Sunday, September 27, 2026

الهشاشة الحربية والهشاشة الاقتصادية

تتكرّس منذ بدء حرب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية الواسعة على إيران في أواخر شباط/فبراير 2026 معادلةٌ مفادها مواجهة طهران للتفوّق العسكري والتكنولوجي لعدوّيها برفع كلفة الحرب عليهما، وإيذاء حلفاء واشنطن العرب في المنطقة وإظهار تهافت نظم الحماية التي ابتاعوها منها، ثم التأثير في الاقتصاد العالمي لرفع أسعار الطاقة – وبواسطتها كلّ الأسعار – للضغط لوقف الحرب والتفاوض على تسوية مقبولة.

فشل الحرب الخاطفة

لم تنجح واشنطن وتل أبيب في تحقيق انتصار سريع يُخضع إيران لمشيئتهما، مسقطاً نظامها أو دافعاً المجتمع الإيراني المقموع والمُفقر للثورة عليه. ولم ينجح كل الترويج الإسرائيلي لابن شاه إيران المخلوع في فرض واقع بديل ضاغط على الايرانيين، رغم قتل المرشد الأعلى وعشرات من المسؤولين السياسيين والعسكريين والإداريين وقادة الحرس الثوري في بضعة أيام. والسبب ليس ضعف شعبية الملكية وعائلتها ولا اتّساع القاعدة الاجتماعية للنظام، بقدر ما هو تنظيم آلة هذا الأخير وتحوّلها الى جسم لا مركزي خلال القصف، بحيث يحمي كل طرف منطقته ويتعامل مع التهديدات الداخلية والخارجية فيها بوصفها وجودية. وهذا ما أدّى الى عملّيات اعتقال وإعدام لمعارضين في الداخل بتهم العمالة (لإظهار عدم تراجع قدرة النظام على القمع)، والى استمرار يومي في إطلاق الصواريخ والمسيّرات على أهداف كانت إحداثيّات معظمها مُحدّدة قبل الهجمات الأمريكية والاسرائيلية وجرى تفعيل أجهزة أطلاقها بمجرّد بدء الغارات على طهران.

بموازاة ذلك، سعى النظام الإيراني الى توسيع النطاق الجغرافي للحرب وتوظيف ما نجا من قدرات حزب الله بعد "إسناد غزة" في جبهة  لبنانية مباشرة مع إسرائيل. لكنّه فشل في الإشغال الناري هناك نتيجة التفوّق الجوّي الإسرائيلي الكاسح الذي أدّى الى تدمير بلدات جنوبية وأحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت. واجتاح الإسرائيليون أرضاً لبنانية محروقة واحتلّوا أكثر من 600 كيلومتر مربّع منها أعملوا في ما تبقّى من عمرانها تفجيراً وتجريفاً.

على أن نجاح الإيرانيين في توسيع الرقعة الحربية جاء من موضع آخر. جاء تحديداً من مضيق هرمز الذي أقفلوه بوجه الملاحة الدولية وجبهة الخليج التي فتحوها قاصفين قواعد أميركية ومرافق حيوية في الكويت والبحرين والسعودية وقطر والإمارات، مع بعض الرمايات المتفرّقة على سلطنة عُمان. فعبر إقفال المضيق وقصف الدول المجاورة، رفعت إيران كلفة الصراع على الولايات المتحدة وحلفائها العرب، واستنزفت مخزوناً هائلاً من ذخائر أنظمة الدفاع الجوي الباهظة الثمن التي اشترتها دول الخليج من الأميركيين. كما استنزفت عبر قصف مركّز على إسرائيل ومتقطّع على ميناء العقبة في الأردن، جزءاً كبيراً من مخزون إسرائيل والقوات الغربية المتمركزة في المملكة الهاشمية منذ "الحرب على داعش". ودفع الأمر بالأمريكيين الى نقل قسم من ذخائرهم من كوريا الجنوبية الى الخليج لحماية قواعدهم وبوارجهم الحربية، على نحوٍ عدّه خبراء عسكريون خطأ استراتيجياً في مواجهة تهديدات كوريا الشمالية والصين.

ورغم استمرار الضربات الأميركية والإسرائيلية المؤذية، فإن عامل الوقت صبّ لصالح النظام في طهران، الذي بدا أنه غير مهدّد بالسقوط لا من الخارج ولا من الداخل. وجاء وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل ثم اتفاق الهدنة في حزيران/يونيو بالشروط التي وُقّع فيها ليؤكّد نجاته وفشل الحملة عليه، وتبدّل الأولويات الأمريكية وتركيزها على فتح مضيق هرمز (الذي كان مفتوحاً قبل الحرب)! وجرى بعد ذلك بأيام إعلان وقف إطلاق النار في لبنان أيضاً. تبعه تفاوض إسرائيلي لبناني برعاية أمريكية فصل بين المسار الإيراني ومسار الحُكم في بيروت، من دون أن يُفضي تبديلاً في جنوب البلاد حيث واصلت إسرائيل الاحتلال وعمليات القتل والتدمير، ولَو بوتيرة أقلّ، وواصل حزب الله رفض قرارات الحُكم اللبناني ومفاوضاته، رغم مشاركته في سلطتيه التنفيذية والتشريعية.

الهدنة غير المرغوبة

لكن الهدنة لم تطُل بين واشنطن وطهران. فقد خرقها الطرفان في شهر تموز/يوليو. إيران لعدم حصولها على مبالغ كان يفترض صرفها لها ولاعتبار حرسها الثوري أن حالة الـ"لا حرب واللا سلم" أخطر عليه من الصراع المباشر. وواشنطن لأنها ظنّت أن خنق النظام الإيراني اقتصادياً سيلزمه على تفاوض نهائي ينتزع منه ورقة مضيق هرمز. هكذا عاد التصعيد ولو متقطّعاً. وفي مقابل انفراد واشنطن بالقصف من دون مشاركة إسرائيلية، لم تقصف طهران هذه المرّة سوى دول الخليج والأردن محيّدةً إسرائيل، ومعيدة إقفال هرمز رغم تفاوضها مع سلطنة عُمان على حلّ ثنائي لشؤونه لم يرض عنه الأميركيون. ولتشديد الضغط على إدارة ترامب قبل الانتخابات التشريعية النصفية في الولايات المتّحدة، فتحت إيران عبر حلفائها الحوثيين جبهة باب المندب، مهدّدة بإقفال المضيق الرابط تجارة المحيط الهندي بالبحر الأحمر ومنه بالمتوسط عبر قناة السويس ثم بالمحيط الأطلسي. كما فتحت نيراناً إضافية على السعودية، عبر تبادل القصف بين الحوثيين والمملكة، وعبر هجمات من مسيّرات حلفاء طهران العراقيين، للتضييق أكثر على اقتصاد الرياض وعلى قدرتها على تصدير النفط من البحر الأحمر بعد تعذّره من هرمز. ويصعب الجزم في مدى نجاح الإيرانيين في استراتيجيّتهم هذه المرة. فرغم مسارعة واشنطن لمفاوضة الحوثيين في مسقط، ورغم ارتفاع جديد لأسعار النفط والطاقة، وهو ما سيرفع بدوره أسعار الكثير من السلع، فإن احتمال تدخّل تركيا وباكستان ضد الحوثيين حمايةً للسعودية بعد اتفاق مكّة الثلاثي في آب/أغسطس الفائت قائم، وقد يعقّد المشهد ويدفع طهران وجماعة الحوثي لإعادة التفكير في جدوى الاستمرار في التصعيد، خاصة أن حرباً أهلية موازية عادت واشتعلت في اليمن، ويمكن أن تتوسّع وتصبح عبئاً على الجميع.

سيناريوهان مرجّحان

لا يبدو المشهد الحالي المعلّق على المراوحة بين التصعيد والتهدئة ممكناً لفترة طويلة، بعد أن تبيّن أن لا النظام الإيراني سينهار، ولا واشنطن ستقبل بشروط إيرانية لا تترك مجالاً لاحتفال ترامب بما يعدّه "انتصاراً"، يلي هزلية إعلاناته السابقة. وهذا يعني أن احتمالات الانفجار الواسع تزداد، ومثلها الجهود الديبلوماسية الباكستانية والقطرية الهادفة الى الوصول الى اتفاق سياسي وتقني نهائي.

ونحن اليوم على الأرجح في آخر أسابيع الوضع الحالي، ونقترب من التصعيد الكبير أو من الاتفاق وحلوله الوسطى. وإذ يصعب التكهّن بفرص كل أمر أو بالاحتمالات التي سيدفعنا إليها كلّ سيناريو، يسهل في المقابل الجزم بهويّة الخاسرين في جميع الحالات. ذلك أن الوهن الذي ظهرت به دول الخليج رغم كل الانفاق العسكري والاتكال على الولايات المتحدة لحمايتها سيدفعها حتماً للبحث بسياساتها الإقليمية وبتحالفاتها ورهاناتها المستقبلية. الأمر نفسه ينطبق على لبنان، الذي تعرّض جنوبه لإبادة عمرانية إسرائيلية، وما زال أطرافه يكابرون ادّعاءً لمقاومة وانتصارات وتمسّكاً بسلاح أثبتت الحرب فشل قدرته الرادعة، أو رهاناً بائساً على دونالد ترامب وعلى قبول إسرائيل "بمَونته" عليها لوقف جرائمها والانسحاب.

هكذا تدخل المنطقة والعالم خريفاً مضطرباً، بعد أن كشف الصيف هشاشة غالبية الأطراف المحليين والإقليميين والدوليين في صراعاتها. هشاشة عسكرية عند البعض، وهشاشة منظومات دفاع وأمن عند البعض الآخر، وهشاشة اقتصاد عالمي لا يحتمل تأخّر وصول البواخر وتدفّق براميل النفط "الشرق أوسطية" الى أسواقه...

زياد ماجد

مقال منشور في ملحق القدس العربي