Tuesday, February 16, 2010

عن 14 شباط 2010



لم يكن 14 شباط هذا العام شبيهاً تماماً بالمحطات السنوية التي سبقته.
فبعيداً عن البروباغاندا والبروباغاندا المضادة حول الحشد، وهو في أحسن الأحوال أقلّ مما كان عليه في السنوات السابقة، وأكثر مما يفترض به أن يكون بعد التطوّرات السياسية الأخيرة وبعد شعور كثر بانتفاء معنى الاستنفار الشعبي طالما أن الدينامية التوافقية داخل النادي السياسي هي الحاكمة... وبعيداً عن الشعارات التعبوية والتحذيرية، أو تلك المستخفّة بما جرى وكأنه مسألة عابرة لا دلالات لها، يمكن لمراقب أن يسجّل عدداً من الملاحظات السياسية.


مثّل 14 شباط 2010 استعادة لبعض معاني انتخابات 2009 معطوفة على ما تلاها من تراجع.
- فهو أكّد مرة جديدة القدرة التعبوية الكبيرة لتيار المستقبل، وهي القدرة التي كانت قد أوصلت سعد الحريري الى زعامة غير مسبوقة في الشارع السني، كرّستها الانتخابات النيابية وأفضت به نتيجتها الى رئاسة الحكومة.
- وهو عاد وظهّر التقدّم الشعبي لمسيحيي 14 آذار، وبخاصة للقوات اللبنانية. لكنه كرّر تبيان تعذّر صرف التقدّم هذا سياسياً في المؤسسات أو تحويله تأثيراً حاسماً في السياق الوطني، تماماً كما جرى بعد الانتخابات الماضية مع البدء بمفاوضات تشكيل الحكومة (حين استعاد ميشال عون سياسياً ما كان قد خسره انتخابياً).
- وهو جسّد القدرة الجنبلاطية على استيعاب الوضع الدرزي وتململه من مستجدّاته السياسية. فلم يكن الحضور من الجبل والشوف وراشيا وحاصبيا كما كان في السنوات الفائتة، رغم أن المشاعر على الأرجح لم تتبدّل. وزيارة جنبلاط ضريح الرئيس الحريري، ثم انتقاله الى الضاحية الجنوبية للقاء السيد نصر الله بيّنا في يوم الحشد نفسه الفارق بين مستويين من التعاطي الجنبلاطي مع المرحلة الراهنة.
- وهو أكّد أن الحضور "المدني" من خارج الماكينات الكبرى انطلاقاً من موقف "الضد" (ضد النظام السوري وحلفائه اللبنانيين – حزب الله والتيار العوني وسواهما) أكثر منه من موقف "المع" (مع قيادات 14 آذار)، استمرّ في سلوك يشبه سلوك الانتخابات الطلابية والنقابية الأخيرة التي كانت تسابق المصالحات وتوزيع المناصب الوزارية (ولو على نحو أكثر خجلاً هذه المرة)...
ترجم 14 شباط 2010 ما يمكن تسميته بالتعبوية العاطفية.
ففي كلّ الظروف التي تلد تجمّعات شعبية ضخمة، تظهر مجموعة عناصر تنسج المشترك بين الناس.
- منها الانفعال الجماعي نتيجة الظروف الولّادة للحشد وما تسبّبت به من آلام ثم صنعته من آمال.
– ومنها الذاكرة المكانية والطقوسية التي يتقاسمها المجتمعون، إذ صارت ساحة الشهداء هوية سياسية لهم وصارت زواياها والمسالك المفضية إليها دروباً يسلكونها سنوياً بطقوس لا تتغيّر: رفع العلم والشعار ووضع الفولار وإشهار رغبة التحدّي والتآخي مع الآلاف من الوافدين، والتلهّف لمشاهدة بحرهم في طور التكوّن ثم الوقوف على صورته مساء للاحتفاء به وبطوفانه.
– ومنها كذلك الشعور بأمان الكثرة. تلك الكثرة التي تمدّ الفرد بالقوة وبرغبة الاستمرار، والتي تعزّز عنده اليقين السياسي وتمنع عنه التردّد أو القلق نتيجة ما يمكن تطارحه من أسئلة حول جدوى التزامه وصوابيّته.
– ومنها أخيراً التمسّك بفكرة متّصلة بالوفاء للدم، برفض نسيان التضحية التي افتدى من خلالها المضحّي الجمعَ المحتشد، بتذكّره وبالانتصار له.
على أن 14 شباط 2010 عبّر في مفارقة سياسية صارخة، بعكس ما يردّده البعض حول كونه إنذاراً شعبياً للأكثرية النيابية لوقف سياسة التنازل، وبعكس نوايا معظم من نزل (وتحديداً أولئك الوافدين متسلّحين "بالضد")، عن تغطية شعبية "لسياسة التنازل" هذه، أو على نحو أدقّ، لما تمّ منها حتى الآن، ولو على نحو غير مباشر.
ف14 شباط 2010 قطع سياسياً مع ما سبقه في ما خصّ التعبئة ضد النظام السوري، واستبدل ذلك بالحديث عن العلاقات الندّية والاحترام المتبادل والالتفاف حول رئيس الحكومة الداخل الى المصالحات مع دمشق من "النافذة السعودية". وهذا كان متوَقَّعاً. كما أنه قطع سياسياً مع "أقلمة" النزاع اللبناني، بذريعة المعادلات العربية الجديدة، جاعلاً مسألة بحجم مسألة سلاح حزب الله داخلية لبنانية يتحمّل الحزب مسؤوليتها، وهو المتلحّف في شأنها بثلث ضامن يقيه من أي تصويت حاسم بشأنها.

الأبعد دلالة من كل ذلك، هو أن 14 شباط 2010 أظهر، إن وُضعت المشاعر والحدّة في اختيار التعابير وأساليب الكلام جانباً، أن الفوارق الجوهرية صارت شبه متلاشية بين مواقف الحريري وجنبلاط السياسية. ففتح صفحة جديدة مع نظام دمشق مشترك بينهما، وكذلك مسار التسوية الداخلية، ولو بنكهتين، واحدة "عروبية" تبتعد عن "القُطرية" وبعض متطلّباتها والثانية "لبنانية أولاً" تصرّ على البقاء في تواصل مع شركاء مسيحيين.

وكل هذا يعني في ما يعنيه أن المرحلة المقبلة ستكون من جديد مرحلة ستاتوكو داخلية بانتظار التطورات الخارجية...
زياد ماجد

Monday, February 8, 2010

الرئيس السوري والنظام اللبناني

يصعب فهم الجوانب الدستورية أو المؤسساتية أو حتى التطبيقية للنظام السياسي اللبناني التي يرى الرئيس السوري ضرورة تغييرها تجنّباً لاندلاع حرب أهلية في لبنان لا تحتاج نيرانها لأكثر من أيام لتشتعل، على ما قال في مقابلته مع سيمور هيرش في مجلة نيويوركر


فإن كان الضروري تغييره بنظر الرئيس الأسد هو كل ما يتّصل بالديمقراطية التوافقية التي يقوم على أساسها نظام الحكم في لبنان، فالمسألة تحتاج لنقاش مستفيض حول البدائل المتاحة وحول تجارب المحيط العربي مع هذه البدائل ومؤدّياتها.
وإن كان المقصود هو السمة الطائفية للنظام وتجلّياتها الثقافية والمسلكية، فالأمر يحتاج أيضاً لبحث عن سبل التعاقد الوطني وشروطه وعمّا إذا كان إشهار الطائفية من خلال توزيع المناصب أسوأ أم ممارستها من خلال الاستئثار بالحكم وتغليف هذا الاستئثار بشعارات العلمنة والمواطنة.
وإن كان المطلوب إعادة النظر فيه هو الطابع المدني للسلطة السياسية في لبنان، فمن المفيد التقصّي عن الخيارات الأخرى المطروحة، العسكريتارية أو الثيوقراطية أو العائلية، التي يمكن تقييمها إذ هي موجودة منذ عقود على امتداد خريطة المنطقة.
أما إن كان تغيير القوانين التي تتيح الحريات والتعدّد والتنوّع هو المعنيّ بالقول الرئاسي السوري، فربما المقارنة مع نظم الطوارئ والمحاكم العسكرية تفيد للإضاءة على التبعات السياسية والاقتصادية والثقافية (والصحافية) للنموذجين، وأيّهما واجبٌ تغييره.

والحقيقة، بمعزل عمّا قاله الرئيس الأسد وما أدلى به بعض من تجرّأ من سياسيين لبنانيين على الردّ، هي أن النظام اللبناني هو فعلاً نظام مأزوم ويصعب استمرار الرهان على قدرته على إدارة الأوضاع في ظلّ التبدّلات الدائمة في موازين القوى الديموغرافية والسياسية والاستراتيجية للجماعات الطائفية، وفي ظل إصرار كل جماعة معنية بالتبدّل على ترجمة المتغيّرات داخل النظام والحصص في مؤسساته
كما أنه عاجز عن التطوّر حالياً في ظل قدرة أحد الأطراف على تهميش أكثر آلياته والعمل على فرض توجّهات وتدابير على اللبنانيين جميعاً، لامتلاك هذا الطرف الأسلحة وقرارات الحرب والسلم المتأتية منها.
لكن تشخيص المواجع في النظام والبحث في سبل إصلاحه التي لا تسبّب أزمات جديدة شيء، والحديث عن التغيير والانقلاب على القائم شيء آخر. فقد علّمتنا التجارب حتى الآن أن لا بدائل جذرية تبدو ممكنة في ظل هشاشة الإجماعات الوطنية بين اللبنانيين، وفي ظل التداخل بين الوضع اللبناني الداخلي وبين أوضاع المحيط الإقليمي وسعي أطراف هذا المحيط الى اعتماد لبنان ساحة رسائل أمنية وسياسية...
على أن باب القصيد في قول الرئيس الأسد قد يكون أكثر بساطة ومباشرة من كل ما ذُكر: جعل اللبنانيين يعيشون ما يعيشه السوريون منذ أوائل الستينات.
ذلك أنه بعد الفشل في سياسة الضمّ والابتلاع ثم العودة المظفّرة من خلال الانتخابات النيابية، صار المطلوب اليوم إرسال إشارات تتذرّع بالحرص على العلاقات المتجدّدة بين البلدين بعد "حفلة المصالحات" لتوجيه النقد للنظام اللبناني (صحيفة "تشرين" من فترة، والتصريح الرئاسي بالأمس) والمطالبة بتغييره ليس لما فيه من مساوئ، بل تحديداً لما فيه من حسنات، والحرية أوّلها، فيصبح حينها أكثر شبهاً بنظام البعث، وتكتمل إذ ذاك الأخوّة بين البلدين.
واكتمالها على هذا الأساس يعني أن تستكين السياسة في لبنان لصالح "الأمن" وأجهزته، وتتلاشى منابر التعبير المستقلّ، وتتنهي احتمالات انتقال "إرهاصات" التحرّر بالعدوى، في زمن الفضائيات والإنترنت والفايسبوك والتجارة والعمّال الوافدين وغيرها مما تتطلّب مراقبته وقمعه جهوداً يحبّذ الإستبداد توفيرها لأمور أخرى ولأوقات أكثر شدّة...
أما إن تعذّر ذلك، فلا بأس حينها بالقول إن الحرب يمكن أن تندلع (بسبب الحرّيات) بأي لحظة، ليحلو الحديث من بعد في الاستقرار والتباهي بشروطه...
زياد ماجد

Saturday, February 6, 2010

بؤس يسارَين

يبدو اليسار اللبناني في مشهديه، الشيوعي – القومي من جهة والديمقراطي الوسطي من جهة ثانية – في حالة إفلاس لم يسبق أن شهدها من قبل.
فبين يسار يختصر السياسة اللبنانية بهجاء الطائفية والطوائف (وكأنها مخلوقات معزولة وغريبة عن لبنان وتاريخه)، ويقفز الى الوضع الإقليمي فيختزل شجون المنطقة ومآسيها بجدار تبنيه مصر على حدود غزة (وهو بأي حال جدار عار لكنه ليس سبب التيه الفلسطيني ولا البؤس العربي)، ثم ينطلق الى الوضع العالمي فلا يرى في كل ما يجري في القارات الخمس سوى مكائد أميركية (من هايتي الى دارفور فاليمن)، وبين يسار يكاد بالمقابل يخجل من المجاهرة بالعلمنة مخترعاً مصطلحات عجائبية من نوع "الدولة الطبيعية"، ويسمّي أنظمة عربية مهترئة "اعتدالاً"، ثم يغيب عن باله أن ثمة أموراً في العالم وعلاقاته الدولية ومصالح الأطراف فيه تدور بمعزل عن لبنان وسيادته، بين هذين اليسارَين يضيع معنى اليسار ويختفي دوره. والدور هذا، في بلاد مثل بلادنا، أخلاقي ورمزي إضافة الى كونه سياسياً.


في حالة اليسار الأول، الذي بلغت الصفاقة ببعض أطرافه حدّ تكريم دكتاتور بائد هو صدّام حسين، صار التماهي مع العديد من التيارات (التي سمّاها مرّة ظلامية) بحجة "الممانعة" تماهياً لا تعكّره سوى مسلكيّات فردية خاصة بالمشرب والمأكل والملبس. بهذا، يصبح الانتماء الى معسكر يجمع الطالبان والبعث (ببقاياه العراقية وبحكمه السوري) وحزب الله وحماس ونظامي أحمدي نجاد وعمر البشير – مع بعض الزينة التشافيزية – انتماء طبيعياً لكون المقياس مناهضة أميركا فعلاً أو لفظاً (حتى ولو أدمت ممارسات المناهضة هذه شعوباً بحالها). وإن عُطف الموقف المذكور، على تسخيف اليسار عينه للبنان واستقلاله وشتمه لطائفيته، صارت الفضيحة أعظم، إذ أن الطائفية في لبنان - على قباحاتها ومساوئها - أقل فتكاً بالمجتمع منها في معظم الدول المتعاطَف معها، ناهيك بأن من يناصر تيارات ليست طائفية فحسب بل ودينية أيضاً يُستغرب بعد ذلك هوسه بالطوائف

أما في حالة اليسار الثاني، فبعد صعود ومشاركة فاعلة في انتفاضة الاستقلال عام 2005، صار الصمت والعجز عن التحليل واتخاذ المواقف والخوض في المحاججات سمة رئيسية تخرقها بين شهر وآخر بيانات وتصريحات يخالها القارئ مسودّات مواضيع إنشاء في صفوف تكميلية، حيث بعض الشعارات والعموميات حول الحرية والاستقرار والسلم والعدل تُتَوّج بعبارات من نوع "بناء الدولة"، وكأن البناء هذا نشاط مهني ونقابي أو جائزة يُكافأ عليها من ينادي بها أكثر من غيره. وهكذا، يغيب المنطق السياسي، ويتخبّط ما يصدر من مواقف متفرقة بالتناقضات، وبالعجز عن بلورة قراءة علمية لأزمة النظام والدولة والمجتمع كما للأحداث والظروف، محلية كانت أو خارجية.

هل هذا يعني أن اليسار فقد مبرّر وجوده في لبنان؟
لا نعتقد ذلك. فالفكر الذي أنتج أدوات معرفية تشرّح الواقع وتحلّله، والموقف الأخلاقي المحصّن للسياسة، والمزاوج بين فهم الواقع وحيويّاته والتوق الى تغييره من دون أوهام أو مبالغات، والأهم من ذلك، الدفاع عن منطق لا يخشى الابتزاز ولا يستسلم للسهولة ولازدواجية المعايير، جميعها ما زالت مسائل يحتاج إليها الاجتماع السياسي اللبناني، وأكثر من أي وقت مضى. وإن أضفنا إليها ضرورة السعي في لبنان اليوم الى خلق ديناميات مواطنية متحرّرة من الأثقال المذهبية والطائفية، والى تحقيق تنمية اجتماعية تقلّص الفوارق الطبقية والمناطقية، والى سن تشريعات تلغي التمييز ضد المرأة وتمنح الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين وتجرّم العنصرية ضد العمّال السوريّين والأجانب والمهمّشين، وقعنا على الحاجة التي لم تنتفِ لبناء يسار جديد يعيد الى اليسار دوره وبريقه...
زياد ماجد

Tuesday, February 2, 2010

هل قلتم إصلاحات؟


خاض أكثر أطراف الطبقة السياسية اللبنانية في الأيام الماضية في نقاشات تمحور ظاهرها حول عناوين إصلاحية، في وقت كان جلياً انبعاثها من حسابات طائفية ومذهبية ولو من منطلقات مختلفة.
ولعلّ بعض التدقيق في عدد من هذه العناوين وفي ظروف طرحها يفيد لتبيان عمق الانقسامات وصعوبة مقاربة المسائل على نحو مجرّد من التشنّج وفقدان الثقة السائدين.

عن إلغاء الطائفية السياسية وسن ال18 والجنسية اللبنانية
أن يُطلِق البحث في إلغاء الطائفية السياسية طرفٌ يستمدّ مشروعيّته السياسية والدستورية منها، وأن يناصره في ذلك حزب ديني يرى في ولاية الفقيه عقيدة ولا يقبل بغير الثلث الضامن في السلطة التنفيذية، فالأمر مدعاة تأمّل في أهداف البحث وفي توقيت طرحه.
وأن يَردّ على الطارح وحلفائه أطرافٌ يبدو هاجسهم الوحيد التمسّك بالطائفية لأسباب ديموغرافية تفتقر الى المنطق الديمقراطي رغم استنجادهم به في أوقات أخرى رداً على مقولات التوافقية (التي يتذكرون لاحقاً أن لا غنى لهم عنها)، فالمسألة تصبح رداً طائفياً على طرح طائفي لإلغاء الطائفية!
ولكي لا ينتهي المشهد على تعادل، يعاجل دعاة الإلغاء خصومهم بالقول: حسناً، تصرّون على المناصفة الشكلية (بعد أن فرضنا عليكم بالسلاح ما يشبه المثالثة)، فليكن، هاكم إذن سن ال18 عمراً للاقتراع!
ولمّا كان سن ال18 هو فعلاً وبداهة السن الواجب اعتماده للانتخاب طالما أنه سنّ الرشد القانوني المتيح عقوبات ومحاكمات وإجازات قيادة سيارات وفتح حسابات مصرفية ومباشرة أعمال وأنشطة اقتصادية وانتساب الى الجيش والأجهزة الأمنية، فإن استغراب تحويله مادة سجالية، لا يلبث أن يختفي حين تبان أسبابه الطائفية. فالاستنصار التهديدي بمن هم بين ال18 وال21 من العمر لتعميق الفجوة الديموغرافية الواسعة أصلاً بين المسلمين والمسيحيين، يتحوّل في الردود الرافضة (لأسباب رقميّة جليّة) الى اجتهادات لا معنى لها حول ثقافة من هم في سن ال18 وحول سلوكياتهم ومخاطرها، أو يفتح الباب أمام مطلب آخر محقّ لكنه ليس دحضاً لمطلب تخفيض العمر الانتخابي، ولا ينبغي أن يبدو نكاية: مطلب اقتراع المغتربين في أماكن اغترابهم. ذلك أن لا سلوكيات من هم في عمر ال18 هي المشكلة (ولا دراسات حولها وحول تبعاتها الانتخابية أصلاً، وحتى لو افترضناها إشكالية، فهذا لا يغيّر من حق أصحابها الديمقراطي)، ولا شأن المغتربين مرتبط بسنّ الرشد أو تداعيات اعتماده. فشأن هؤلاء إداري لوجستي ينبغي تنظيمه في السفارات اللبنانية، وينبغي تقديم مشروع قانون لإقراره بأسرع وقت.
ثم هناك من يذهب في ردّه على الابتزاز العددي أبعد من ذلك. إذ يطالب بمنح الجنسية اللبنانية لمن هاجر (من متصرفية جبل لبنان) في مطالع القرن الماضي. وبذلك، يقفز في ردّه "الطائفي" نحو موضوع ينبغي أن يُبحث أيضاً، ولكن من دون علاقة سببية بأي شأن عمريّ، ويجب أن توضع له معاييره وضوابطه وشروطه.
وفي أي حال، فإن المعالجة الضرورية لقانون الجنسية في لبنان، يجب أن تبدأ – وقبل الوصول المفيد الى ريو دي جينيرو ومكسيكو وماساشوستس- بإقرار حق النساء اللبنانيات المتزوجات من أجانب بمنح الجنسية لعائلاتهن اعترافاً بمواطنيتهن وبمساواتهن باللبنانيين الذكور.
عن الانتخابات البلدية
ما يسري على العناوين السابقة، يسري أيضاً على العناوين المطروحة اليوم لتحسين الأداء الانتخابي البلدي.
فالقضايا الثلاث الأكثر أهمية لإصلاح قانون الانتخابات المحلية جرى تجنّبها أو إسقاطها في المداولات.
فلا الاقتراع مكان القيد أو مكان السكن جرى التطرّق إليه، ولا أسباب تقسيم المدن وفقاً لدوائر عقارية كما هي الحال في المدن الكبرى في العالم جرى عرضها والردّ عليها، بل استُبدِلت بزجل حول وحدة بيروت أو تقسيمها وفق حدود طائفية (وهي قُسّمت كذلك في الانتخابات النيابية منذ أشهر!)، ولا الاقتراع النسبي بما هو مدخل تحسين مستوى التمثيل جرى القول فيه لكل المجالس البلدية.
لحسن الحظ أن الكوتا النسائية اعتُمدت (ولو بنسبة تقلّ عن ال30 في المئة الواجب احترامها وفقاً للاتفاقيات الدولية). فلولا هذا الاعتماد، ولولا الجدل حول انتخاب رئيس البلدية ونائبه مباشرة، لما كان النقاش دار حول أي موضوع مستقل عن التمثيل الطائفي وما يفترضه من تعاط مع وضع العاصمة.
*****
في ختام هذه العجالة، لا بد من القول إنه رغم المخاوف الطائفية التي لا يمكن نفيها – وبعضها مبرّر في ظل وجود طائفة مسلّحة - ورغم أن الطائفية ذاتها مؤسسة كبرى في لبنان قوامها التمثيل السياسي والإدارات والخدمات والهيئات الدينية والتعليم الخاص وبعض البنى الاجتماعية ويصعب بالتالي إسقاطها من الحساب عند أي مقاربة سياسية، ورغم أن الخلل الديموغرافي يطرح تحدّيات عديدة على صيغ الحكم والمشاركة في مؤسساته يجب التصدّي لها، إلا أنه لا يمكن للمعنيين بالإصلاح الجدّي الاستسلام للديماغوجية واستغلال الشعارات المطروحة، ثم الاكتفاء برفضها (ولو كانت سليمة) والبحث عن ذرائع تدفع شرّ طارحيها. فالتأكيد عليها وتبنّيها ضمن ورشة إصلاحية شاملة لا يقلّ أهمّية عن رفض جعلها أدوات ابتزاز وتهويل وتهديد يستخدمها طرف ضد آخر...
زياد ماجد

Tuesday, January 26, 2010

أبو موسى 1983.. أبو موسى 2010

في العام 1983، وبعد عام على الاجتياح الاسرائيلي للبنان، اندلعت معارك ضارية في مخيمي البارد والبداوي في الشمال وفي بعض مناطق طرابلس بين الجيش السوري ومقاتلي حركة فتح.
كان النظام السوري قد قرّر شن هجوم شامل على الوجود الفلسطيني الذي لم تنهه إسرائيل في اجتياحها بهدف القبض على الورقة الفلسطينية والقضاء على مفاعيل الشعار العرفاتي الشهير: القرار الوطني المستقل. وقد اتّخذ الهجوم السوري يومها اسماً حركياً هو "فتح الانتفاضة" بقيادة أبو موسى و"القيادة العامة" بقيادة أحمد جبريل.
وبعد ثلاثة أشهر من الكرّ والفرّ، وبعد خسائر بشرية مدنية فلسطينية ولبنانية وعسكرية سورية وفلسطينية فادحة، سقط مخيما الشمال بيد الجيش السوري، ودخل أركان "الانتفاضة والقيادة العامة" استعراضياً إليهما، قبل أن يعودوا الى دمشق، موقع الأمر والنهي بالنسبة إليهم.

وفي العام 2007، دخلت "فتح الانتفاضة" مخيم البارد ثانية، متأسلمة هذه المرة، وبأمرة أحد ضبّاطها شاكر العبسي. ورغم مسرحية سجن أبو خالد العملة في دمشق لاتهامه بالانشقاق وبارتباط متأسلمي "الانتفاضة" به وتشكليهم "فتح الاسلام"، ورغم بعض الملابسات المحلية داخل المخيم وفي محيطه لجهة استقطاب سلفيين جهاديين والدخول في علاقات مع فلسطينيين ولبنانيين من جهات عدّة، بقيت الخيوط المخابراتية التي تُحرّك العبسي (ومن فرّ معه بعد خراب المخيم ومآسي أهله) هي نفسها التي حرّكت "الانتفاضة" قبل 24 عاماً.
واليوم في العام 2010، يدخل أبو موسى المسرح الفلسطيني في لبنان من جديد. يظهر من منزل رئيس بلدية صيدا ليرفض البحث في سحب السلاح والمقاتلين التابعين "لانتفاضته" والمتواجدين خارج المخيمات. يظهر من عاصمة الجنوب ليربط سلاحه بالصراع العربي الاسرائيلي، المتخطّي لبنان واللبنانيين، والمتخطّي شؤون اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم.
هكذا، يمرّر العقيد رسالة سورية تذكّر بتعدّد الأوراق الأمنية التي يملكها نظام دمشق وتؤكد أن موضوع السلاح "الانتفاضي" و"القيادي" ليس مسألة تقنية، ولا هو مسألة حوار وطني أو مصالحة لبنانية سورية. ذلك أن اللجوء الى مقولة الصراع العربي الاسرائيلي يشير الى أن الأمور أبعد من القضايا الوطنية – أو "القُطرية" بالعرف البعثي – وهي تستدعي مباحثات إقليمية وتفاوضاً مع "المجتمع الدولي" والولايات المتحدة وبحثاً في مآل قرارات الأمم المتحدة، من القرار 242 الى القرارين 1559 و1701، وهنا على الأرجح بيت القصيد...
وهذا كله يعني استمراراً في سياسات استدراج العروض انطلاقاً من الساحة اللبنانية. وهو يستدعي وضوحاً رسمياً لبنانياً، لم يظهر حتى الآن، أو على الأقل، لم يجر التعبير عنه بالمستوى المطلوب.
زياد ماجد

Tuesday, January 12, 2010

عن الأقليات

ليس موضوع الأقليات جديداً في العالم العربي ولا هو خاص به.
فالموضوع يرتبط أساساً بالهجرات وبتكوّن الأمبراطوريات وتوسّعها، ثم بولادة الأفكار القومية ونشوء الكولونيالية وقيام الكيانات الوطنية وترسيم حدودها. وهو يرتبط كذلك بمفاهيم الهويّات والانتماءات الأولية، ويحضر اليوم بوصفه قضية على قدر من الخطورة ومن الارتباط بالنزاعات الدائرة في الكثير من نواحي الأرض، من البلقان وأفغانستان وإندونيسيا والفيليبين وماليزيا وسيريلانكا الى الصين والاتحاد الروسي وأكثر البلدان الأفريقية. هذا إضافة الى وجوده تحت مسمّيات أخرى في بلدان أوروبية وأميركية عدّة.
على أنه في منطقتنا العربية، ولا سيما في مشرقها، يرتدي أهمية استثنائية. ذلك أن ميراثنا اللغوي والسياسي احتضن في القرون الماضية مفهوم "الأمة" بوصفه المفهوم الجامع ذا المشروعية الدينية والدنيوية التي وجب الاستناد إليها لإعلاء شأن أو إسقاط آخر.
فالأمة الإسلامية كانت الوعاء البشري والجغرافي الحاضن للخلافة الإسلامية القائمة أو الافتراضية، والأمة العربية كانت الإطار المشتهى لمرحلة ما بعد الكولونيالية وللتعبير عن صعود مشروع "ترابي" (وإن بقيت علاقته بالإسلام ملتبسة) يزيل حدوداً اعتبرها اصطناعية وتآمرية...
بهذا، ظلّت "الوطنيات" تدابير مؤقتة وصارت المغالاة فيها - إن لم تكن موجّهة الى عدوّ خارجي- صنو الانعزال أو الردّة أو التخلّي عن "الوطن الأكبر".
حتى أن القضية التي يدّعي أنصار الأمة إجماعاً على أولويتها، قضية فلسطين، عُيّب على أهلها اتّخاذها هويةً لهم واتُهم زعميهم ياسر عرفات بالخيانة لتمسّكه بالقرار الوطني المستقل، أي ذاك الرافض مصادرة الأنظمة العربية له بذريعة "القضية القومية" وأولويات الأمة وسواها من مفردات استهلكتها تيارات وقوى قابضة على سلطات بلادها منذ عقود.
وإن كان الكلام بالوطنيات وبالانتماءات ما دون القومية يثير شبهات انعزال، فكيف إذن بالكلام في قضايا الأقليات؟
يبرز هنا مستويان للمقاربة.

الأول، يُكمل ما سبق ذكره من زجل قومي/إسلامي سقيم ويضعه في مرتبة هجاء أعلى شأناً. فما جرى اعتباره انعزالاً في حالة التخلي عن المشروع الوحدوي لصالح وطنيات وأولويات محلية، يصبح في حالة الكلام على حقوق الأقليات "إدخالاً للوهن الى جسم الأمة وتنفيذاً لأجندات خارجية تبحث عن تفتيت المفتّت حماية لإسرائيل وتبريراً لوجودها".
أما الثاني، فمرتبط ببعدين قامت عليهما السلطة في عدد من البلدان ذات الشعارات القومية، وبالأخص في سوريا والعراق البعثيَّين. فالاستبداد الحاكم في كلا البلدين وحزبه الحامل شعارات تتخطّى الحدود، اتّخذ من فكرة الصَهر للناس خلف قيادته مسلكاً، ورفض البحث في التنوّع والتعدّد وهو القائل أصلاً إن قومه ما هم إلّا جزء من شعب قَسّمت حدود المعاهدات الاستعمارية وطنه الأكبر. وهو في الوقت نفسه – وفي الحالين - أقلّوي لجهة الانتماء المناطقي أو الطائفي، يتجنّب إثارة المسائل الأقلّوية إلا إن اضطر لاستنفار "الجماعة" المنبثق منها وتجييشها ضد الجماعات الأخرى حماية لمكتسبات وفّرها لنخبها، على نحو ما جرى في سوريا في بداية الثمانينات، وفي العراق طيلة التسعينات.
أما في مصر، حيث للوطنية حضور تاريخي قد يكون الأوسع بين الدول العربية، فمسألة التعامل مع الأقلّيات متّصلة على الأرجح بالتنافس على الحقل الديني بين السلطة السياسية والسلطات الدينية خارج المؤسسة الرسمية (أي خارج الأزهر). ومتّصلة أيضاً بمشاعر تعصّب طائفي مرافق لصعود بعض التيارات الإسلامية في مناطق يغلب عليها الطابع الريفي، ويتراجع على نحو مروّع حضور الدولة وأجهزتها غير المخابراتية فيها. وما الاعتداءات التي يتعرّض لها الأقباط منذ أيام سوى طور أشد بشاعة من طور الحملات التي تستهدفهم عشية كل انتخابات تشريعية وتُفضي رسوباً لجميع المرشحين من بينهم.
وفق معادلات كهذه، يمكن أن يتوقّع المرء المزيد من التهتّك والتطرّف والصدامات في الكثير من أراضي الناطقين بالضاد، ارتباطاً بمسألة الأقليات أو بمسائل الانتماءات القبلية والعشائرية والطائفية في ظل إدارات سياسية وأمنية قوامها غالباً القمع والفساد، وفي ظل غياب الحد المقبول من التعاقدات الاجتماعية والقوانين والممارسات المستندة إليها. وهو غياب لا يبدو أن غروبه حاصل في الأفق القريب...
زياد ماجد

Tuesday, January 5, 2010

ليس قضاء "البعث" قدراً

تتوالى تصريحات المدير السابق للأمن العام اللبناني ومؤتمراته الصحافية منذ خروجه من السجن قبل أشهر وإعلانه عن عزمه تولّي وزارة العدل... كما تتوالى زياراته الى العاصمة السورية للقاء المسؤولين فيها ولرفع الدعاوى أمام محاكمها ضد سياسيين وصحافيين وأمنيين وقانونيين لبنانيين وضد مواطنين عرب وأجانب.

وبقدر ما تثير تصريحات المدير السابق المذكور التندّر حين تركّز على التشكيك بصدقية القضاءين اللبناني والدولي لتبرير اللجوء الى "قضاء البعث" (على اعتبار أن لا شكّ بنزاهته ولا باستقامة قوانين الطوارئ التي يعتمدها منذ العام 1963 والمفضية كبتاً لأنفاس السوريين واعتقالاً تعسّفياً للآلاف منهم، مثقّفين وقانونيين وصحافيين وطلبة وناشطين سياسيين)، بقدر ما ينبغي التوقّف عند مدلولات الدعاوى، خاصة بعد تحوّل الاستنابات السورية المستندة إليها مادةً إعلامية لبنانية.

ذلك أن ما يُروّج له في بعض الإعلام حول وساطات تركية وسعودية فاشلة لدى الرئاسة السورية لسحب الاستنابات إنّما يهدف الى إظهار "أهميّتها" وخطورتها وعلوّ كعب صاحب شأنها (المدير السابق) ودخول أمم على خطّ التوسّط لديه، ولدى الدولة السورية التى اشتكى الى قضائها، دون أن تصل الوساطات الى نتيجة.

وفي هذا، بمعزل عن التضخيم والمبالغات، رسالة مفادها أن لا وساطة ستحمي بعد الآن من ستسوّل له نفسه الاستمرار في هجاء النظام السوري أو اتّهامه بالموبقات أو انتقاد مرحلة سيطرته على لبنان ورموزها. والغاية القصوى: إعادة بناء جدار الخوف الذي انهار في ساحة الشهداء قبل خمس سنوات، وجعل الصمت وبلع الألسن بالترهيب (أو الترغيب) عنوان المرحلة المقبلة.


على أن ما يجري تناسيه مقابل كل ذلك، وما تساعد ركاكة الطبقة السياسية اللبنانية بمعظم مكوّناتها على عدم تذكّره، هو أن استمرار حاجة نظام دمشق الى التهديد والى إظهار رفض الضغوط لا يعبّر بالضرورة عن قوّته وبأسه.

فرغم فكّ الطوق الذي كان مضروباً حوله، ورغم دعم إيران وتركيا المباشر له وتواطؤ إسرائيل غير المباشر معه، ثم الانفتاح الفرنسي-الأوروبي والسعودي عليه، ما زال النظام السوري عاجزاً عن إحكام الخناق حول بلد صغير يجاوره رغم تحالفاته فيه ورغم حكمه له لعقود. وهو بعد أن كان يتوعّد بتحقيق أكثرية في صناديق الانتخابات النيابية والعودة للهيمنة من خلالها، صار جلّ ما يتباهى به اليوم مصالحة بعض خصومه له واضطرارهم (لأسباب إقليمية أو أمنية) لزيارته.

بمعنى آخر، ليس قضاء البعث الذي يُروّج له اليوم قدراً.

لكن الخفة أو المكابرة عند بعض القوى اللبنانية المناوئة له من جهة، وفائض القوة المسلّح لدى حزب الله المتحالف معه من جهة ثانية، وهشاشة الإجماعات الوطنية اللبنانية المعطوفة على بنية طائفية للنظام تتحوّل عند الاحتقانات شللاً من جهة ثالثة، تتيح له التهديد والوعيد والضغط، وتجعل كل ظرف إقليمي (متفجّر أو مستقرّ) يبدو وكأنه حكماً مؤبّداً على حالة هي بالأحرى، وكما علّمتنا التجارب حتى الآن، مؤقّتة. ذلك أن الصراعات المستمرة في البلد ومحيطه تسمح في كل فصل بتبدّل تحالفات تبدّل بدورها موازين القوى. وللتذكير، فما بدا غير قابل للأفول عام 2004 انقضى عام 2005، وما بدا زهري اللون عام 2005 صار أسوده لاحقاً، وما يبدو هزيمة اليوم لمعسكر يتفكّك سبقه انتصار مدوّ له قبل أشهر.

العبرة من ذلك إذن، تكمن ربما في عدم الاستكانة المتسرّعة لطور سائد، والاستمرار في الدفاع عن الحرية من دون مقايضة، والمحافظة على الهدوء والمثابرة، والاستنتاج يوماً أن تغييراً للمعادلات صار ضرورياً، وأن استقراراً داخلياً حقيقياً لا يمكن أن يظل وقف ارتهان لنظام هنا ولمصالحة أو صدام هناك...

زياد ماجد

Tuesday, December 22, 2009

زيارة سوريا

كتبنا منذ مدة عن "زيارة سوريا" بوصفها صراع رمزيّات (في نشرة الأفق www.al-ofok.com). وأشرنا الى شروط ينبغي توفّرها كي لا تكون زيارة الحريري مجرد إنجاز للنظام السوري في الحقل الرمزي يضاف الى "نجاحه" السياسي في فكّ عزلته نتيجة الانفتاح الفرنسي والأوروبي عليه، ونتيجة المصالحة السعودية له، ونتيجة دعمه المباشر من قوّتين إقليميتين هما إيران وتركيا، إضافة الى تفضيل القوة الإقليمية الثالثة، أي إسرائيل، له على "المجهول" وتحييدها إياه في حملاتها السياسية والديبلوماسية.
وإذ يمكن القول إن بعض الإجراءات خفّفت من الأضرار على الزائر (كمثل وصوله بالجو وليس بالبر على عادة زيارات "المسؤولين" اللبنانيين في أيام الوصاية الغابرة، وكمثل عقد مؤتمره الصحفي في سفارة لبنان "المُنتزعة" وليس في قصر مضيفه)، إلا أنه يصعب نفي تحقيق النظام السوري تقدّماً "رمزياً" عبّرت عنه صور اللقاء ومجاملاته وبعض العبارات المستخدمة عقبه. كما عبّر عنه عدم التطرّق العلني الى قضايا ستظلّ جدول أعمال للعلاقات اللبنانية السورية في الفترة المقبلة، وسنشير إليها لاحقاً.

على أن ما نريد التعقيب عليه، هو ما رافق الزيارة من تعليقات، أبرز ما فيها ينطلق من الخفّة السياسية (المعطوفة على المبالغات التي تحدّث عنها حازم صاغية في مقاله في ناو ليبانون أمس) إن شماتةً بالزائر وجمهوره، أو مكابرة وتشاطراً متهافتين. فبين من هلّل لما عدّه استسلاماً أكثريّاً "لسوريا الأسد" وتراجعاً عن أخطاء التحريض ضدها في السنوات الماضية، وبين من اعتبر ما جرى تمسكاً "بمبادئ ثورة الأرز"، مروراً بمن عدّ الأمر عودة الى "العمق الاستراتيجي"، ضاع النقاش الذي يُقام عادة في مناسبات كالتي شهدنا.
فلا تقييم الشكل والأسلوب واللغة تمّ، ولا التقييم السياسي لمضمون ما قيل من الطرفين حصل، ولا وضع الزيارة في سياقها الإقليمي جرى.
والزيارة لم تكن لا تراجعاً عن أخطاء ولا تمسّكاً بمبادئ ولا عودة الى التاريخ والجغرافيا وعلاقات القربى والأخوّة وسواها من مصطلحات أقرب الى تلك التي تُستخدم عند توقيع اتفاقيات تعاون بين بلديات أو مخاتير منها الى ما يُستخدم في قاموس السياسة والعلاقات الدولية.
الزيارة كانت حدثاً فرضته المصالحة السعودية السورية، وكانت استكمالاً لمسار التسويات الداخلية الذي أفضى الى إنتاج السلطة التنفيذية. وربما يصحّ القول إنها شكّلت ترجمة رسمية لانتهاء مرحلة كانت الانتخابات النيابية في 7 حزيران الماضي ثم مفاوضات تشكيل الحكومة مؤشرين الى شكل انتهائها، من دون أن يعني الانتهاء تحديداً لسمات مرحلة قادمة تبدو الأمور فيها ضبابية لأسباب كثيرة، منها أن المصالحة السعودية السورية لم توصل بعد الى مصالحة سعودية إيرانية، ولا الى مصالحة سورية مصرية؛ ومنها أيضاً أن الهشاشة الداخلية اللبنانية تسمح بأن يعود التوتر فور عودته إقليمياً، أو فور تصاعده بين إيران والولايات المتحدة، دون أن ننسى قدرة حرب إسرائيلية جديدة على إرباك الأوضاع وجعل أي مآل لها منطلقاً لارتدادات شبيهة بتلك التي خلّفتها حرب تموز 2006.
الأهم، بعد صراع الرمزيات الذي شهدنا، هو جدول الأعمال الذي سيحكم العلاقات الرسمية اللبنانية السورية في المرحلة "الجديدة"، أو على الأقل الى حين رسوّ المنطقة على حال واضحة. وللتذكير، ففي هذا الجدول قضايا ترسيم الحدود، ومزارع شبعا، وقواعد "القيادة العامة" في البقاع والناعمة، والمفقودون في السجون السورية، وبعض الاتفاقات السابقة بين البلدين، من دون إسقاط تبعات ما يرتبط بالمحكمة الدولية، إن تسارعت أعمالها أو تباطأت.
وكل ذلك، سيؤثر في مسار التواصل بين السراي وقصر المهاجرين، كما بين الحلفاء والخصوم في بيروت وضواحيها الشرقية والشمالية والجنوبية...
زياد ماجد

Tuesday, December 15, 2009

عن إلغاء الطائفية السياسية

يستوي طرح إلغاء الطائفية السياسية بأكثر الردود القائمة اليوم عليه.
فالطرح والردود تنطلق غالباً من مقولتين تسطيحيّتين للمسألة الطائفية، تحوّلها الى مجرّد مادة سجال ومزايدة يبدو الهاجس الوحيد فيها ديموغرافياً، إذ يستقوي بها – ويهدّد بتطبيقها – من يرى في عديد طائفته حصانة لموقعه، وينبذها ويندّد بها من صار حضوره في ضمور...
على أن الموضوع، رغم مشروعية المخاوف الرقمية التي يبثّها، أبعد من كونه مادة سجال حول مؤدّياته السياسية المباشرة وما قد تعنيه من انتهاء للمناصفة في المناصب في الدولة بين المسلمين والمسيحيين، بمعزل عن الأحجام وسجلات النفوس وإخراجات القيد.
فالبحث في الطائفية هو بحث في مجموعة عناصر سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية تكرّست في العقود الماضية وصارت ناظمة للحياة العامة (وأحياناً الخاصة) في لبنان.
والطائفية بهذا المعنى مؤسسة قائمة في ذاتها، وقائمة أيضاً في شبكات من العلاقات في المجتمع وفي الدولة لا ينفع معها التبسيط اليساروي المعتبر إياها حدثاً عارضاً في السياق اللبناني أو وسيلة للتعمية على الصراع الطبقي. ولا ينفع معها كذلك المنحى شبه الثقافوي الذي طالما اعتمده ما سُمّي يوماً باليمين المسيحي والمعتبر إياها علّة وجود لبنان وصنو ديمقراطيته وحماية أقلّياته.
فالطائفية تعليم وتربية وأماكن إقامة مفروزة، وهي أحوال شخصية وشهادات في المحاكم، وأنشطة رياضية وكشفية، ومجالس ملل ومحاكم شرعية تصدر قرارات وتمارس رقابة وتندّد بكتب وبرامج فنية. وهي أيضاً مناصب عليا في الدولة ومواقع في الإدارات تتحول زبائنية ومنافع. وهي قانون انتخاب وتوازنات بين السلطات ورمزياتها، كما هي أمن بالتراضي واختصاصات "وطنية" بالمقاومة أو بالإعمار أو بالسيادة. من دون أن ننسى أنها صراع على التاريخ وتأويلاته، وعصبيات استقطاب وعنف ودفاع عن مصالح وعن مخيلات جماعية، وعن خيارات خارجية وتموضوعات إقليمية.


وإذا صحّ في فترة القول إن التوازن بين الطوائف منع نزوع بعض النخب في الطوائف إياها الى السعي للاستئثار بمقدّرات البلد جميعها على نحو ما جرى ويجري في دول الجوار العربي، فيصحّ أيضاً القول إن الاستئثار نجح رغم ذلك - وعلى دفعات ومراحل - في إدارة الطوائف من داخلها واستنفارها في مواجهة بعضها. فشعارات "توحيد البندقية" أو "وحدة الصف" أو "الالتفاف حول المقاومة" عبّرت كلٌ منها في فترة عن تحوّل الاستئثار سبيلاً لإلغاء المنافسين ثم لمواجهة الآخرين وتحصيل القدر الأعلى من "الحقوق" منهم وعلى حسابهم.
وما يجري طرحه اليوم، إذ لا يبحث في أي من القضايا الأساسية المتعلقة بالطائفية، لا يخرج كثيراً عن السياق السياسي المذكور، المتصل بالتبسيط والاختزال، والمستند أساساً الى منطق استئثار.
فمن يطرح إلغاء الطائفية السياسية هو وأنصاره أكثر ممارسيها تشدّداً في الدفاع عن مواقع طائفتهم "المحرومة والمستضعفة والمقاومة والمستهدفة من الداخل والخارج" على ما يقولون. وهم إذ صاروا يعطفون على طرح الإلغاء تمسّكاً مرحلياً بالديمقراطية التوافقية، وبالسلاح (!) يبدون كمن ينشئون ابتزازاً جديداً مفاده "اقبلوا بالمثالثة التي يؤمنها حق الفيتو في الديمقراطية التوافقية، أو سيروا في إلغاء الطائفية السياسية ولنر من عدد مناصريه أكبر وليأخذ كلٌ حق طائفته وفق عدد الأيادي التي تريده"...
والأنكى، أن بعض من يرفض طرحهم، إنما يعزّزه في ردوده عليه، فيبدو كمن يدافع عن مجد غابر وعن نظام مأزوم، مناقضاً نفسه بنفسه. فعوض التركيز على الدستور وعلى ضرورة الاتعاظ من تجارب العقود الأربعة الاخيرة وحروبها وصراعاتها والبحث في سبل إصلاح النظام (إن بقي للإصلاح معنى)، تراه يتخلى عن التوافقية داعياً الى "الاكثرية" البرلمانية، ثم يتمسّك بالطائفية داعياً الى احترام التعددية والمناصفة "التوافقية"! وهو في الحالين يبدّد فرصة تصويب النقاش، والرد العقلاني والمسؤول على من يستلّ العدد سلاحاً ويعطف عليه غالباً سلاحاً أمضى أثراً منه، هو السلاح نفسه!
زياد ماجد

Tuesday, December 1, 2009

السلاح... تحت، فوق

تبدو السياسة في لبنان منذ أشهر سائرة على إيقاعين مختلفين: إيقاع مصالحات تدّعي طيّاً لصفحة السنوات الخمس الماضية وما حوته من أحوال وأهوال وتحالفات وتجمّعات لم يسبق للبنان أن عرف ما يماثلها في تاريخه، وإيقاع انتخابات طلابية ومهنية ونقابية تستكمل الفرز الذي شهدته السنوات الخمس نفسها وتؤكّد عمقه وصعوبة تبديله بقرارات حتى ولو كان متّخذوها شديدي التأثير في جمهورهم وفي مواقفه واتجاهاته.
فمقابل لقاءات مبهمة ونقاشات تتجنّب البحث في المسائل الجوهرية، ومقابل تصريحات "أخوّة" وبيانات "وفاق" يمكن أن يلهو المرء في تفكيكها وتبيان وهنها وتناقضاتها، تبرز انتخابات حامية التنافس يشارك فيها آلاف المواطنين، طلاباً ومحامين وصيادلة في بيروت وفي أكثر من منطقة. إنتخابات تظهّر المشهد على حقيقته: كتلتان كبيرتان تتصارعان سياسياً ومذهبياً، وتستعيدان تواريخ مجد لكل منهما.
هكذا، تبرز صورة الاجتماع اللبناني - لدى فئات عمرية شابة، ولدى منضوين من أعمار مختلفة في أجسام نقابية ومهنية - على عريها: انقسام عامودي واستمرار لمعسكري 8 و14 آذار قاعدياً، بعيداً عن الخطابات الفوقية، أو ربما تعبيراً عن المواقف الفعلية (الضمنية) لقوم "فوق" حيث التقيّة صارت اختصاصاً لا يشذّ عنه سوى قلائل.
أكثر من ذلك، توحي الصورة بأن الإيقاعين المختلفين فوق وتحت، يسيران أيضاً في اتجاهين متعاكسين. ففي حين يستمر (ما تبقّى من) معسكر 14 آذار في تراجعه في السياسة وفي إدارتها (لأسباب صارت مذكورة في أكثر من موضع)، يستمر جمهوره في التقدّم انتخابياً إن على مستوى الجامعات، أو على مستوى نقابات المهن الحرة المؤثرة في الرأي العام وصناعته، والمتأثّرة به.
والأمر نفسه يسري على معسكر 8 آذار. فتقدّمه وضبطه شروط اللعبة السياسية وتوازناتها لصالحه، لم يقابله سوى تراجع انتخابي له في المواقع المذكورة يبدو تكريساً على "الأرض" لما جهد ويجهد (بنجاح) لمحو آثاره "فوق": صناديق 7 حزيران 2009...

هل من تفسير لذلك؟
طبعاً. فبالإضافة الى التعبئة التي لم تنتهِ مفاعيلها، والحنين الى التعاضد والى أمان الانتماء الى جماعات عريضة، وبالإضافة الى ذاكرة الدم المراق الحية في أكثر من مكان وموضع، ثمة عنصر تماسك "مادي" لن ينجح أحد في نزعه، ولن يكفي تصدّع 14 آذار لإسقاطه: رفض السلاح غير الشرعي وتحالفاته الإقليمية.
وهذا الرفض، سيبقى في المدى المنظور منطلق الفرز الأول في لبنان، من عائشة بكار الى عاليه، ومن زحلة الى صور، ومن الشياح الى التبانة وجبل محسن. وهو سيزداد مركزيّة "تحت" كلما تجنّب "الفوق" نقاشه بهدوء وحكمة وحزم...
زياد ماجد

Tuesday, November 24, 2009

مصر - الجزائر... فرنسا - إيرلندا

شهد العالم الأسبوع الماضي مباراتي كرة قدم عبّرت أحداثهما وتداعياتهما عن قضايا سياسية وأخلاقية خطيرة وعن علاقة تزداد التباساتها بين الإعلام وبين اللعبة الأكثر شعبية وانتشاراً في العالم، وبالتالي الأكثر قابلية للاستغلال والتوظيف على مستويات عديدة.

Monday, November 16, 2009

عن مقارنات السيد نصر الله بين فلسطين وجنوب لبنان


إنطلق أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير من مقارنة بين ما أسماه "18 عاماً من التفاوض و18 عاماً من القتال والمقاومة"، ليخلص الى أن التفاوض ضيّع الحقوق فيما القتال استعادها.
لكن السيد نصر الله وهو يقيم مقارنته، سها عن أمرين لا تستقيم خلاصات من دونهما.
- الأول، اعتماد معايير "علميّة" (بالحدّ الأدنى) للمقارنة بين حالات التفاوض والمقاومة وبين حالات الاحتلال: فحالة فلسطين ليست كحالات سيناء أو جنوب لبنان أو الجولان. ولا يمكن لحصيف أن يقارن الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين الساعي الى إلغاء هويّتها وإقامة المدن والمستوطنات فوق بلداتها واستبدال الأسماء فيها وتغيير معالم أمكنتها وادّعاء حق تاريخي في أرضها وبحرها وسمائها، بالاحتلال لجنوب لبنان، حيث أقام الجيش الغازي مواقع ومعابر عسكرية حصراً، واعترف على الدوام باحتلاله لأسباب وذرائع كان يختلقها.
وبالتالي، لا أوجه شبه بين "صراع الوجود" و"صراع الحدود" تتيح تقديم خلاصات كالتي توصّل إليها أمين عام حزب الله في كلمته، والتي كان يمكن فهمها لو أن السيّد قارن الجنوب بالجولان، أو لو أنه قدّم النصح لحليفه الرئيس السوري بالسير في طريق المقاومة لتحرير الأرض، عوض الطلب الى الأتراك التوسّط مع الاسرائيليين لاستئناف المفاوضات.
- والأمر الثاني، هو مقاربة المسار الفلسطيني على نحو مركّب يشبه تركيبه وتعقيده. فليس صحيحاً أولاً أنه كان مسار تفاوض فقط. وليس صحيحاً ثانياً أن لا شيء أُنجز في المسار الفلسطيني التفاوضي، على الأقل بين عامي 1992 و1996. وليس صحيحاً ثالثاً أن القتال العشوائي غير المحكوم بأفق سياسي أدّى في السياق الفلسطيني الى نجاحات ميدانية تُذكر.
فالمفاوضات بين منظمة التحرير وإسرائيل جاءت بعد عقود من المقاومة من خارج حدود فلسطين، ثم من داخلها. وهي جاءت نظرياً، وفق قرار الأمم المتحدة 242، وبدأت بعد انتفاضة الحجارة التي فرضت فلسطين على الخريطة السياسية العالمية عام 1987 وأجبرت الاسرائيليين على الاعتراف بالشعب الفلسطيني وبقائده ياسر عرفات. ثم كانت عودة الأخير الى غزة والضفة إيذاناً بإعادة فلسطين الى الجغرافيا "الرسمية" العالمية.


والمفاوضات - بإدارتها العرفاتية - لم تحُل في أكثر من محطة دون إطلاق تحرّكات شعبية للردّ على الانتهاكات الاسرائيلية أو محاولات المماطلة والتملّص من الاتفاقات. كما أنها أثمرت تحريراً لأكثر من منطقة محتلة في الضفة والقطاع. وعندما راح الاسرائيليون "يعوّضون" عن انسحاباتهم العسكرية بتوسيع المستوطنات وقطع أوصال الضفة لمنع قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة، انفجرت الانتفاضة الثانية في وجههم عام 2000، ووضعتهم خلال أشهرها الأولى تحت الضغط سياسياً وإعلامياً وديبلوماسياً. لكن العسكرة العشوائية للانتفاضة، وتحوّل القتال والعمليات الانتحارية عند البعض الى هدف في ذاته، ورفض الفصائل القريبة من السيد نصر الله وحليفيه الإقليميّين وقف النار الذي دعا إليه الرئيس عرفات بعد 11 أيلول 2001، ساهمت في السماح لإسرائيل بالإفلات من الضغط والانقلاب على ما قبلت به سابقاً على مضض. فراحت تدمّر المؤسسات وترتكب الجرائم وتقضم ما تحرّر من أرض وتكثّف الاستيطان وتبني الجدار، وتحاصر عرفات عدوّها الأول (وربما الأوحد) للقضاء عليه، مستفيدة من المناخات الدولية والإقليمية التي خلقتها اعتداءات نيويورك وواشنطن ثم حربي أفغانستان والعراق.
ما جرى بالتالي بعد عسكرة الانتفاضة الثانية على النحو الذي شهدنا (رغم أنه حمل عدداً من العمليات قتلت من الجنود والمدنيين الإسرائيليين أكثر مما قتل منهم حزب الله منذ نشأته، وليس في السنوات ال18 السابقة فقط) أدّى الى تقلّص الرقعة الفلسطينية المستعادة مقاومةً وتفاوضاً، ثم الى اهتراء الساحة السياسية المنكوبة برحيل عرفات وبهتان من خلفه من جهة، و"لا سياسة" مقاومة حماس وحروبها الأهلية وارتهانها الى دمشق وطهران من جهة ثانية، وشراسة الهجوم الاسرائيلي الشامل من جهة ثالثة. فها نحن اليوم، نتيجة كل هذا، أمام وضع فلسطيني شعبي ورسمي استثنائي التدهور والتفكّك.


إنطلاقاً مما ذُكر، يجوز القول إنه من الأفضل لجميع من يودّ تناول الشأن الفلسطيني أن يُبعد فلسطين عن المقارنات. فالصراع فيها وأدواته وأساليبه لا تشابه بينها وبين ما وقع أو قد يقع في الجنوب اللبناني أو في أي منطقة عربية أخرى مجاورة للدولة العبرية. وأفضل ما يمكن قوله لأهلها بعيداً عن الحديث عن التفاوض أو المقاومة، هو تكرار قول إدوارد سعيد في أن الولوج الى التحرّر وانتزاع الحقوق الوطنية يتطلّب - إضافة الى الصمود في فلسطين - كسب معركة الرأي العام العالمي، تماماً كما كسبها النضال الجنوب أفريقي ضد التمييز العنصري.
أما الصراخ وأحاديث الغيب والمقارنات التبسيطية، فمزايدات عابرة لا تقدّم ولا تؤخّر، ويفيد مطلقيها لو يتواضعوا بعض الشيء.
زياد ماجد

Tuesday, November 10, 2009

بعض الصراحة ضروري

ثمة مرحلة قد انتهت منذ 7 حزيران 2009
مرحلة شهدت تضحيات وإنجازات كبيرة، أهمّها أولاً إخراج القوات السورية من لبنان بعد 29 عاماً على اجتياحها له. وأهمّها ثانياً تفكيك الأوهام والهالات القدسية التي كانت تحيط ببعض القوى، كما وببعض الخطابات والمواقف التبسيطية حول الوضع السياسي وأزمة النظام والحراك الطائفي والمناورات والتحالفات والقسمات المذهبية.
لكن المرحلة شهدت أيضاً إنكشافاً لنقص الإجماعات الوطنية على صراعات المحيط الإقليمي ومحاولات أطرافه التحكّم والسيطرة على بلد يعتبرونه ساحة للرسائل بالكلام والدم.
وشهدت كذلك المزيد من التصدّع في الثقافة السياسية وفي احترام المؤسسات الدستورية وفي الاستخفاف بالقانون والمبادئ الأساسية الناظمة للحياة الديمقراطية.
ورغم أن 7 حزيران أنتج هزيمة إنتخابية لمعسكر حزب الله وردّ على ما نفّذه الحزب في 7 أيار 2008 من فرض لقواعد سياسية بواسطة السلاح والاستباحة الميليشياوية لبيروت، إلا أن عجز المعسكر الاستقلالي (غير المفاجئ) عن بناء دينامية سياسية بعد الانتخابات لأسباب داخلية مرتبطة بفقدانه البرنامج وتضعضع تحالفه، ولأسباب خارجية متأتّية من مستجدّات إقليمية ومصالحات ضغطت عليه، تضاف إليها أسباب أمنية نتيجة الخشية من سعي المهزومين إنتخابياً الى معاودة الاحتكام الى رصاصهم، جعلت الأمور خلال مفاوضات تشكيل الحكومة تأخذ منحى تنازلياً ألغى الى حدّ بعيد نتائج الانتخابات وأعاد الامور الى ما كانت عليه في 6 حزيران 2009.

وينبغي القول إنه مقابل الأداء التراجعي للمعسكر الاستقلالي، تمكّن معسكر حزب الله من التموضع خلف العماد ميشال عون ورفع قدرته الابتزازية الى أعلى مستوى ممكن للإستفادة من الحاجة الماسة عند الرئيس المكلّف لتشكيل حكومة، وتحصيل أقصى ما يمكن تحصيله ليس من أجل الحصة في ذاتها فقط، بل من أجل ثلاثة أمور إضافية:
الأول، القول إن التوافق يعني على الدوام حكومات ائتلاف تمثّل الجميع بمعزل عن الانتخابات النيابية ومن يفوز فيها. وهذا مؤشر الى نحوٍ ثقافي سياسي يُؤثِر القفز فوق خيارات المواطنين وأهوائهم وتفضيل تركيبات "لويا جورغية" تجعل السلطة مجلس إدارة لا يستطيع أخذ القرارات، أي قرارات، إلا بالإجماع. وهذا في ذاته تعطيل للسلطة الشرعية ومؤسساتها، وترك للأمر اللاشرعي الواقع بالتصرّف وقت الحاجة.
الثاني، تيئيس كثر من الناس من جدوى الالتزام السياسي ومعناه، وتيئيسهم من التمسّك بحقّهم في العيش في بلد مستقل وحر وفي كنف دولة وقوانين. وطبعاً تساعد التركيبة المذهبية والمصالح الطوائفية لأكثر القوى على إنجاح هذا التيئيس.
الثالث، تذكير اللبنانيين بأن أحد الأطراف، أي حزب الله، يملك فائض قوة – مسلّح – يستطيع، إن لم يجرِ التجاوب مع ما يريد، إستخدامه لحسم الأمور. وهذا يشكّل مقتلاً للسلم الأهلي وللحياة المدنية عامة.
فهل بعد ما ذُكر، نكتفي بالمكابرة ونبتعد عن تطارح الأسئلة الصريحة حول الضروري فعله في الوقت الراهن، والواجب فعله تأسيساً للوقت المقبل؟ وهل نكتفي بالبهورة أو بالاستسلام لليأس؟
"تشاؤم العقل، تفاؤل الإرادة"، قال أنطونيو غرامشي في سجنه ذات مرة. لعل تذكّر قوله هذا مفيد بعض الشيء في هذه الأيام. ومفيد أيضاً البدء بالبحث في الممكن وفي المنشود...
زياد ماجد

Thursday, November 5, 2009

ثلاثة نماذج شرق أوسطية

يبدو الشرق الأوسط، وهو تسمية لمنطقة تتراوح تعريفاتها الجغرافية بين حدّ وحد وفقاً لخلفية المستخدم ومراميه، مساحة بائسة تبرز فيها دول قوية ثلاث: إسرائيل وإيران وتركيا.

الأولى، مهجوسة بالأمن والديموغرافيا، تحكمها شراسة عدوانية بحجة الخوف، وتتصرّف كقلعة محاصرة تبني الجدران العازلة مع محيطها الفلسطيني المباشر وتسعى الى قهره وقطع الماء والهواء عنه ليقرّ لها احتلالها وتوسيعها ما زرعته من مستوطنات وحواجز ونقاط تفتيش ومراقبة فوق أراضيه.

الثانية، توسّعية، تبحث عن جسور ومواطئ أقدام في الدول المحيطة بها، وتبني تحالفات مع أقليات مذهبية هنا وهناك، إنطلاقاً من إيديولوجيا وبترو دولار وطموح نووي، وانطلاقاً أيضاً من "سذاجة" أميركية استراتيجية في قراءة وضعها، جعلتها طليقة اليدين شرقاً بعد حرب أفغانستان ، وغرباً بعد حرب العراق.

والثالثة، متحرّكة بثقة واتّزان، مستندة الى حداثوية سياسية ومؤسساتية، تتكئ الى ماض أمبراطوري والى مجتمع تقليدي فيه من آثار المجتمعات المحيطة به - والتي حكمها لقرون - ما يسهّل تواصله العميق معها.

وعلى هذا الأساس، تبدو الدولة الاولى، إسرائيل، عاجزة عن النجاح في أي تطبيع أو اختراق أو تعايش مسالم مع دول المنطقة وشعوبها رغم استفادتها من الدعم الغربيّ ومن الوهن الفلسطيني والعربي. وهذا يبقيها في حال استنفار دائم، ويجعل منها دولة حربية لا صلة لها بجوارها سوى صلة الحقد والبارود.

والدولة الثانية، إيران، غير قادرة بدورها على إقامة العلاقات الحسنة والمطمئنة مع الجوار، ولو لأسباب مختلفة، تراوح بين المذهبية وبين خوف الجيران من جنوح السيطرة والتحكّم البادي على سلوكها. وهي لذلك، لا تملك أي حليف على مستوى الدول غير سوريا، "فحلفاؤها" الباقون منظمات أو جماعات أقلّوية تتعاطى معهم من موقع الراعي والمموّل والموظّف أكثر منه من موقع "الحليف"، ولو أنهم في الكثير من الحالات أصحاب مشروعيات شعبية ضمن بيئاتهم.

أما الدولة الثالثة، تركيا، فعلى خلاف الدولتين الأوليين، تبدو من خلال دينامية ديبلوماسيتها الرصينة مؤثّرة ومقبولة في أكثر دول جوارها، إن لم يكن جميعها. فها هي تصالح عدواً تاريخياً وضحية لأمبراطوريتها هو أرمينيا، وتطبّع أكثر فأكثر مع خصم عنيد هو اليونان (للعبور من بوابته نحو أوروبا)، وتستمر في استثمار عمقها التاريخي واللغوي والديني في آسيا الوسطى.

وهي، إضافة الى ما ذكرنا وفي ما يفوقه أهمية، حليفة في الوقت نفسه لكل من روسيا والولايات المتحدّة، قريبة في مذهبها الى المذهب الإسلامي الأكبر المنتشر في المنطقة والعالم. وقد بدأت تبتعد منذ سنوات عن العلاقة الوطيدة بإسرائيل، من دون أن يُظهر ابتعادها هذا ميلاً للتخلي عن حلفها الاستراتيجي مع "شمالي الأطلسي". وهي بالتالي تحافظ على علاقاتها بالقوى العظمى وبالمنظومات الدولية، وتقترب من عواطف وعقول قسم كبير من أبناء محيطها الجيو سياسي، وتحاول حتى تحسين علاقاتها بالأكراد، ضحاياها المستمرّين (وضحايا أنظمة ايران والعراق وسوريا، وضحايا أنفسهم أيضاً!)...

بذلك، يبدو المشهد الشرق أوسطي اليوم فيلماً ثلاثي الأبعاد وثتائي السرعة: بعد جامد هو الاسرئيلي، بعد متحرّك ببطء على حافة الهاوية هو الايراني، وبعد شديد الحراك من دون أن يكون حراكه مقلقاً أو مفزعاً، هو التركي.

أما الجمهور المتفرّج على المشهد وتفاصيله، فهو عربي لم تظهر الى الآن إمارات تحولّه الى لاعب، ولا إضافته بعداً جديداً على الصورة، يغنيها أو يعدّلها...

زياد ماجد