لم يأخذ كتاب إيال وايزمانUngrounding: The Architecture of Genocide الصادر قبل ثلاثة أشهر حقّه بعد من المراجعات، رغم أهميّته الاستثنائية. فالكتاب، الذي يمكن ترجمة عنوانه على نحو "الاقتلاع، أو نزع الصلة بالأرض: هندسة الإبادة الجماعية"، يشرح انطلاقاً من المعطيات والوثائق البصرية المتوفّرة استراتيجيات إسرائيل في غزة وفلسفة عنفها.
ووايزمان، مؤسّس أحد أفضل مواقع دراسة الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان -Forensic Architecture - الذي يحلّل صور الأقمار الصناعية والخرائط والأدلّة الرقمية والظلال ومسارات المقذوفات، هو مهندس بريطاني إسرائيلي يدرّس في جامعة غولدسميث في لندن. وهو كرّس السنوات الثلاث الماضية لدراسة جرائم إسرائيل في فلسطين وتوثيقها، ضمن منهجية تركّز على الإبادة بوصفها استهدافاً لشروط عيش الناس المستديمة، وليس لهم فقط كأفراد.
تغيير الملامح
يعود الكاتب في مطلع بحثه الى تاريخ تشكّل قطاع غزة بعد النكبة العام 1948، وإلى حدث ترسيم الخط الفاصل، العام 1950، بين القطاع والأراضي المحيطة به، التي أصبحت تحت سيطرة الدولة الإسرائيلية الناشئة. يومها شقّت جرّافة من طراز "كاتربيلر" خطاً عبر الحقول والبساتين، فوجد الغزّيون أنفسهم مفصولين عن أراضيهم السابقة، فيما دُمّرت القرى المفرغة من سكانها الواقعة خلف الخط الجديد، وغُطيت آثارها تدريجياً بالزراعات والأشجار وبعدد من المستوطنات لإزالة أثر الوجود الفلسطيني فيها.
ويربط
وايزمان ما جرى في تلك المرحلة بما يحدث اليوم، من دون أن يساوي بين خصائص
المرحلتين. ما يستمر، في نظره، هو اقتران التهجير بإعادة صياغة المكان نفسه على
نحو يجعل العودة إليه أكثر صعوبة. فإبعاد السكان لا يكتمل ما دامت البيوت والحقول
والطرقات والقرى قائمة أو حتى مخلّفة لآثار قابلة للتعرّف والاستعادة. لذلك يصبح
تغيير وجه الأرض ومحو معالمها جزءاً أساسياً من عملية اقتلاع الناس.
وهذا ما يحصل تكراراً منذ تشرين الأول 2023، بحيث يتحوّل المشهد الغزاوي الى مشهد خراب معمّم ومنقولة أحياناً بقاياه من موضع الى آخر لِيُفقد المهجّرين الناجين من القصف القدرة على التعرّف على مدنهم وأحيائهم وما كان يربطهم بها وبتفاصيلها العمرانية.
إبادة ظروف الحياة
تنصّ النقطة
الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية للعام 1948 على حظر كل عمل
"يمكن أن يتسبّب بالتدمير المادي لجماعة ما". وهذه النقطة بالتحديد هي
أكثر ما تنتهكه إسرائيل بأشنع الأعمال الممكنة: قصف المستشفيات والمدارس والجامعات،
وتحطيم البنية التحتية، وتلويث المياه والآبار، والهجمات على المساكن ودور العبادة،
بما يهدّد شروط بقاء المجتمع الفلسطيني وإعادة إنتاج حياته.
وتندرج الحرب الإسرائيلية على المأكل والغذاء عامةً ضمن نفس الاستراتيجية. فحرق الحقول والبساتين وقصف قوارب الصيد، بالتوازي مع عرقلة دخول المساعدات أو استهدافها، يشكّل منظومة مترابطة، وهو ما يصفه وايزمان بـ"هندسة المجاعة الإبادية".
على أن الإبادة لم تبقَ في غزة على هذا المستوى فقط. فثمة في تحليل الكاتب لمسألة الأنفاق وما ترمز إليه شأن ندر النقاش حوله في كل ما كُتب حتى الآن عن الموضوع. فالأنفاق، بحسبه، لم تكن مرّة مجرّد منشآت عسكرية مرتبطة بالفصائل الفلسطينية المسلحة، بل كانت على الدوام جزءاً من تاريخ الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر القائم رسمياً منذ العام 2007. فمع تضييق حرّية الحركة على السطح، أتاح الحفر انتقال الأفراد والسلع والمواد التجارية الى "باطن الأرض"، قبل أن تتوسع هذه الشبكات ويصبح استخدامها عسكرياً مضبوطاً من قبل حركة حماس. وتدمير الأنفاق هو بالتالي "نكبة تحت الأرض" بِعرف وازيمان، لأنها تستهدف ما بناه الفلسطينيون تحت أرضهم بعد أن تعذّرت حياتهم "الطبيعية" ونُكبوا فوق سطحها.
من التحقيق بالجرائم الى إعادة العلاقة بالأرض
لا يختلف عمل زملاء وايزمان وزميلاته في موقع Forensic Architecture عن عمله في كتابه. فتحقيقاتهم حول جرائم إسرائيل (ومن ضمنها تحقيقهم المعروف حول قتل الطفلة هند رجب) تهدف الى تشريح الإبادة كفعل مستمر يتشكّل من آلاف الوقائع والممارسات. وتزداد مهمة التحقيقات هذه صعوبة كلما مُحيت معالم الأمكنة. لأن تحديد موقع صورة أو مقطع مصوّر يتطلب غالباً تبيان واجهة مبنى أو مئذنة أو علامة محل تجاري أو إسم شارع ظاهر في زاوية ما، أو تقاطعاً أو خط أفقٍ يمكن مقارنته بصور أخرى. وحين تختفي هذه العلامات، ويُنقل حطامها من مكان الى آخر، لا يُمحى الماضي وحده، بل تُمحى أيضاً الأدوات التي تسمح بإثبات "كيفية محوه".
من هنا تتكرّر في الكتاب فكرة "البحث عن الأثر"، أي البحث عما يبقى من صورة أو مقبرة أو جزء من بناء، لأن هذه البقايا قد تصبح ما يسميه وايزمان "مرتكزات العودة". وهي مرتكزات يمكن أن تشكّل الردّ على الاقتلاع - Ungrounding - من خلال إعادة تأسيس العلاقة بالمكان - Re-Grounding. وهذا لا يتمّ من دون إعمار يحافظ على ذاكرة الأرض ويربطها بالناس وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية وصلاتهم بزرعهم وبحرهم وغيرها من مواضع العيش الحيوية.
كتاب إيال
وايزمان هو من أفضل المساهمات في حقل دراسات الإبادة، إذ فيه جديد معرفي وتحليلي
اتّخذ من غزة نموذجه الدراسي، مبيّناً تخطّي إسرائيل في حربها كل وحشية ورغبة
أذيّة شهدها العالم منذ جرائم النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
مقال منشور في ميغافون في 21 أغسطس 2026
