌ لصراع فلسطيني إسرائيلي

ليس في التوظيف السياسي والاقتصادي لكرة القدم الذي نشهد تزايده اليوم، وفي الصراعات عليها وعبرها، ما هو جديد فعلاً. فاللعبة الأوسع شعبية في العالم تحوّلت منذ ثلاثينات القرن الماضي وانطلاق مسابقات كأس العالم الى ميدان تتجاور فيه المسائل الرياضية والسياسية والقومية، تماماً كما تجاورت وما زالت مسائل طبقية وجهوية ومذهبية.

على أن الجديد اليوم هو حجم الأموال المستثمرة في اللعبة وفي الحقل الإعلامي – الإعلاني المرتبط بها، وهو أيضاً بحث دولٍ صغرى غنيّة ورجال أعمال دولٍ كبرى أو صاعدة عن مشروعيّات قد تُتيحها لهم كرة القدم وحضورهم فيها والترويج لإنجازاتهم في مضاميرها.

النصّ التالي (المنشور في مجلة الدراسات الفلسطينية في ديسمبر 2017) استعادةٌ تاريخيةٌ لتطوّر مراحل ارتباط كرة القدم بقضايا تتخطّى ميدانها، وعرضٌ لِبعض أوجه الاستثمار والصراع الذي يتّخذ منها حالياً حيّزاً رحباً لفاعليّاته.

Saturday, September 9, 2017

رَجُل الرقّة

تُطاردني نظرة هذا الرجل منذ ثلاثة أيام. أجدني رغم محاولاتي نسيانها، أبحث عنها باستمرار. لم أعرف قبل البارحة أن صاحبها قضى بعد دقائق من تصويره. أنه من أولئك المنسيّين على ضفاف الفرات، في مدينة الرقّة السورية، حيث يتدفّق الموت على الناس من كل صوب فيتحوّلون كما بيوتهم الى أشلاء...

ينظر الرجل إلينا بذهول، بحزن، بأسى، بِعتب، أو ربما بلا مبالاة. وجهه حطام قياميّ. محفورة الأهوال فيه. يُشبه ما كان يُمكن أن نتخيّله من وجوه التراجيديا الإغريقية، أو بالأحرى لا يُشبه شيئاً نعرفه أو نتخيّله. فكيف لنا أن نفهم نظرة رجل حطّمه قصفٌ وقرّبه من حتفه، يرى عدسة الكاميرا مسلّطةً على أنقاضه فيرسل لنا عبرها آخر رمق تبقّى له! هل كان يدري أنه سينطفئ بعد ذلك بدقائق؟ هل كان يريد ترك نظرة تشهد على ما تعرّض له؟ هل أرادنا أن نؤوّل ما قالته عيناه في تلك الثانية، أم أننا نفعل ذلك لنُبرّر لأنفسنا التمعّن في صورته وتداولها والكتابة عنها وعنه وعن عجزنا وقهرنا؟

رجل الرقّة هذا يبقى رغم تجسيده المأساة السورية في وجهه ونظرته رجلاً فرداً حطّمه قصف مرعِب. كانت له حياة ومهنة وأحلام وأخطاء ومشاريع غير مكتملة. كانت له أوراق في دِرج ما. أسرار حفظتها جدران وشوارع. وكانت له صوَر أُخرى، لِوحده أو مع أهله وصحبه. رجل الرقة هذا كان له اسمٌ، عبيد الكعكه جي، اختفى خلف عينيه، وصار مُلكاً لذاكرة عامة، مشتركة بين من شهد موته وبين من رأى مرآةً لِبعض وجعه في نظرته الغامضة الأخيرة...

ز.م.


Thursday, August 24, 2017

نحو "تصفية تقنيّة" روسية - أميركية للقضية السورية

 ورقة حول آخر التطوّرات السورية (يوليو - أغسطس 2017)، منشورة في "مركز الجزيرة للدراسات".


ملخّص تنفيذي

أبرم البيت الأبيض تفاهماً مبدئياً مع موسكو، تُفوّض واشنطن بموجبه روسيا بإدارة "النزاع السوري" وتنسيق الجهود لحلّه وفق أولويّتين: "الحرب على الإرهاب" و"تخفيض مستوى العنف بين النظام والمعارضة". وقد أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره فلاديمير بوتين خلال لقائهما في قمّة العشرين في ألمانيا في يوليو الفائت بموجِبات هذا التفويض.

ويمكن القول إن الجديد في التفاهم المذكور يتمحور حول القبول الصريح بإبقاء الأسد لفترة تقرّرها موسكو، والتركيز على المعارك شمال شرق وشرق سوريا ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" وتجميد القتال في الجنوب السوري كما في وسط البلاد، وتأجيل البتّ في وضع الشمال بانتظار ما قد تؤول إليه التطوّرات هناك.

وهذا إن تمّ، يعني أن الإدارة الروسية للمسألة السورية ستُنهي الدور السياسي للأمم المتّحدة وما ترتّب عن لقاءات جنيف من قرارات، لا سيّما في ما خصّ انتقال السلطة في دمشق.

بذلك، تتحوّل القضية السورية الى قضية تقنية لا بحث جدّياً في مساراتها السياسية، ويتكرّس تقاسم نفوذٍ روسي أميركي في جغرافيّتها، تبدو إيران براغماتية تجاهه مع تمسّكها بالسيطرة على حدود سوريا مع العراق ولبنان، فيما تسعى تركيا الى عرقلة استتباب سيطرة القوى الكردية على حدودها. أما الأردن المُهيّأ للعب دور رئيسي جنوباً، فينتظر كما الصين وأوروبا ومعظم الدول العربية، استتباب الأمور على توازن واضحٍ ليتعامل مع الأوضاع الجديدة.

Tuesday, August 1, 2017

المُعلّم فنسانت فان غوغ

في أحد نصوصه الثاقبة حول فان غوغ، يُشير الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز الى أن ما يجذبنا استثنائياً في لوحات هذا الرسّام هو مجموع الخطوط والفواصل والحركات الحرّة، العفوية، المفاجئة، واللاإرادية التي ينبثق منها عالمه الفنّي. عالمٌ تتعدّد فيه المستويات والأبعاد، وتتحرّر العناصرُ المُشكِّلة لكلّ مشهد من الحدود الفاصلة بينها. هكذا، يصبح الحدّ بين يدٍ وطاولة مثلاً، أو بين جسمٍ وخلفيّة، أو بين أرضٍ وسماء، واهياً، تنساب الحركة عبره فتوحّد عناصرَ المشهدِ جميعِها من دون أن تُفضي بها الى التماهي الكامل.

Thursday, January 19, 2017

المسألة السورية بعد حلب

نُشرت هذه الورقة التي تمّ إعدادها في 11 كانون الثاني/يناير 2017 في "مركز الجزيرة للدراسات"، وهي محاولة لقراءة الوقائع والتطوّرات الميدانية والسياسية في سوريا وفي سياق الصراع الإقليمي والدوليّ عليها.


ملخّص تنفيذي

إنتهت في أواخر العام 2016 حقبة من حقبات الصراع في سوريا وعليها. فالتدخّل العسكري الروسي الذي انطلق في 30 سبتمبر 2015 والتعبئة الإيرانية المتعاظمة للمقاتلين الشيعة اللبنانيين والعراقيين والأفغان أثمرت في ديسمبر 2016 اجتياحاً للأحياء الشرقية لمدينة حلب، بعد أن كان الحصار والقصف وغياب الإمداد على مدى سنوات قد خنق جيوب المقاومة العسكرية في أكثر من مدينة وبلدة في محيط العاصمة دمشق، وأنهى تواجد "المعارضة المسلّحة" فيها.
بذلك، أصبحت المدن السورية المتوسّطة والكبرى في جنوب البلاد (باستثناء درعا) وفي وسطها وغربها وشمالها الغربي (باستثناء إدلب) تحت سيطرة النظام وداعميه، وينحصر حضور المعارضة في مناطق ريفية أو في مدن صغرى. ويبقى الشرق السوري ومدينتاه الفراتيّتان الرقة ودير الزور تحت سيطرة "تنظيم الدولة الإسلامية" (الذي تقدّم أيضاً في البادية نحو مدينة تدمر)، في حين تستمر سيطرة الميليشيات الكردية على ثلاث مناطق شمالية وشمالية شرقية، وتتوسّع بينها وعلى حساب مدنٍ صغرى وبلدات عدّة كان يحتلّها "تنظيم الدولة" منطقةٌ جديدة تنتشر فيها المعارضة بدعم تركيّ مباشر.

سياسياً، تبرز ديناميّات مستجدّة مرتبطة بالتنسيق الروسي التركي الداعي الى مؤتمر تفاوض في آستانة في 23 يناير الجاري. ويترافق التنسيق هذا مع تراجعٍ كبير في الحضور الأميركي عشية مغادرة أوباما للبيت الأبيض، واستمرارٍ في العجز الأوروبي والعربي. وتبدو الأمور متّجهةً الى مزيج من التباحث بين موسكو وأنقرة وطهران على تصوّرات لتجميد الأوضاع العسكرية بين المعارضة والنظام وحلفائه في الشمال مؤقّتاً وعزل "جبهة فتح الشام" فيه من جهة، والتصادم الميداني بين المعارضة وحلفاء النظام في محيط العاصمة دمشق (الذي يتقدّم الدور الإيراني والحزب إلهي في محاوره على الدور الروسي) من جهة ثانية. كل ذلك في انتظار دخول دونالد ترامب الى البيت الأبيض واتّضاح بعض معالم سياسته تجاه سوريا، حيث التوفيق بين تقرّبه المحتمل من روسيا وعدائه المرجّح لإيران لن يكون سهلاً عليه وعلى الإيرانيّين بخاصة.

في خضمّ هذه التطوّرات في الميدان وما يرافقها وينجم عنها من ديناميّات سياسية، تبدو المعارضة السورية بمختلف أجسامها وهياكلها مُستضعفةً ومتروكةً لتوازن القوى المتبدّل. والأكثر دلالةً على التراجع العربي الخليجي والتركي والغربي في دعمها، ولَو على نحوٍ مُقنّن كما كان الأمر في السنوات الماضية، هو استمرار إقفال الحدود الأردنية منذ مايو 2016 بما جمّد جبهات الجنوب وأراح النظام فيها، وإقفال القسم الأكبر من الحدود التركية منذ أواسط الصيف المنصرم، بما يسّر على الروس والإيرانيّين معركة شرق حلب. وفاقمت الانقسامات بين القوى المعارِضة المقاتلة من الوهنَ الذي أصابها بعد بدء التدخّل العسكري الروسي، وساهم ذلك في الخسارات الكبيرة التي مُنيت بها في الأشهر الأخيرة.

على هذا، تبدو خيارات المعارضين في الحقبة المقبلة من الصراع محدودة، وقد يكون الأهمّ لبعضهم، لا سيّما الناشطين خارج البلاد، التركيز على قضيّتَي المساءلة القانونية لجرائم الحرب المُرتكبة والحقّ في مقاومة الاحتلالات الأجنبية، والعمل على بلورة خطاب جديد يُبقي "المسألة السورية" حاضرة في المحافل الإعلامية والحقوقية والسياسية الدولية.

Friday, December 9, 2016

حول العلاقات السورية اللبنانية الشائكة ماضياً قريباً وحاضراً

يجيب زياد ماجد في المقابلة أدناه على أسئلة "سوريا تكتب"، ضمن ملف "العلاقة السورية اللبنانية: إشكالات الماضي وصعوبات الحاضر"، ويتناول ماضي العلاقات منذ اجتياح نظام الأسد لبنان العام 1976، وحاضرها بعد اندلاع الثورة السورية وانخراط حزب الله في القتال دفاعاً عن الأسد، كما يتطرّق الى مسألة اللاجئين السوريّين في لبنان والممارسات العنصرية التي يتعرّضون لها.

Sunday, October 2, 2016

عن بعض مؤدّيات فشل الاتفاق الروسي الأميركي في سوريا وسيناريوهات الأشهر المقبلة

إنهار وقف إطلاق النار في سوريا، الذي كان اتّفاقٌ روسي أميركي قد فرضه في 11 أيلول/سبتمبر 2016، وانهارت معه مؤقّتاً مجموعة تفاهمات، كان يمكن أن تُفضي الى مرحلة تعاون عسكري مباشر بين موسكو وواشنطن.
النصّ التالي هو قراءة في خلفيّات الاتفاق وأسباب ترنّحه راهناً، وما يمكن أن ينتج عن سقوطه بالكامل أو عن العودة إليه والسير في خطوات تنفيذه والولوج الى مرحلته الثانية وموجباتها لاحقاً.

Wednesday, September 21, 2016

عن أبي ريتا وشيخ العشيرة الجرماني

لا أذكرُ كيف تعرّفتُ الى عسّاف العسّاف فايسبوكياً. الأرجح أننا التَقينا أواسط العام 2011 أو أواخره لكثرةِ الصداقات المشتركة، الواقعية والافتراضية، التي أتاحت لِـ"لايكاتنا" وتعليقاتنا أن تتقاطع تحت هذا البوست أو ذاك. لكنّني أذكر جيداً أنّني تنبّهت يوماً الى ما يكتب صاحب هذا الإسم الذي خلتُه لفترةٍ مستعاراً، فرحت أتابعه وأُطلّ من صفحته على نُتفٍ من أخبار الحياة الدمشقية التي يرويها بخفّة ظلّ وسخرية مريرة.

Saturday, September 10, 2016

جغرافيا الصراع في سوريا وديناميّات المناطق الخمس

نُشرَت هذه الورقة في "مركز الجزيرة للدراسات"، وهي تقريرٌ حول أحوال سوريا الميدانية والسياسية حتى الأول من أيلول/سبتمبر 2016، وقراءة في جغرافيا الصراع فيها وعليها وديناميّاته المناطقية

ملخّص تنفيذي

تتسارع التطورات الميدانية في سوريا، وتتسارع معها التطوّرات السياسية، من دون أن يعني ذلك حدوث تغييرات جذريّة في المقاربات الدولية والإقليمية لِسُبل حلّ الصراع المُحتدِم فيها.
وشهد شهرا تموز/يوليو وآب/أغسطس 2016 معارك عنيفة في مدينة حلب بدأت بنجاح نظام الأسد وحلفائه مدعومين بالطيران الروسي بتطويق الأحياء الشرقية التي تسيطر عليها قوى المعارضة في المدينة، وانتهت بتمكّن القوى الأخيرة من فكّ الطوق مؤقّتاً عن تلك الأحياء وفتح جبهات قتال جديدة في جنوب المدينة وغربها (عاد النظام وحلفاؤه وتقدّموا فيها). وتلى معارك حلب تصعيدٌ في قصف النظام لداريّا قرب دمشق ولحيّ الوعر في حمص ولمناطق عدّة شارك الطيران الروسي أيضاً في قصفها. وأدّى الأمر بعد سنوات حصار أربع الى تهجير كامل من تبقّى من سكّان داريّا وخروج المقاتلين وفق اتّفاقٍ قام مفهومه – كما حصل في حمص القديمة في السابق وكما في الزبداني – على إفراغ مدنٍ أو مناطق من سكّانها بعد إخضاعهم جوعاً وقتلاً من دون تدخّلٍ من الأمم المتّحدة ووسيطها.
على أن التطوّر الميداني الأبرز الذي حصل في الأسبوع الأخير من شهر آب/أغسطس كان دخول مدرّعات وقوات خاصة تركية الى داخل الأراضي السورية في ظلّ إسنادٍ جوي لدعم قوّات من "الجيش الحر" في مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" في جرابلس بغية طرده منها ومن الشريط الحدوديّ مع تركيا غرب نهر الفرات، وبغية دحر الميليشيات الكردية وحلفائها من مناطق سبق وتمدّدت فيها بغطاء جوّي أميركي في الأشهر الأخيرة غرب النهر أيضاً.
جاء هذا التطوّر في لحظة إعادة تموضع سياسي تركي تبِع محاولة الانقلاب الفاشلة في أنقرة، تصالحت فيها تركيا مع روسيا وضاعفت اتصالاتها مع إيران واستقبلت نائب الرئيس الأميركي الذي شهدت العلاقات مع بلاده توتّراً لأسباب سورية – كردية ونتيجة موقف واشنطن الملتبس من محاولة الانقلاب ومن المُتّهم من أنقرة بالوقوف وراءها، الداعية فتح الله غولن.
في المحصّلة، بدا المشهد السوري مع نهاية فصل الصيف السادس التالي لبدء الثورة السورية في آذار/مارس 2011 مُقبلاً على تحوّلات ميدانية في شمال البلاد قد تُوسّع من سيطرة المعارضة السورية الترابية فيه برعاية تركية، مقابل تعزيز النظام مدعوماً بحلفائه لسيطرته على المناطق المتاخمة للعاصمة دمشق، في وقت بردت فيه الجبهة الجنوبية وبدا أن قراراً دولياً وديناميات محلية تَحُول دون التصعيد العسكري فيها الذي لو حصل لخفّف العبء عن مناطق عدّة.
وهذا كلّه يُحيل الى خلاصةٍ مفادها ميلٌ دولي لتجميد بعض الجبهات و"تلزيم" جبهات أُخرى لقوى إقليمية أو غضّ النظر عن تدخّلها فيها مقابل مساهمتها في ضرب "داعش" وتقليص مساحات انتشارها. أما الحلّ السياسي الجدّي المرتبط بانتقال السلطة في دمشق ووقف جميع الأعمال الحربية، فيبدو أنه ما زال بعيداً.

Wednesday, August 3, 2016

عن حلب وملحمتها

ملاحظاتي الثلاث حول مُجريات الأمور في حلب، ضمن تقرير جريدة "المصري اليوم" الذي أعدّه رضا غنيم. لقراءة التقرير كاملاً، يمكن الضغظ هنا.

أوّلاً: بالنسبة لما يسمّيه الروس ونظام الأسد "ممرّات إنسانية"
هذه الممرّات، بالشكل المطروح هي بالواقع "ممرّات غير إنسانية"، فالممرّات الإنسانية والممرّات الآمنة، تكون بالاتجاهين، وتسمح بإدخال الأغذية والأدوية الى المناطق المحاصرة. أما الممرات المُقترحة من الروس والأسد فهي ممرّات لإخراج السكان من الأحياء الشرقية لحلب، أي هي ممرّات لتشريدهم ولصناعة المزيد من المهجّرين واللاجئين السوريّين. وفوق ذلك، لا يوجد سابقة واحدة في السياق السوري تسمح للمواطنين بالثقة في أن خروجهم من الحصار عبر مناطق يسيطر عليها النظام وحلفاؤه سيكون آمناً. فهم يعرفون جيداً من تجاربهم أنهم قد يكونون عرضةً للقنص أو الاعتقال والتنكيل، كما سبق وجرى في حمص، وكما جرى في بعض مناطق ريف دمشق.
الاقتراح الروسي – الأسدي المُروّج له إذاً ليس "إنسانياً"، وهو استمرار لانتهاك قرارات الأمم المتّحدة، لا سيّما القرار 2139 الصادر في 21 فبراير 2014 والقاضي برفع الحصار عن السكان المدنيّين والتوقّف عن انتهاك القانون الدولي الإنساني؛ وهدفه الفعلي هو الادّعاء لاحقاً أن مقاتلي حلب هم من يمنعون أهلهم من الخروج من بعض أحياء المدينة المحاصرة ويتّخذونهم رهائن، وبالتالي لا مفرّ من إطباق الحصار عليهم ومحاولة اجتياح ما تبقّى من مناطق يسيطرون عليها.

Tuesday, June 28, 2016

هامش كُروي: ملاحظات حول مباراة إيطاليا وإسبانيا

يمكن القول إن مباراة إيطاليا وإسبانيا هي أبرز مباراة حتى الآن في بطولة كأس أوروبا 2016.
إسبانيا كانت تريد إثبات استمرار تفوّقها على غريمتها منذ العام 1994 (تاريخ آخر فوز إيطالي عليها)، وإيطاليا تريد الثأر لخسارتها النهائي الماضي أمام الإسبان (بنتيجة صفر لأربعة، وهي أكبر نتيجة في نهائي أوروبي منذ انطلاق البطولة العام 1960). والأهمّ أن كلّاً من إسبانيا وإيطاليا كان يسعى لتعويض أوروبي عن سوء الأداء في كأس العالم الأخيرة التي خرج فيها المنتخبان من الدور الأول.

Wednesday, June 8, 2016

سوريا: مفاوضات بلا أفق وتحدّيات استراتيجية القضم

يظهر من مجمل التطورات الميدانية داخل سوريا ومن الاتصالات الدولية الأخيرة بشأنها أن لا حلَّ سياسيًّا في المستقبل القريب. فواشنطن تبدو أقرب إلى فكرة ترحيل البت بالحلول والخيارات إلى العام المقبل حين تدخل إدارة جديدة إلى البيت الأبيض. وروسيا وإيران تريدان استمرار عمليات الخنق أو القضم البطيء للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة بما يمكّنهما من القول لاحقًا: إنه لا مناطق سورية واسعة وذات تواصل ترابي باقية خارج سلطة نظام الأسد سوى تلك التي يسيطر عليها "تنظيم الدولة الإسلامية" من جهة، و"جبهة النصرة" من جهة ثانية (إضافة طبعًا إلى المناطق التي تسيطر عليها "وحدات الحماية" الكردية). وهذا يعني أن المطالبة برحيل الأسد لم تعد محمولة من قوى وازنة عسكريًّا ومقبولة دوليًّا ومسيطرة على مساحات واسعة من الأرض السورية.
لقراءة ورقتي حول سوريا وأوضاعها الراهنة المنشورة في مركز دراسات الجزيرة، يمكن الضغط هنا.

Tuesday, May 10, 2016

عن نتائج انتخابات بيروت

يمكن إيراد الكثير من الملاحظات على انتخابات بيروت المحلية، وما شهدته من تحالفات ومن بروز أوّل محاولة "مدنية" إصلاحية جدّية منذ أكثر من عشر سنوات مثّلتها "بيروت مدينتي". 
من هذه الملاحظات، أن لائحة قوى السلطة التي قادها رئيس تيّار المستقبل وجمعت مرشّحيه الى جانب مرشّحي حركة أمل والقوات والكتائب والطاشناق وبعض التيار العوني وحظيت بدعم جزء من ناخبي حزب الله والحزب التقدمي لم تنجح في جذب أكثر من 50 في المئة من أصوات المشاركين في الانتخابات، الذين لم يتخطّوا نسبة ال20 في المئة من مجموع الناخبين المسجّلين في بيروت، أي أنها حصلت على أصوات 10 في المئة من أصوات "البيارتة" الذين ادّعت تمثيلهم. وفي هذا فشل ذريع يشبه فشل القوى إياها التي سبق وأدارت بلدية العاصمة خلال السنوات الماضية، فأنتجت أزمات النفايات والتلوّث والتعدّي على الشاطئ وعلى التراث المعماري لبيروت.

Thursday, April 21, 2016

حملة "بيروت مدينتي" إذ تُعطي معنىً للانتخابات

أطلق مواطنون ومواطنات منذ أشهر حملةً بمسمّى "بيروت مدينتي" تحضيراً للانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في لبنان في أيّار المقبل. 
بدت الحملة عند انطلاقها وكأنها خارج السياق "الوطني"، في بلد مضى عامان ولم ينتخب برلمانه الممدِّد لنفسه رئيساً للجمهورية، وفي مدينة تنتشر فيها القمامة وتنقطع عنها الكهرباء رغم المليارات المنفقة عليها بعد ربع قرن على انتهاء الحرب. وبدت الحملة خارج السياق كذلك لشعور عام أن لا انتخابات جدّية ممكنة في ظل الأداء السياسي المُهيمن والقيّمين عليه، ولا بلديّات فاعلة في ظل تحكّم صيغة مركزية (وغالباً زبائنية) بالخدمات العامة. 

Wednesday, April 13, 2016

تلك الرائحة

هي محض صدفةٍ أن تحلّ الذكرى الواحدة والأربعون لبدء الحرب الأهلية اللبنانية وما تخلّلها من اجتياحات وصراعات إقليمية ودولية مع انتشار رائحةٍ كريهة في شوارع بيروت. لكنّها صدفة تتخطّى الرمزية، وتنقل تَحلّل الجسم المؤسساتي والخدماتي اللبناني الذي شُيّد بعد الحرب بمعيّة أمرائها ورُعاتهم الخارجيّين الى درجةٍ حسّية جديدة، تُصيب هذه المرّة حاسة الشمّ عند الناس.

Wednesday, April 6, 2016

عن العبودية الجنسية في لبنان وعن أوراق بنما

سنوات طويلة من السجن والعبودية الجنسية والعنف الضاري والإجهاض للنساء المُستعبدات والمُغتصبات في أقبية "شي موريس" و"سيلفر"، وفي عيادة "طبّية"، جرى الكشف عنها قبل أيّام في لبنان. وحسابات مصرفية وشركات وهمية وواجهات لمسؤولين حكوميين ورياضيّين ومجرمي حرب ورجال أعمال من عشرات الدول يجمعهم الكسب غير المشروع والتمنّع عن دفع الضرائب وتهريب الثروات عبر بنما، يجري حالياً نشر تفاصيلها تباعاً في أكبر جهد تحقيقي يشهده تاريخ الصحافة تحت مسمّى "أوراق بنما".

Friday, April 1, 2016

محاصرٌ مثلي

تروي السينمائية السورية هالة العبد الله في فيلمِها الجديد "محاصرٌ مثلي" جوانبَ من سيرة المثّقف السوري المعارِض فاروق مردم بك المقيم في باريس والممنوع من العودة الى بلدِه منذ العام 1976، تاريخ توقيعه كما العديد من أصدقائه بيانَهم الشهير المُعارض لاجتياح جيش الأسد لبنان.
على أن رواية العبد الله تأتي غالباً على لسان مردم بك نفسه، بتواطؤ جميل بين الكاميرا والسرد، أو بتتبّعٍ لحركةٍ ولحواراتٍ ولعملٍ يشاركُه فيها أصدقاؤه، أو أحبّةٌ يستحضرهم لغيابهم عن باريس أو لرحيلهم المأساوي عن دنيانا.

Wednesday, March 23, 2016

النادي العلماني في الجامعة الأميركية في بيروت

من بين الجمعيات والنوادي الشبابية والحركات الاجتماعية والثقافية في بيروت، يبرز النادي العلماني في الجامعة الأميركية بوصفه واحداً من أكثر معاقل العمل الطلابي والنشاط المدني حيويةً وفاعلية. 
بهذا المعنى، يلعب النادي منذ سنوات دوراً يذكّر بأدوارٍ كانت الحركة الطلابية تلعبها في مراحل سابقة في تاريخ البلد، لا سيّما في مطلع سبعينات القرن الماضي، مع فارق أنه يقوم ونظراؤه بالأمر راهناً في ظلّ غياب القوى السياسية الحاملة لمشاريع الإصلاح والتغيير، وفي ظل تراجع الهيئات النقابية وتفاقم التوتّرات المذهبية المعطّلة لمؤسّسات الدولة.

Saturday, March 19, 2016

نادي النجمة الرياضي

ليست الكتابةُ عن "نادي النجمة" في لبنان اليوم استراحةً أو ترفاً في وقت تتراكم فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلد، وتتضاعف أعباء الحياة اليومية على قسمٍ كبير من الناس، وتنتشر فضائح الفساد والإفساد في ملفّات الكهرباء والنفايات والكسّارات والمخالفات البحرّية وغيرها.

Tuesday, March 15, 2016

خمس سنوات على انطلاق الثورة السورية: حوار في صحيفة المصري اليوم

أجرى الصحافي رضا غنيم من "المصري اليوم" هذا الحوار معي حول أحوال سوريا وكفاح شعبها والصراعات الإقليمية والدولية عليها وأسباب تمنّع سقوط نظام الأسد حتى الآن وصعود "داعش" ومواقف المثقّفين العرب والقوى اليسارية العربية من الثورة السورية، عشية ذكرى انطلاقها الخامسة.

Tuesday, March 8, 2016

رزان وسميرة وأخواتهما

يحلّ 8 آذار، يوم المرأة العالمي، على المنطقة العربية بعد خمسة أعوام من انطلاق ثوراتها محمّلاً بإنجازاتٍ وانكساراتٍ وتحدّيات. ويحلّ على سوريا محمّلاً بآلام وتضحيات، تتشارك فيها نساءٌ في الداخل وفي المنافي كما في البحار وعلى الحدود. 
نساءٌ يدفعن أثماناً مضاعفةً للقمع والتعذيب والتهجير والاستبداد على أشكاله وأحواله المختلفة. ونساءٌ يقاومن بضراوة تلك الأثمان ويحاولن الاستمرار كتابةً أو موقفاً أو عملاً وتأسيساً لمبادرات وتسجيلاً لشهادات.

Saturday, March 5, 2016

السيّد نصر الله بين الدين والسياسة

منذ تولّيه الأمانة العامة لحزب الله، تمتّع السيد حسن نصر الله على الدوام بمكانةٍ خاصة ضمن التركيبة السياسية اللبنانية، وتنامت شعبيّته بسرعةٍ خارج لبنان لتبلغ أوجها بعد حرب العام 2006 مع إسرائيل، حين أصبح الرجل على الأرجح الزعيم الأوسع شعبية في أكثر من بلد عربي.

Friday, February 26, 2016

Tuesday, February 23, 2016

ظاهرة المختصّين بسوريا

تكاثرت في السنوات الأخيرة في الإعلام الغربي ظاهرة "المختصّين بسوريا" أو "الخبراء في شؤون الحركات الجهادية" أو "اختصاصيّي الجماعات الإسلامية السورية". وقسم كبير من هؤلاء هم مزيج من ضحالةٍ وادّعاءٍ وقدرة على استسهال طرح الأمور وإصدار الإحكام دون خوف أو تردّد. كما أنهم في معظمهم لا يتقنون العربية وقد لا تكون لهم إقامات طويلة في المنطقة العربية أو حتى زيارات لها، هذا إضافة الى جهلهم المُطبق بأدبيّاتها وثقافاتها وبالإسلام وتاريخه والصراعات فيه وعليه.

Sunday, February 21, 2016

توطئة لكتاب "تطوّر المجتمع السوري: 1831 - 2011" لِنشوان الأتاسي

يقدّم نشوان الأتاسي في هذا العمل البحثي الرصين قراءةً في التاريخ السياسي والاجتماعي لسوريا عند نشأة كيانها ثم دولتها بعد انهيار السلطنة العثمانية وقيام الانتداب الفرنسي وما رافق ذلك من مفاوضات وانتفاضات أفضت حدوداً واستقلالاً وطنياً. ويرصد التطوّرات بين أربعينات القرن الماضي وبدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، مقدّماً محاولة هي الأولى ربّما لكاتب سوري للخوض في تاريخ سوريا الحديث بمراحله المختلفة وصولاً الى المرحلة البعثية فالأسدية، وانتهاءً باندلاع الثورة في آذار 2011.

Friday, February 19, 2016

بلدي بلدتي بلديّتي

نص المقابلة التي أجرتها معي الصحافية حنين شبشول في تحقيقها حول البلديّات وانتخاباتها والحملات المواطنية -  جريدة المدن الإلكترونية.

هل يمكنك أن تخبرنا أكثر عن حملة "بلدي بلدتي بلديتي"؟ كيف بدأت، من أطلقها، ولماذا اخترتم هذا الاسم؟

الحملة أطلقتها "الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات" أواخر العام 1997، ثم تحوّلت الى إطار مستقل يجمع طلّاباً وأفراداً ناشطين في أكثر من جمعية لبنانية وكتّاباً وحقوقيّين وفنّانين تحت مسمّى "اللقاء من أجل الانتخابات البلدية والاختيارية".
هدف الحملة المباشر كان الضغط على السلطات اللبنانية لإجراء أول انتخابات محلّية في لبنان منذ العام 1963، ورفض الذرائع المُتداولة وقتها والهادفة الى تأجيل الاستحقاق مرةً إضافية. أما الهدف غير المباشر أو الأبعد من الانتخابات نفسها فكان السعي لتحفيز المواطنين على الانخراط في الشأن العام، ورفض استمرار مصادرة القوى السياسية والزعامات الطائفية لأدوار البلديات وتحويلها الى شبكات انتفاع وتنفيع زبائني.
أما "بلدي بلدتي بلديّتي" فكان شعار الحملة الذي وضعه الصديق بول الأشقر والذي تحوّل الى إعلان عن الحملة مع "جينغل" موسيقي لزياد الرحباني (الذي أقام دعماً لها حفلة موسيقية في البيكاديلي في الحمرا)، ثم صار اسمها الفعلي نتيجة جاذبيّته ونجاحه. والمقصود كان إظهار الترابط بين البلدية والمحلّة والبلد عامة والتركيز على أهمية البلديات كحيّز تأسيسي للنشاط السياسي ولاكتساب الخبرة في إدارة مصالح المواطنين وحمايتها.
عملنا بول الأشقر وأنا على تنسيق الأنشطة وتنظيم الاجتماعات وكتابة البيانات والاتصال بالجمعيات وببعض القوى السياسية. وكان للزملاء في "المركز اللبناني للدراسات" وللعديد من الشباب والشابات من أعضاء "الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات" دور أساسي في العمل، وكذلك الأمر بالنسبة لصحافيّين وكتّاب وفنّانين وحقوقيّين ومثقّفين دعموا الحملة وأتاحوا تغطيةً لنشاطاتها ووصولاً لبياناتها الى قطاعات واسعة من المواطنين.

Wednesday, February 17, 2016

البابا فرنسيس والبطريرك كاريل

لا شك أن اللقاء بين بابا الفاتيكان فرنسيس وبطريرك روسيا سيريل قبل أيامٍ في مطار هافانا في كوبا حدثٌ عظيم الأهمية في التاريخ المسيحي، إذ هو أنهى قطيعةً بدأت مع الانشقاق داخل الكنيسة العام 1054 واستمر طيلة السنوات الـ962 الماضية. 
ولا شكّ أن الإعلان الذي صدر عن اللقاء مثير للاهتمام على أكثر من صعيد، وأن نشر صحفٍ لمعلومات منسوبة الى فريقَي عمل البابا والبطريرك حول المصاعب التي واجهت صياغة ذلك الإعلان مثيرة بدورها. فهي تبدأ من الصراع الروسي الأوكراني وتمرّ بالمواقف من الكنائس الكاثوليكية الشرقية وتصل الى الخلافات اللاهوتية والأدبيات العدائية المتبادلة التي ما زالت تيارات في الكنيستين تعتمدها. 
على أن ما يبدو أكثر أهمية وأشدّ أثراً في أوضاعنا الراهنة هو اتّفاق رأسَي الكنيستَين على الموقف من "مسيحيّي الشرق"، وتشخيصهما أوضاعهم على نحو يعدّها تراوح بين الاضطهاد والخطر الوجودي. وفي هذا ما لا يحمل الكثير من المغالطات فحسب، بل يساهم كذلك في تعميق الشروخ داخل المجتمعات "الشرقية" بين المسيحيين وسواهم من "المواطنين"، إذ يتعامل مع الأوّلين وكأنهم "جاليات" للكنيستين وليسوا أبناء وبنات أوطانهم وقضاياها، ويعدّ معاناة الآخرين أقلّ شأناً أو تاليةً زمنياً لمُصاب المسيحيّين. وهذا تزوير لواقع المنطقة ولابتلاء أهلها جميعهم – مسيحيّين ومسلمين وأقلّيات دينية وغير متديّنة - بالاستبداد والاحتلال السابقَين بعقودٍ طويلة على مجريات السنوات المنصرمة ومِحَنها.

Wednesday, February 10, 2016

محمود عباس وسوريا وفلسطينيّوها

لا يدّعي هذا النص تقييماً لمجمل مواقف الرئيس الفلسطيني (المنتهية ولايته منذ مدّة) محمود عباس من الشأن السوري بعد العام 2011. هو مجرّد إيراد لملاحظات على بعض ما قاله وعلى ما لم يقله في هذا الشأن وفي ارتباطه بأوضاع أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني مقيمين في سوريا.

Tuesday, February 2, 2016

النِصاب والفراغ المديد

بعد أن تردّد أن رئيسَ تيار المستقبل سعد الحريري رشّح رئيسَ تيّار المردة وحليفَ رئيس النظام السوري سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، رشّح قائدُ القوات اللبنانية سمير جعجع حليفَ حزب الله ميشال عون لموقع الرئاسة إياها. 
هكذا تبارى زعيما معسكر 14 آذار (أو ما تبقّى منه) على ترشيح أبرز مارونيّين في معسكر 8 آذار (أو ما تبقّى منه) وسط ذهول أنصارهما، ثم تباري بعض هؤلاء على الإشادة بخطوتَي حكيمَيهما واعتبار ما فعلا دهاءً ونجاحاً متأخّراً بإحراج حزب الله تحضيراً لملء الفراغ في موقع الرئاسة الأولى.

Wednesday, January 27, 2016

مؤتمر جنيف الثالث

وجّه الزملاء في مجموعة "الجمهورية" نداءً الى المعارضة السورية مطالبين إيّاها بعدم الذهاب الى مؤتمر جنيف الثالث، حيث يسعى ما يُسمّى "مجتمعاً دولياً" الى تصفية القضية السورية ويتصرّف على نحو يؤّكد عقليّته الكولونيالية، إن من خلال استمرار تدخلّ دوله الكبرى العسكري في سوريا بحجّة "محاربة الإرهاب"، أو من خلال مواقف أطرافه المؤثّرة المعادية لحرّية السوريّين وكرامتهم والمفضِّلة التعامل مع جهاز يضبطهم ويقتلهم منذ سنوات. وأشار النداء، المنشور البارحة الثلاثاء، الى افتقاد جنيف الثالث "أدنى مقوّمات العملية السياسية الحقيقية، إذ لا سياسة في أن يُفرض على أحد طرفَي المباحثات المفترضة كل شيء، بما في ذلك كيفية تمثيله لنفسه، في حين لا يُطلب من النظام أدنى إجراء لإثبات استعداده لعملية سياسية".

المحكمةُ العسكرية والعدالة اللبنانية

ذكّرتنا فضيحةُ إخلاء سبيل ميشال سماحة قبل أيام بأحوال العدالة وبصلاحيّات المحاكم العسكرية في لبنان.
فالرجل الذي ضُبط متلبّساً بنقل عبوات ناسفة في سيّارته من سوريا الى الأراضي اللبنانية لتفجيرها واستهداف مواطنين مدنيّين واغتيال سياسيّين ورجال دين، والذي اعترف بالأمر وربطه بتوجيهات من ضابط المخابرات السوري علي مملوك ورئيس نظامه بشار الأسد، أٌخلِي سبيله بكفالة مالية. وكأن جريمته المحقّقة (نقل العبوات وتسليمها للـ"مُخبِر" بهدف تفجيرها) وجرائمه المُزمع تنفيذها (القتل العشوائي والموضعي عمداً) مجرّد جُنَحٍ يكفي أن يدفع مبلغاً من المال بعد انقضاء ثلاث سنوات وأربعة أشهر على توقيفه بسببها لكي يُفرَج عنه ويُحاكَم طليقاً بشأنها.

Tuesday, January 12, 2016

المُمانعون أصدقُ من المُمانعة

تُثبت "الممانعةُ" حكوماتٍ وأحزاباً أنها تكرّس يوماً بعد يوم منظومةً أخلاقية لا تحتكر الوضاعة، إذ ثمّة بين خصومها من قد يجاريها فيها، لكنها تُحوّلها الى سمةٍ لقسمٍ كبير من جمهورها ومُريديها. وليس أشدّ دلالةً على الأمر سوى تعاطي معظم المُمانعين منذ سنواتٍ مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها نظام الأسد، والتي صار لحزب الله بعد تجويع مضايا نصيبٌ من المسؤولية المباشرة عنها.

Friday, January 8, 2016

تجويع مضايا

على بُعد ساعتين برّاً من بيروت، يجوع الآلاف من الأطفال والنساء والرجال السوريّين ويموت بعضهم جوعاً. 
يجوعون ويموتون، لا بسبب "أعمال حربيّة" أو "مواجهات عسكرية" على ما تورِد بعض وسائل الإعلام فتُجهِّل الفاعل أو تجعل الأطراف المتقاتلة على سويّة في المسؤولية، بل بسبب حصار إجرامي ينفّذه نظام الأسد وحزب الله ولا هدف له غير تجويع المدنيّين والمقاتلين وقتلهم ببطء بعد العجز عن اجتياح أرضهم وبيوتهم في مضايا والزبداني وبقّين واحتلالها.

Tuesday, January 5, 2016

سنّة وشيعة... وعنف

تتفاقم مظاهر التوتّر المذهبي السنّي الشيعي شهراً بعد شهر في دول المشرق العربي والخليج، ويستعيد معظم الأطراف المنخرطين في الصراعات السياسية والحروب الدائرة أحداثاً من القرن السابع الميلادي فيُسقطونها على حاضرهم لاستنفار العصبيّات والغرائز وتبرير المواقف والتحالفات. كما يتّخّذون من مصطلحات مُتقادمة ومقولات بائدة أسلحةً لهم في سِجالاتهم وخطاباتهم التحريضية. 

Wednesday, December 30, 2015

عن ناجي الجرف وما مثّله في الثورة السورية

 يمكن اعتبار العام 2015 من أسوأ الأعوام بالنسبة للصحافيين والمواطنين-الصحافيّين السوريّين، لجهة القتل والاعتقال والتهجير والتهديد. وقد شهدت الأشهر الأخيرة مقتل وإصابة الكثيرين منهم بقصف النظام الأسدي والطيران الروسي وبسكاكين ورصاص داعش.
و"الأسوأ"، أن عدداً من الصحافيين هؤلاء تعرّضوا للاغتيال خارج سوريا، وتحديداً في جنوب تركيا، حيث ظنّوا أنفسهم آمنين. فبعد تصفية إبراهيم عبد القادر وفارس حمادي من حملة "الرقة تُذبح بصمت" في مدينة أورفا في آخر تشرين الأول الفائت في عمليّة أعلنت داعش مسؤوليتها عنها، فُجع سوريو مدينة غازي عنتاب وأصدقاؤهم قبل يومين باغتيال ناجي الجرف بطلقاتٍ من مسدّسٍ كاتم للصوت في وسط المدينة. 

Wednesday, December 23, 2015

عن "الإرهاب" في سوريا

أقحمَ "المجتمع الدولي" سوريا والسوريّين منذ أسابيع في دوّامة جديدة: البحث عن "الإرهابيّين". واتّفقت الدول الكبرى على تكليف الأردن إعداد مشروعٍ يحدّد "مَن الإرهابي ومَن غير الإرهابي في الحرب السورية". ثم جاء قرار مجلس الأمن الأخير وما تضمّنه من توصيات لِيَستثني "الجماعات الإرهابية" مِن "وقف إطلاق النار" المُزمع تطبيقه.

Thursday, December 17, 2015

الرئاسة اللبنانية

تعبّر "المبادرة الرئاسية" التي شاع الحديث عنها في الأسابيع الماضية عن مجموعة مسائل ترتبط بالحياة السياسية اللبنانية وأركانها.

المسألة الأولى أنها شكلاً وأشخاصاً أمينةٌ في تمثيلها لمستوى معظم السياسيين اللبنانيين وعلاقاتهم الداخلية وارتباطاتهم الخارجية ومنظوماتهم القيمية.

Saturday, December 12, 2015

عامان على اختطاف رزان وسميرة ووائل وناظم

تحلّ في 9 كانون الأول الجاري الذكرى الثانية لاختطاف سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي من مكان إقامتهم في دوما في غوطة دمشق الشرقية.

يمرّ عامان على غياب أربعة من أجمل وجوه الثورة السورية وأكثرها نزاهة وصلابة ومصداقية.
سميرة الخليل، الناشطة السياسية التي أمضت خمس سنوات في سجون الأسد الأب، ولجأت الى الغوطة بعد تحرّرها من حكم الأسد الإبن لتعمل مع ناسها وتساعد في توثيق معاناتهم مع الحصار والجوع والقصف؛
رزان زيتونة، المحامية والكاتبة التي دافعت قبل الثورة بسنوات عن المضطهدين السياسيين من النظام الأسدي (وبينهم إسلاميّين) والتي عملت بكدّ وكفاءة عالية منذ انطلاق الثورة العام 2011، إن من خلال لجان التنسيق المحلية التي أسّست مع رفاقها أو من خلال مركز توثيق الانتهاكات التي أدارت، على تنظيم المظاهرات والاعتصامات ثم على تدوين تفاصيل الحياة اليومية كما على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والحفاظ على ذاكرة الضحايا، والتي انتقلت الى دوما من العاصمة دمشق ظنّاً أنها ستكون محميّة في أرض محرّرة؛
وائل حمادة، شريك رزان في حياتها وفي النشاط السياسي والحقوقي، الذي اعتُقل وعُذّب لدى المخابرات الجوّية في دمشق خلال الثورة؛
وناظم حمادي، الشاعر والمحامي والعامل في مركز توثيق الانتهاكات والمنتقل بدوره للعيش والكتابة في الغوطة بعيداً عن مخاطر الاعتقال من قبل مخابرات النظام.


يمرّ عامان ولا خبر عنهم ولا جهد استثنائياً مبذولاً من الوسطاء الخارجيّين ذوي الصِلات والنفوذ في الغوطة للضغط على المُتّهَمين بخطفهم في دوما، المسؤولين عن الأمن فيها الذين سبق أن هدّدوا رزان بالقتل: جماعة "جيش الإسلام" بقيادة زهران علّوش، المُحضّر نفسه لأدوار قيادية وهو صاحب القوّة العسكرية الأكبر على تخوم العاصمة دمشق، المُقنّن مجهوده الحربي في الصراع مع النظام الأسدي منذ العام 2013 ترقّباً للأدوار "المستقبلية" تلك.

ما يمكن قوله أو التذكير به في هذه الذكرى الحزينة الثانية يتمحور حول ثلاثة أمور.

الأوّل، أن خطف رزان وسميرة ووائل وناظم في منطقة محرّرة من النظام ومحاصرة من قبل قواّته ولا وجود فعلياً لداعش فيها هو من أكثر الأعمال التي شهدتها سوريا في السنوات الأخيرة جبناً وخِسّة. فالأربعة عُزّل كرّسوا سنوات من عمرهم للثورة وأمّنوا قوى مسلّحة على حياتهم، واختطافهم جاء على يد هذه الأخيرة أو بتسهيل منها، وليس على يد النظام أو داعش اللذين لا يتفاجأ أحد بأفعالهما وإجرامهما.

الثاني، أن عمليّة خطف الأربعة ضربت المكوّن المدني الديمقراطي للثورة الحاضر ميدانياً داخل سوريا ضربة قاسية. وليس تفصيلاً أن تراجع حضور هذا المكوّن في الداخل تواصل منذ ذلك الوقت فأمسى اليوم شديد الضمور، ولولا قلّة من رفاق رزان وسميرة وناظم ووائل وأشباههم لصحّ القول بانتقاله كاملاً الى خارج سوريا.

الثالث، أن أهل المخطوفين وأصدقاءهم لن يسكتوا عن هذه الجريمة حتى معرفة مصير الأربعة وإطلاق سراحهم. فإذا كان صحيحاً اليوم أن سوريا بأسرها منكوبة، وأن مئتي ألف سوري وسورية يقبعون في سجون نظام الأسد المرعبة وبضعة آلاف يعيشون في عتمة زنازين داعش ومئات في معتقلات بعض فصائل المعارضة المسلّحة والميليشيات الكردية، فإن الصحيح أيضاً أن هذا الواقع المأساوي لا يجعل الجريمة عابرةً أو يُحيلها الى "مبدأ النسبية" لأسباب عامة تنطبق أصلاً على كلّ فردّ مغيّب، ولأسباب خاصة ليس أقلّها مكانة المخطوفين ودورهم في بدايات الثورة، والبُعد السياسي للخطف، وعلاقة رزان بمنظّمات حقوق الإنسان الدولية المحترمة التي نشرت العديد من التقارير عن جرائم نظام الأسد ومجازره.

لهذه الأسباب ولغيرها، سيبقى ملف مخطوفي "دوما الأربعة" حيّاً ما بقوا في الأسر. ويُفيد المسؤولين عن الخطف أن يخلّصوا أنفسهم من العبء القانوني المتعاظم عبر إطلاق سراحهم، ومعهم جميع المدنيّين المخطوفين عندهم أو المُعتقلين بغير وجه حق. وبما أن مندوبين عنهم سيحضرون مؤتمر السعودية للمعارضة بوصفهم "قوة مقاتلة معتدلة"، فيُفيد وفود المعارضة وأجسامها أن تُثير موضوع الخطف مع الدولة المُستضيفة وتجعل من تحريرهم مطلباً ملحّاً.

... السلامة لسميرة الخليل وناظم حمادي ورزان زيتونة ووائل حمادة والحرّية لهم ولجميع المعتقلين.
زياد ماجد