تشكّل سيرة المصرفي أنطون صحناوي، التي أفردت لها صحيفة "لوريان لوجور" البيروتية مؤخّراً خمس حلقات استقصائية مليئة بالمعلومات (وسبق لموقعَي "ميغافون" و"درج" أن تناولا بعضها قبل مدّة)، نموذجاً استثنائياً لعلاقة الثروة بالفساد، والطموح السياسي بالانبهار بالتوحّش.
فصحناوي ثريّ بالولادة، لا تُظهر سنوات صباه وشبابه فائضاً في الجهد الدراسي أو المهني. وتبوّأ باكراً مناصب في القطاع المصرفي بلا عناء.
ولعل التبوّؤ السهل والسريع هو ما أغرى الرجل للدخول في سلسلة علاقات سياسية وإعلامية مكّنته من بناء شبكة معارف تُضاف الى معارفه في وسط الأعمال والاستثمار. وفي بلد الهندسات المالية والفساد والأرباح غير المشروعة والمديونية وتهريب الثروات، ساهم صحناوي مع معظم "زملائه" في جمعية المصارف، ومع حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، ومع العديد من المسؤولين السياسيين والإعلاميين المبيّضين لهم على مدى سنوات، في التسبّبب بالكارثة التي أصابت ملايين اللبنانيين، من مودعين وعائلاتهم، حُرموا من أموالهم وتدهورت أحوالهم على نحوٍ مهين وإجرامي.
ولا شيء يفسّر صمت القوى السياسة الطائفية الكبرى، بما فيها حزب الله، على صحناوي وأضرابه "البنكرجيّين"، سوى معرفتها بأنهم يملكون كنوزاً من المعلومات عن حساباتها وصفقاتها وحوالاتها.
الصهيوني منذ الصغر
على أن صحناوي لم يكتفِ بالثروة التي وفّرتها له العائلة ولا بترؤّسّه أحد أكبر المصارف اللبنانية ("سوسييتي جنرال")، ولا حتى بعلاقاته السياسية في بلدٍ اضطر للفرار منه لفترة بعد إطلاق مرافقيه النار على خصمٍ له وإصابتهم عدّة أشخاص بجروح في نادٍ ليلي. فقد سعى الى مدّ نفوذه المالي خارج لبنان عبر شركات وبنوك في الأردن وفرنسا (وموناكو) تملّكها أو ترأس مجالس إدارتها. والأهم أنه عاد لاحقاً ليؤسّس في بيروت وسائل إعلام إلكتروني باللغات الفرنسية والإنكليزية والعربية، وعمّق علاقاته مع صحافيين وسينمائيين وديبلوماسيين، أوصله عدد منهم الى سياسيين فرنسيين والى ممثّلين، واحدتهم شريكة رئيس الجمهورية الفرنسية الأسبق فرانسوا هولاند.
بموازاة ذلك، عمل أنطون صحناوي على إقامة صلات سياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وروّج لنفسه بوصفه لبنانياً مسيحياً صهيونياً، تربّى على حبّ إسرائيل، منذ صداقة والده بمجرم الحرب أرييل شارون خلال اجتياح الأخير للبنان العام 1982، وصولاً الى تأييده اليوم لحكومة بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة الجرائم ضد الانسانية، بوصفها "منطلق الخلاص للمنطقة بأسرها". وهذا ما كرّرته شريكته مورغان أروتاغوس، مبعوثة دونالد ترامب السابقة الى لبنان، خلال مشاركتهما بحفلٍ تبرّعَ خلاله صحناوي لمتحف الهولوكوست، بعد أن تبرّع في وقت سابق لأوبرا إسرائيلية.
الفساد والتطبيع مع الجريمة
تجمع سيرة صحناوي إذاً وراثة الثراء ببناء شبكات النفوذ والعلاقات المنفعية، وصولاً الى التأثير الإعلامي عبر وسائل مملوكة أو صحافيين وضيوفٍ دائمين على منصّاتهم. وتجمع السيرة أيضاً الارتباط بأحداث جنائية وبتهمة تمويل ميليشيا تكفيرية (جنود الرب)؛ والأخطر، الارتباط بانتهاكات وممارسات قامت بها المصارف الخاصة والمصرف المركزي، بما أضاع عشرات مليارات الدولارات على المودعين، مقابل استفادة منفّذيها وأصدقائهم بمليارات هُرّبت الى حسابات خارج لبنان. رغم كل ذلك، تُشير "لوريان لوجور" الى علاقات صحناوي الراهنة ببعض المحيطين برئيس الجمهورية وبحاكم المصرف المركزي الجديد، وبسفيرة لبنان في واشنطن، المكلّفة بالتفاوض مع إسرائيل، علماً أنها معدومة الخبرة السياسية، ولم تتدرّج أصلاً في الديبلوماسية قبل تعيينها في أهمّ موقع لبناني في واشنطن.
وفي 27 تموز/يوليو الفائت، تعمّد
صحناوي تسريب صورة من عشاء أقامه بحضور بنيامين نتنياهو وعدد من المشاركين في مأتم
السيناتور الأميركي الداعم للإبادة في غزة وللتدمير والاحتلال في لبنان، ليندسي
غراهام. والحقّ أن تواصله بنتنياهو، كما تواصل والده بشارون، في مرحلتين كان
الإسرائيليون يرتكبون خلالهما المجازر بحقّ اللبنانيين والفلسطينيين، لا يفاجئ في
شيء. فثمّة ما يبهر المفتونون بالقوة والسطوة والحصانة رغم الجرائم بدولة إسرائيل.
يجدون فيها التفوّق والعنصرية واحتقار المبادئ والقوانين والقدرة على الاستفادة من
حماية القوى العظمى وابتزاز كلّ من ينتقدها.
المفاجئ بعد نشر الصورة كان سكوت المسؤولين السياسيين اللبنانيين تجاه مجاهرة ثريّ لبناني بعلاقاته الإسرائيلية وتبرّعه لمؤسسات ثقافية صهيونية، ولقائه رئيسَ حكومة دولةٍ لم يفضِ التفاوض معها بعد الى وقف جدّي للنار، وما زالت قانونياً تُعتبر عدواً، وهي تواصل تدمير ما تبقّى من بنت جبيل والخيام وعيترون وحولا والعديسة والمنصوري وزوطر الشرقية وكفرتبنيت ومجدل زون ويارون وحدّاثا وغيرها من بلدات جنوبية، وحرق بساتينها وزيتونها، ويؤكّد وزير دفاعها أن جيشه سيبقى محتلاً لقسم من لبنان وسيواصل تفجير المنشآت والمنازل فيه.
لكنّ التمعّن في المفاجأة يبدّدها. فمن يراهن حصرياً على دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو في المفاوضات مع تل أبيب من جهة، ويقبل بالتنازل (ولَو مؤقتاً) عن الحق في مقاضاة إسرائيل على جرائمها، بما فيها الإبادة العمرانية لقسم من جنوب لبنان من جهة ثانية، يصعب سماعه معلّقاً على تعامل مواطن لبنانيٍ مع الاسرائيليين، ولقائه برئيس حكومتهم. فكيف إذا كان هذا المواطن مصرفياً "كبيراً" ومموّل وسائل إعلام ومالكاً لأسرار العديد من قادة القوى السياسية وأخبار أموالهم؟
أكثر من ذلك، ينبغي القول إن مواقف بعض داعمي التطبيع و"السلام" وإسقاط القانون الدولي واتفاقياته، وزراء ونوّاباً وإعلاميين وكتاباً لبنانيين، لم تعد تختلف كثيراً عن مواقف صحناوي من العلاقة بإسرائيل، رغم انتقادات البعض منهم له انطلاقاً من مسؤولياته المصرفية، ومن قضايا الفساد التي تحوم حوله. وهم في ذلك شبيهين بانتقائية شتّامي الرجل، ممّن صمتوا عن أدواره المالية والإعلامية وشبكاته المحلّية والدولية، واكتفوا بإثارة صورة عشائه الأخير.
لحسن الحظّ أن هؤلاء في المقلبَين لم يعودوا قادرين على فرض روايتيهما للأمور
ولا على اعتبار الناس فسطاطين، لا خيارات تخرج عن إجماعاتهما المُجترّة نفسها بين ممانعةٍ
وممانعةٍ معكوسة، والفقيرة في الحالتين ثقافياً وقيمياً.
زياد ماجد
مقال منشور في ملحق القدس العربي
