Sunday, July 21, 2019

كرة القدم النسائية الأميركية في مواجهة دونالد ترامب

شكّلت مسابقة كأس العالم النسائية الثامنة لكرة القدم التي فازت فيها حاملة اللقب الولايات المتّحدة قبل أسبوعين (للمرة الرابعة في تاريخها) منعطفاً رياضياً وإعلامياً وسياسياً مهماً على أكثر من صعيد.  
فعلى الصعيد الفنّي، قدّمت منتخبات المربّع الأخير (الولايات المتّحدة وهولندا والسويد وإنكلترا) مستوى جيّداً وأداءً مثيراً ظهّر تطوّر اللعبة في أوروبا، بعد أن كانت ألمانيا ومعها النروج وحدهما تنافسان الولايات المتحدة الأميركية. في حين لم تُفلح اليابان (حاملة اللقب العام 2011) والبرازيل في مجاراة فرق الصدارة وخرجت من الدور الثاني.
وعلى صعيد التنظيم والحضور والتغطية، نجحت فرنسا في حشد الانتباه للمسابقة، فامتلأت مدرّجات الملاعب، وتحسّن النقل التلفزيوني المباشر ومعه التعليق المحترف على المباريات، رغم بقاء آثار الثقافة الذكورية في بعض المصطلحات والتشبيهات المستخدمة، التي لم تتأخّر جمعيات نسوية وشخصيات فنية عن انتقادها والسخرية منها.
ومع أن "الاتحاد الدولي لكرة القدم" لم يتوانَ عن الموافقة على تنظيم عدة مسابقات في وقت واحد (وهو ما لم يكن ليفعله خلال إقامة كأس العالم للرجال)، إذ جرت بطولة أوروبا للشباب وكوبا أميركا والكأس الذهبية للكونكاكاف في نفس التوقيت (وتزامنت المباراتان النهائيتان للكأسين الأخيرين مع نهائي كأس العالم للنساء)، إلا أن رعاية الشركات الكبرى والاهتمام الإعلامي مكّنا الكأس النسائية من فرض نفسها كمسابقة دولية أساسية لا شكّ أن السنوات المقبلة ستشهد تكريساً لحضورها وتطويراً له.

Sunday, June 30, 2019

في تكامل معركتَي التحرّر من الاحتلال ومن الاستبداد

دخلت فلسطين والعالم العربي في العامين 2011 و2012 مرحلةً جديدة. فقضية الأولى عرفت تقدّماً سياسياً وديبلوماسياً دولياً بلغ أوجه عند صدور الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية ثم انضمام الأخيرة الى عدد من المنظمات الدولية وفي طليعتها اليونيسكو. والثاني شهد ثورات في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا بعثت أملاً بالتغيير وتحرير المجتمعات والأفراد من عقودٍ من الاستبداد والقهر. لكن التراجع ثم الانحدار جاءا سريعاً في الحالين بعد ذلك. ففي فلسطين، تصاعدت شراسة إسرائيل الميدانية وتعمّقت الانقسامات الداخلية الفلسطينية وعجزت قيادة السلطة ومثلها حماس عن إطلاق مبادرات مصالحة أو ديناميات سياسية تلجم تدهور الأوضاع وتقلّص رقعة أضرارها. وشنّت إسرائيل حرباً تدميرية على قطاع غزة العام 2014، كرّست خلالها عزلة القطاع عن باقي الأراضي الفلسطينية المحاصرة بدورها والمقطّعة أوصالها بالمستوطنات والطرق الالتفافية والجدار والحواجز العسكرية. وفي العالم العربي (مع استثناء تونسي)، أدّت الثورات المضادة وتعثّر التجارب الانتقالية والتمزّقات المجتمعية، وضراوة القمع والمذابح والتهجير والتدخلات العسكرية الايرانية والروسية في سوريا، والسعودية والايرانية في البحرين واليمن، وصعود "داعش" واحتلاله مناطق واسعة في العراق وسوريا ثم التدخّل الأميركي ضدّه، الى مآسي وخراب أطاحت ابتداءً من العام 2013 باحتمالات التغيير والتحرّر.

Sunday, June 23, 2019

عن الاسلاميين والعسكر ومقولة وجهَي العملة الواحدة


ارتفعت بُعيد وفاة الرئيس المصري المُعتقل محمد مرسي، نتيجة ظروف حبسه منذ الانقلاب عليه من قبل الجنرال عبد الفتاح السيسي، أصواتٌ يسارية وليبرالية عربية تقارب الأمر بحياد. حجّة الأصوات المذكورة أن لا فارق بين الإسلاميين والعسكر، وأن الطرفين "وجهان لعُملة واحدة"، وأنهما يتساويان عداءً للديمقراطية، ولا حاجة بالتالي لموقف قد يبدو تأييداً لواحدهما. 
على أن الحجّة هذه، خاصة إذ تُعلَن لحظة وفاة رئيسٍ مُنتخب في أول انتخابات حرّة في تاريخ مصر، ومُعتقل منذ ست سنوات في سجون العسكر المنقلِب عليه، تثير الكثير من الأسئلة عن ثقافة الديمقراطية ذاتها وعن فلسفة حقوق الانسان ومفهوم العدالة لدى مُعتنقيها.

Monday, June 10, 2019

عبد الباسط الساروت، أو سيرة ثورة مغدورة


قد يكون عبد الباسط الساروت الرجل الأكثر تجسيداً لمسار الثورة السورية في بهائها وارتجاليّتها وفي هنّاتها وتعرّجاتها، وصولاً الى نهاياتها التراجيدية.

فحارس مرمى نادي الكرامة الحمصي ومنتخب سوريا للشباب، المولود العام 1992 في حي البياضة الذي تقطنه غالبية من الوافدين الى حمص من ريفها، ويعيش فيه كما في بابا عمرو "بدوٌ" كانوا يوماً رحّلاً قبل أن يستقرّوا في ثالث مدن سوريا حجماً، اقتحم الثورة السورية بشعبيّته وبصوته ذي البحّة الشجيّة، ليقود المظاهرات ويحلّق كنسر فوق أكتاف محبّيه ممّن كانوا يصفّقون ويهتفون لصدّه الكرات، فصاروا يهتفون له ومعه من أجل الحرّية والعدالة وإسقاط النظام. عاش سلميّة الثورة في الساحات وقاد الجموع وشكّل لفترة ثنائياً أخّاذاً مع الفنانة الراحلة فدوى سليمان، العلوية المنبت والعلمانية المسلك، بما عناه الأمر يومها من رمزية أُريدَ لها كما لبعض الأهازيج والكتابات على الجدران مكافحة الطائفية والدفاع عن الوحدة الوطنية المُتخيّلة. وينبغي القول هنا، المُتخيّلة بصدق وإخلاص أو ربما باشتهاء وخشية اكتشاف فقدانٍ فظيع.

Sunday, June 9, 2019

السودان كاستثناء في تحالفات الثورات المضادة

ثبّتت أنظمة الاستبداد العربي على مدى عقود ماضية مقولة أن بديلها الوحيد إن خفّفت وطأة عسكرها وأجهزتها على المجتمعات وسمحت بانتخابات حرّة هو الحركات الإسلامية. استخدمت المقولة هذه في الداخل، تخويفاً لأقلّيات دينية أو لهيئات مجتمع مدني ثقافية وحقوقية، واستخدمتها في الخارج، حيث استثارة الدعم والبحث عن المشروعية والحماية الفعلية تتطلّب التهديد ببديل "خطير" إن ترافق أي دعم مع طلب إصلاح أو توسيع لهوامش المشاركة السياسية.
وعمدت الأنظمة إياها على مدى عقود أيضاً الى ضرب كل تيار سياسي يرفض الابتزاز المذكور ويحاول بناء ذاته خارج معادلة العسكر والمخابرات من ناحية والإسلاميين من ناحية ثانية، أو يحاول التواصل مع بعض الأخيرين وتوسيع التحالفات المعارضة والسعي الى التفاهم معهم على قواسم سياسية مشتركة.

Sunday, May 19, 2019

باراك أوباما الأميركي، باراك أوباما الدولي والشرق أوسطي

ما زالت سنوات حكم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تثير الخلافات والسجالات، إن في ما يتعلّق يسياساته الداخلية أو في ما يتعلّق بتلك التي اعتمدها خارجياً.
فالولايتان الممتدّتان بين كانون الثاني/يناير 2009 وكانون الثاني/يناير 2017 شهدتا كمّاً من القرارات والانقسامات والإنجازات غير المسبوقة داخل الولايات المتّحدة الأميركية منذ عقود. كما أنهما عرفتا أحداثاً وصراعات واتفاقات كثيرة خارجها. ويمكن لتقييم سريع لحكم الرجل وإدارته التذكير بأبرز العناوين والقضايا التي خاض فيها، خاصة في ضوء ما تلاها من إجراءات مضادة وقرارات مغايرة اتّخذها دونالد ترامب منذ دخوله البيت الأبيض مطلع العام 2017.

Thursday, May 16, 2019

إعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان: انتهاك للقانون الدولي وإطلاق لديناميّات تصعيدية جديدة في المنطقة


ملخّص تنفيذي

وقّع رئيس الولايات المتّحدة الأميركية دونالد ترامب في 25 آذار/مارس 2019 اعترافاً رسمياً أميركياً بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة منذ العام 1967، التي سبق وأعلنت تلّ أبيب "ضمّها" العام 1981 في خطوة أدانتها واشنطن يومها وأصدرت الأمم المتّحدة قراراً بعدم شرعيّتها، ولم يقبل بها أيّ من دول العالم.

بهذا، مثّل الاعتراف الرئاسي الأميركي انتهاكاً للقانون الدولي الذي لا يُجيز تبديل الحدود بالقوة. كما مثّل طيّاً أميركياً لصفحة مفاوضات السلام السورية الإسرائيلية (المتعثّرة) التي رعتها واشنطن طيلة تسعينات القرن الماضي وقامت على مبدأ "الأرض مقابل السلام".

على أن تداعيات الاعتراف الترامبي لا تتوقّف هنا. فهو يسجّل سابقة يمكن لمن يقرّر ضمّ أراضي
دولة مجاورة بعد غزوها عسكرياً الاستناد إليها في أكثر من منطقة نزاع في العالم. وهو يأتي في توقيت أميركي وإسرائيلي وشرق أوسطي فيه العديد من عناصر الصراع أو التأسيس للصراعات المقبلة، في ظل سعي تل أبيب الحثيث لتصفية القضية الفلسطينية بالتعاون مع ترامب ضمن إطار ما يُسمّى "صفقة القرن" التي أعدّها صهر الأخير ومستشاره كوشنير ويحاول منذ فترة تسويقها عربياً. كما أنه يُعقّد الأوضاع اللبنانية لأكثر من سبب. إذ يُهدّد أوّلاً بمفاقمة الالتباسات حول وضع مزارع شبعا ومنطقة الغجر المُعدّة دولياً أراضي سورية احتُلت عند احتلال الجولان، والتي يصّر حزب الله ولبنان الرسميّ بالمقابل على اعتبارها أراضي لبنانية. وهو ثانياً يؤدّي الى استقواء إسرائيلي غير محدود هذه المرة بالموقف الأميركي يصعب ألا تكون له انعكاسات على الصدامات الإسرائيلية الإيرانية، والإسرائيلية الحزب إلهية تحديداً. 

وهذا كلّه يحدث ويؤثّر في مرحلة ما زالت ملامحها قيد الرسم والتفاوض والتعارك سورياً، بين روسيا وإيران وتركيا وأميركا، إن في ما خصّ وضع منطقتي ريف حماه وإدلب أو أوضاع المناطق الشمالية الشرقية التي تسيطر عليها راهناً القوى الكردية، أو حتى في ما يخصّ الاحتلالات وسيطرة قوى أجنبية مباشرة أو بالواسطة على معظم الأرض السورية.

Saturday, April 27, 2019

حريق نوتردام وأخلاق الرأسمالية

حجبت نيران الحريق الرهيب الذي أصاب كنيسة نوتردام وما رافقها من مشاعر حزن على معلمٍ من أشهر معالم باريس العمرانية، مرتبطٍ بأدبها وتاريخها وما انصهر فيه من عناصر ومكوّنات ثقافية متنوّعة، الكثير من القضايا الأخلاقية والسياسية المتّصلة برمزّيته من جهة، وبما تلاه من سجالات فرنسية وتبرّعات قام بها أفراد ومؤسسات يملكون شركات ورساميل ضخمة من جهة ثانية.

لاجئون وعنصرية وابتزاز


تتصاعد مع كل أزمة اقتصادية أو توتّر سياسي أو تدهور خدماتي في لبنان خطاباتُ كراهية ضد اللاجئين السوريّين، تشبه تلك التي سادت على مدى عقود، وما زالت، ضد الفلسطينيّين. ويتناوب على إطلاق الخطابات هذه مسؤولون سياسيون وإعلاميّون ورجال دين من أطياف وخلفيات حزبية مختلفة، ولو أن أكثرهم من بيئة التيار المرتبط برئيس الجمهورية ميشال عون وصهره وزير الخارجية جبران باسيل. ويبدو أن المرحلة المقبلة قد تشهد المزيد من خطابات هؤلاء وحملاتهم.

Sunday, March 17, 2019

مدرّجات كرة القدم: معابد "الآلتراس" ومواقع التعبئة السياسية

لطالما كان لمدرّجات ملاعب كرة القدم دورٌ في بناء عصبيّاتٍ بين مجموعات تنام وتصحو منتظرةً التئام شملها لمواكبة فريقها، فتعيش معه كل أسبوع لحظات الحماس والحسرة والغضب والفرح أو الكآبة، وتهتف وتغنّي وتُطرب وتنتفض أجساد أعضائها وكأنها جسد واحد عملاق متناسقةٌ حركاته ومتكاملة. 
ولطالما أتاحت المدرجّات إياها صداقات وتحالفات وعداوات ونقاشات صاخبة ينطق فيها الفرد بلسانه، ثم يحيل رأيه ومشاعره على الدوام الى جماعته، يُفتي باسمها ويُعمل تقييماً في كل شاردة وواردة، فيسأم ويشتم ويتفاخر ويتصدّى لما لا يعجبه من قرارات مدرّبين وأجهزة فنّية مُسدياً عن بُعدٍ النصح لهم أو مستنكراً خياراتهم إن لم تُسفر نتائج مُبهجة. وغالباً ما لا يتّفق الفرد هذا في نُصحه واستنكاره مع كثرٍ من أقرانِه، فلا يلتمّون إلا على التعصّب للجماعة المشتركة ولتقذيع الخصوم ولعن طرف يعتبرون صفّاراته مُجحفةً في أدقّ اللحظات: حكّام المباريات، وهم التجسيد الظرفي للسلطة. السلطة المُهابة، والسلطة المكروهة، والسلطة المشكوك سلفاً بنزاهتها، أو السلطة المفترض بدايةً ممالقتها تجنّباً لِجورها (وبطاقاتها الصفراء والحمراء)، ثم التصعيد تدريجياً ضدّها لتحذيرها من التمادي في الظلم في انتظار احتمالات انكسار الجرّة نهائياً معها والتفرّغ لحظتها لتقريعها. 

Sunday, March 3, 2019

الجزائر بعد السودان: آن للمهانة أن تنتهي

تختلف ظروف انتفاضتي الشعبين الجزائري والسوداني، تماماً كما اختلفت ظروف الثورات التونسية والمصرية والليبية والسورية واليمنية والبحرينية العام 2011 واختلفت معها مسالكها ومآلاتها.
لكن الاختلافات هذه لا تُلغي المشترك الأبرز: رفضُ سيادةِ المهانة والابتزاز.
ولعلّ ما يجدر التوقّف عنده اليوم هو هذا المشترك بالذات. فبعد ترنّح الثورات العربية أمام الثورات المضادة والتدخّلات الأجنبية وعنف الأنظمة الهمجي، مع استثناء تونسي وحيد، بدا أن مسألة التحوّل الديمقراطي الشائكة قد تلاشت في العالم العربي ومعها الدعوات إليها، وصار التخويف بالنموذج السوري تارة أو بالنموذجين الليبي واليمني تارة أُخرى الابتزاز الأكثر رواجاً للأنظمة القائمة، ما أن تواجهها احتجاجات شعبية أو مطالبات بإصلاح أو ببعض عدالة. كما أن المناخ الدولي مال أكثر من أي وقت مضى الى إيثار الاستقرار على أي تغيير خوفاً من قضايا النزوح واللجوء واضطراب الحدود. وشكّل صعود أنظمة وتيّارات ومسؤولين في العالم غير معنيّين بالديمقراطية وحقوق الإنسان (إن لم نقل معادين لها) وإمساك بعضهم بمقاليد الحكم في بلادهم رافداً لفكرة "الاستقرار" عربياً ولَو فرضاً بالسجن والإعدامات، على ما يجري في مصر السيسي، أو غضاً للنظر عن ممارسات وجرائم ضد متظاهرين وناشطين وصحافيين، كما في السعودية والبحرين وغيرهما. 

Sunday, February 10, 2019

في خلفيات الكارثة الفنزويلية ومساراتها الراهنة

تتوالى منذ مطلع هذا العام فصول الأزمة السياسية الفنزويلية، ويبدو المشهد في كاراكاس مقبلاً على تطوّرات يُخشى أن تدخل البلاد معها في صدام أهلي واسع تغذّيه أطراف خارجية. وإذا كان منشأ الأزمة هو تجديد نيكولاس مادورو لولايته الرئاسية في انتخابات قاطعتها المعارضة في أيار/مايو 2018 ولم تعترف بشرعيّتها، فإن انفجارها جاء في 23 كانون الثاني/يناير 2019، حين أعلن رئيس البرلمان خوان غوايدو المعارض لمادورو تولّيه رئاسة البلاد الانتقالية في انتظار تنظيم انتخابات عامة. وقد اعترفت واشنطن مباشرة برئاسة غوايدو، وتبعتها كندا وإسرائيل ومعظم دول أميركا الجنوبية ثم الدول الأوروبية، في حين اصطفّت روسيا والصين الى جانب مادورو، ومثلها فعلت جنوب إفريقيا وإيران وتركيا.

Wednesday, February 6, 2019

التطبيع العربي المرتبك مع نظام الأسد: ثورة مضادة وخشية من العقوبات الغربية


ملخّص تنفيذي

بعد أيام من زيارة الرئيس السوداني عمر البشير (المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب) الى نظيره السوري في دمشق في 16 ديسمبر 2018، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة إعادة فتح سفارتها في سوريا. سبق ذلك لقاء بين وزيري الخارجية السوري والبحريني في أواخر سبتمبر على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتّحدة في نيويورك، وتبعه نقاش حامٍ في لبنان في يناير 2019 حول دعوة الرئيس السوري الى القمة العربية الاقتصادية في بيروت. وانتهى الأمر بعدم توجيه الدعوة الى اجتماع لم يحضره في أي حال معظم الرؤساء والملوك العرب لأسباب عديدة، من ضمنها صراعات نفوذ إقليمي وتجنّب إحراجات دبلوماسية دولية ومقاطعة البعض لحزب الله.

على أن الحراك العربي المحدود هذا، قابلته مواقف أميركية وأوروبية أظهرت تحفّظاً عليه ومواصلة لسياسة العقوبات على المسؤولين السوريين. والأرجح أنّ في ذلك ما لجمه. فواشنطن طلبت من الرياض والقاهرة تأجيل البتّ بعودة دمشق الى الجامعة العربية، وأقرّ مجلس نوابها "قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا". والاتحاد الأوروبي أضاف أسماء سورية جديدة الى لائحة العقوبات، من بينها رجال أعمال رُوّج لهم لفترة كواجهة لمشاريع التطبيع الاقتصادي و"إعادة الإعمار". ورغم المحاولات الروسية الحثيثة لتعويم نظام الأسد إقليمياً ودولياً وطيّ صفحة البحث في توصيات المسار التفاوضي في جنيف الداعية الى "انتقال سياسي" وقرار الأمم المتحدة 2254 المؤكّد على ضرورة "الحل الشامل" وتشكيل "حكومة إنتقالية وإجراء انتخابات برعاية أممية"، ما زالت عزلة دمشق والعقوبات المتزايدة عليها عائقاً أمام الوصول الى التسويات المنشودة في موسكو.

بموازاة ذلك، تصاعد التوتّر في شمال سوريا وشرقها نتيجة تمدّد "هيئة تحرير الشام" في إدلب من جهة، ونتيجة السجالات والتهديدات والحشود العسكرية التي تلت إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من المنطقة من جهة ثانية. كما استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد القواعد الإيرانية في جنوب سوريا ووسطها، وقصفت على دفعات مجموعة مواقع في محيط العاصمة دمشق وداخل مطارها الدولي، وبدا الأمر منسّقاً مع الروس والأميركيين على حدّ سواء.

تظهر هذه التطوّرات أن سوريا مقبلة مرّة جديدة على مرحلة صراعات وتجاذبات ما زالت معالمها طور التبلور، ويصعب التكهّن بكامل تداعياتها، خاصة أن التفاوض عليها قد تؤثّر عليه إجراءات قانونية إضافية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية خاصة بالجرائم المرتكبة وبالمسؤولين من نظام الأسد عنها.

Sunday, January 20, 2019

في صعوبة التعامل مع ظاهرة "السترات الصفراء" في فرنسا

نظّمت حركة "السترات الصفراء" يوم الاحتجاج العاشر لها هذا الأسبوع في فرنسا. وبدا أن قدرتها على التعبئة في الشارع بعد أكثر من شهرين على انطلاقها لم تتراجع كثيراً، رغم التراجع النسبي لحجم التأييد الشعبي لها بسبب عنف بعض المشاركين في مظاهراتها من ناحية، وبسبب الخسائر المالية للمؤسسات التجارية في أكثر من مدينة نتيجة الاقفال الاضطراري من ناحية ثانية.
النص التالي عرضٌ لبعض خصائص هذه الحركة وقراءة لما تُثيره من أسئلة حول العدالة الاجتماعية وحول أزمة الديمقراطية التمثيلية ومؤسّساتها في فرنسا، وفي أوروبا عامة.

Sunday, January 6, 2019

يمين متطرّف يجمع معاداة السامية وكراهية المسلمين بتأييد إسرائيل والأسد

كتب جدعون ليفي مقالاً في صحيفة هآرتس في نوفمبر 2016 قال فيه إن أبرز أصدقاء إسرائيل في الغرب صاروا من "العنصريّين واليمينيين المتطرّفين"، وإنهم في ذلك يقدّمون صورة عمّا صارته إسرائيل نفسها. ويمكن لتجسيد ما قاله ليفي تقديم أمثلة كثيرة ازداد عددها وانتشارها منذ نشره مقاله قبل عامين.
فمن البرازيل الى هنغاريا، ومن إيطاليا الى هولندا، ومن الولايات المتحدة الأميركية الى النمسا، تبدو القواسم المشتركة الأبرز بين داعمي إسرائيل اليوم، حكوماتٍ رسمية أو شخصيات وأحزاباً صاعدة من أقصى اليمين، نزعاتهم الفاشية ومغالاتهم القومية وكراهيتهم للكثير من قِيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان. ولا يحول عداء قسم كبير منهم للسامية دون دعمهم لإسرائيل وسياساتها، طالما أن ضحاياها هم من "العرب والمسلمين" الشبيهين بأكثر المهاجرين واللاجئين والموسومين بالإرهاب عندهم (في الدول الأوروبية والولايات المتّحدة)، أو طالما أن أنصار الضحايا الفلسطينيين هم خصومهم اليساريّين (في البرازيل).