Saturday, September 9, 2017

رَجُل الرقّة

تُطاردني نظرة هذا الرجل منذ ثلاثة أيام. أجدني رغم محاولاتي نسيانها، أبحث عنها باستمرار. لم أعرف قبل البارحة أن صاحبها قضى بعد دقائق من تصويره. أنه من أولئك المنسيّين على ضفاف الفرات، في مدينة الرقّة السورية، حيث يتدفّق الموت على الناس من كل صوب فيتحوّلون كما بيوتهم الى أشلاء...

ينظر الرجل إلينا بذهول، بحزن، بأسى، بِعتب، أو ربما بلا مبالاة. وجهه حطام قياميّ. محفورة الأهوال فيه. يُشبه ما كان يُمكن أن نتخيّله من وجوه التراجيديا الإغريقية، أو بالأحرى لا يُشبه شيئاً نعرفه أو نتخيّله. فكيف لنا أن نفهم نظرة رجل حطّمه قصفٌ وقرّبه من حتفه، يرى عدسة الكاميرا مسلّطةً على أنقاضه فيرسل لنا عبرها آخر رمق تبقّى له! هل كان يدري أنه سينطفئ بعد ذلك بدقائق؟ هل كان يريد ترك نظرة تشهد على ما تعرّض له؟ هل أرادنا أن نؤوّل ما قالته عيناه في تلك الثانية، أم أننا نفعل ذلك لنُبرّر لأنفسنا التمعّن في صورته وتداولها والكتابة عنها وعنه وعن عجزنا وقهرنا؟

رجل الرقّة هذا يبقى رغم تجسيده المأساة السورية في وجهه ونظرته رجلاً فرداً حطّمه قصف مرعِب. كانت له حياة ومهنة وأحلام وأخطاء ومشاريع غير مكتملة. كانت له أوراق في دِرج ما. أسرار حفظتها جدران وشوارع. وكانت له صوَر أُخرى، لِوحده أو مع أهله وصحبه. رجل الرقة هذا كان له اسمٌ، عبيد الكعكه جي، اختفى خلف عينيه، وصار مُلكاً لذاكرة عامة، مشتركة بين من شهد موته وبين من رأى مرآةً لِبعض وجعه في نظرته الغامضة الأخيرة...

ز.م.


Thursday, August 24, 2017

نحو "تصفية تقنيّة" روسية - أميركية للقضية السورية

 ورقة حول آخر التطوّرات السورية (يوليو - أغسطس 2017)، منشورة في "مركز الجزيرة للدراسات".


ملخّص تنفيذي

أبرم البيت الأبيض تفاهماً مبدئياً مع موسكو، تُفوّض واشنطن بموجبه روسيا بإدارة "النزاع السوري" وتنسيق الجهود لحلّه وفق أولويّتين: "الحرب على الإرهاب" و"تخفيض مستوى العنف بين النظام والمعارضة". وقد أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره فلاديمير بوتين خلال لقائهما في قمّة العشرين في ألمانيا في يوليو الفائت بموجِبات هذا التفويض.

ويمكن القول إن الجديد في التفاهم المذكور يتمحور حول القبول الصريح بإبقاء الأسد لفترة تقرّرها موسكو، والتركيز على المعارك شمال شرق وشرق سوريا ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" وتجميد القتال في الجنوب السوري كما في وسط البلاد، وتأجيل البتّ في وضع الشمال بانتظار ما قد تؤول إليه التطوّرات هناك.

وهذا إن تمّ، يعني أن الإدارة الروسية للمسألة السورية ستُنهي الدور السياسي للأمم المتّحدة وما ترتّب عن لقاءات جنيف من قرارات، لا سيّما في ما خصّ انتقال السلطة في دمشق.

بذلك، تتحوّل القضية السورية الى قضية تقنية لا بحث جدّياً في مساراتها السياسية، ويتكرّس تقاسم نفوذٍ روسي أميركي في جغرافيّتها، تبدو إيران براغماتية تجاهه مع تمسّكها بالسيطرة على حدود سوريا مع العراق ولبنان، فيما تسعى تركيا الى عرقلة استتباب سيطرة القوى الكردية على حدودها. أما الأردن المُهيّأ للعب دور رئيسي جنوباً، فينتظر كما الصين وأوروبا ومعظم الدول العربية، استتباب الأمور على توازن واضحٍ ليتعامل مع الأوضاع الجديدة.

Tuesday, August 1, 2017

المُعلّم فنسانت فان غوغ

في أحد نصوصه الثاقبة حول فان غوغ، يُشير الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز الى أن ما يجذبنا استثنائياً في لوحات هذا الرسّام هو مجموع الخطوط والفواصل والحركات الحرّة، العفوية، المفاجئة، واللاإرادية التي ينبثق منها عالمه الفنّي. عالمٌ تتعدّد فيه المستويات والأبعاد، وتتحرّر العناصرُ المُشكِّلة لكلّ مشهد من الحدود الفاصلة بينها. هكذا، يصبح الحدّ بين يدٍ وطاولة مثلاً، أو بين جسمٍ وخلفيّة، أو بين أرضٍ وسماء، واهياً، تنساب الحركة عبره فتوحّد عناصرَ المشهدِ جميعِها من دون أن تُفضي بها الى التماهي الكامل.

Thursday, January 19, 2017

المسألة السورية بعد حلب

نُشرت هذه الورقة التي تمّ إعدادها في 11 كانون الثاني/يناير 2017 في "مركز الجزيرة للدراسات"، وهي محاولة لقراءة الوقائع والتطوّرات الميدانية والسياسية في سوريا وفي سياق الصراع الإقليمي والدوليّ عليها.


ملخّص تنفيذي

إنتهت في أواخر العام 2016 حقبة من حقبات الصراع في سوريا وعليها. فالتدخّل العسكري الروسي الذي انطلق في 30 سبتمبر 2015 والتعبئة الإيرانية المتعاظمة للمقاتلين الشيعة اللبنانيين والعراقيين والأفغان أثمرت في ديسمبر 2016 اجتياحاً للأحياء الشرقية لمدينة حلب، بعد أن كان الحصار والقصف وغياب الإمداد على مدى سنوات قد خنق جيوب المقاومة العسكرية في أكثر من مدينة وبلدة في محيط العاصمة دمشق، وأنهى تواجد "المعارضة المسلّحة" فيها.
بذلك، أصبحت المدن السورية المتوسّطة والكبرى في جنوب البلاد (باستثناء درعا) وفي وسطها وغربها وشمالها الغربي (باستثناء إدلب) تحت سيطرة النظام وداعميه، وينحصر حضور المعارضة في مناطق ريفية أو في مدن صغرى. ويبقى الشرق السوري ومدينتاه الفراتيّتان الرقة ودير الزور تحت سيطرة "تنظيم الدولة الإسلامية" (الذي تقدّم أيضاً في البادية نحو مدينة تدمر)، في حين تستمر سيطرة الميليشيات الكردية على ثلاث مناطق شمالية وشمالية شرقية، وتتوسّع بينها وعلى حساب مدنٍ صغرى وبلدات عدّة كان يحتلّها "تنظيم الدولة" منطقةٌ جديدة تنتشر فيها المعارضة بدعم تركيّ مباشر.

سياسياً، تبرز ديناميّات مستجدّة مرتبطة بالتنسيق الروسي التركي الداعي الى مؤتمر تفاوض في آستانة في 23 يناير الجاري. ويترافق التنسيق هذا مع تراجعٍ كبير في الحضور الأميركي عشية مغادرة أوباما للبيت الأبيض، واستمرارٍ في العجز الأوروبي والعربي. وتبدو الأمور متّجهةً الى مزيج من التباحث بين موسكو وأنقرة وطهران على تصوّرات لتجميد الأوضاع العسكرية بين المعارضة والنظام وحلفائه في الشمال مؤقّتاً وعزل "جبهة فتح الشام" فيه من جهة، والتصادم الميداني بين المعارضة وحلفاء النظام في محيط العاصمة دمشق (الذي يتقدّم الدور الإيراني والحزب إلهي في محاوره على الدور الروسي) من جهة ثانية. كل ذلك في انتظار دخول دونالد ترامب الى البيت الأبيض واتّضاح بعض معالم سياسته تجاه سوريا، حيث التوفيق بين تقرّبه المحتمل من روسيا وعدائه المرجّح لإيران لن يكون سهلاً عليه وعلى الإيرانيّين بخاصة.

في خضمّ هذه التطوّرات في الميدان وما يرافقها وينجم عنها من ديناميّات سياسية، تبدو المعارضة السورية بمختلف أجسامها وهياكلها مُستضعفةً ومتروكةً لتوازن القوى المتبدّل. والأكثر دلالةً على التراجع العربي الخليجي والتركي والغربي في دعمها، ولَو على نحوٍ مُقنّن كما كان الأمر في السنوات الماضية، هو استمرار إقفال الحدود الأردنية منذ مايو 2016 بما جمّد جبهات الجنوب وأراح النظام فيها، وإقفال القسم الأكبر من الحدود التركية منذ أواسط الصيف المنصرم، بما يسّر على الروس والإيرانيّين معركة شرق حلب. وفاقمت الانقسامات بين القوى المعارِضة المقاتلة من الوهنَ الذي أصابها بعد بدء التدخّل العسكري الروسي، وساهم ذلك في الخسارات الكبيرة التي مُنيت بها في الأشهر الأخيرة.

على هذا، تبدو خيارات المعارضين في الحقبة المقبلة من الصراع محدودة، وقد يكون الأهمّ لبعضهم، لا سيّما الناشطين خارج البلاد، التركيز على قضيّتَي المساءلة القانونية لجرائم الحرب المُرتكبة والحقّ في مقاومة الاحتلالات الأجنبية، والعمل على بلورة خطاب جديد يُبقي "المسألة السورية" حاضرة في المحافل الإعلامية والحقوقية والسياسية الدولية.