Tuesday, September 29, 2009

في أصل البلاء: الاستبداد

يذكّرنا الأداء الفضائحي للزعيم الليبي في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة بمدى الانحطاط المهيمن على المشهد السياسي العربي.
فأن يهذي "رئيس دولة"، سبق وصوله الى نيويورك ضجيجٌ حول المكان الذي قد يسعى لنصب خيمته الشهيرة فيه، لمدة ساعة وأربعين دقيقة، دون خشية تقييم لما يقول أو رصد لما يفعل، فالأمر مدعاة تأمّل في هول البلاء الذي أصاب الجماعة التي يُفترض أنه "يُمثّلها" منذ أربعين عاماً!
ذلك أن القول بالصفقات الدولية التي سمحت له بالبقاء على رأس بلاده، والتذكير بأنه دفع نقداً ونفطاً وشراءً للسلاح ثمناً لها، لا يكفيان لتفسير تربّع العقيد على عرش ليبيا منذ انقلابه في الفاتح من أيلول عام 1969. وهذا ما يحيلنا ربما الى البحث تكراراً في ما يفعله الاستبداد في المجتمعات المنكوبة به، وفي قدرته مع الوقت على تهشيمها – وهي المصابة أساساً بأعطاب النظم البطريركية والتركيبات القبلية والعشائرية – وجعلها متكيّفة معه وعاجزة عن إنتاج البدائل عنه، أو حتى وسائل الضغط الجدّية عليه.


وما يفعله الاستبداد يقوم على المزج بين "المأسسة" للأدوات القمعية والرقابية التي تدير شؤون البلاد والعباد، و"الشخصنة" المتمحور حولها كل إنجاز والمتحوّل عبرها التراجع تقدّماً. وهو يخلق عبر مزيجه المذكور مستويين من التعاطي مع المجتمع: الأول ملموس ومادي، والثاني رمزي ومعنوي، وكلاهما يودي الى المصيبة عينها...
في المستوى الأول، يؤسّس الاستبداد أجهزة مخابرات متعددة ومراكز قوى تأتمر به مباشرة، ويراقب الواحد منها الآخر، وتنشر جميعها الصمت والموت، كما تخنق المدن بوصفها مراكز الثقافة والانتاج والتنوّع.
ومع مرور الوقت، ينجح الرعب والتسلّط المباشر في تحويل عنفها الى عنف رمزي. فيكفي أن يخاف الناس من بعضهم ويراقبوا ذواتهم ويقمعوا آراءهم "لتجنّب الشرّ" حتى يستتبّ الأمر "للأشرار" ويطمئنّوا الى سيطرتهم.
وبالترافق مع ذلك، يشكّل حزب الاستبداد الحاكم (أو جماعته الأهلية)، بموازاة الأجهزة القمعية والبيروقراطية، أداة أخرى للنظام و"قاعدة اجتماعية" له. فمن خلال المنظمات و"المؤتمرات الشعبية" التي تضم الاتحادات النقابية والقطاعية كافة، ومن خلال الفروع التي تراقب المدارس والجامعات ومناهجها والإعلام العام وبرامجه، وتجيز تقديم منح التخصص وتوفير فرص العمل أو حجبها، يسيطر "النظام" على الشأن العام ومختلف مساحاته ومواقعه. فتصبح الطاعة له والولاء (ولو كذباً) قاعدة استمرار للناس وعيشهم بأمان.
أما في المستوى الثاني، فلا يظهر الحاكم قائداً لمجتمعه ونظامه فحسب، بل يتحوّل وسيلة لإقناع الناس بما "ينبغي" الاقتناع به. فيحيط شخصه بألقاب ويختلق حقائق ويلزم الجميع بتصديقها، أو بالتظاهر بتصديقها، وينشر صوره في طول البلاد وعرضها بوصفه "الأب المحبوب والزعيم المفدّى والسدّ في وجه المؤامرات". فتصبح رمزيّته المدّعاة هي ذاتها رمزية "الأمة" أو الوطن لاختصارهما بشخصه وبهامته.
بهذا، تنتفي إمكانية بروز القيم التعاقدية بين المواطنين، كما بينهم وبين "دولتهم"، ويتحوّل الحاكم الى شخص معنوي مفروض تقديسه، لا يجرؤ على المس به أو تناوله أحد، وتموت السياسة وتذبل الثقافة وتزداد أوصال المجتمع تقطّعاً، فيصبح عجزه عن إنتاج الحيويات والمبادرات شاملاً.
النتيجة: أن شخصاً مثل القذافي الذي يبدو اليوم في زيّه الفولكلوري وتصفيقة شعره وكتابه الأخضر أقرب الى التهريج منه الى أي شيء آخر، يتصرّف منذ عقود بمليارات الدولارات، وبحياة الناس إن شاء، ويعيّن نفسه ناقداً أدبياً وروائياً (على طريقة صدّام) ومصمّم سيارات ومفكّراً وحاملاً لواء العالم الثالث بأسره. ويصير طبعاً فرجة في المحافل الدولية يثير السخرية، والسخط، والحزن...
زياد ماجد

Tuesday, September 22, 2009

"حلّو عنُن"

يمكن التوقّف عند الكثير من الأمور في الكلمة المتلفزة للسيد حسن نصر الله في "يوم القدس". ويمكن التعليق على تأكيده القدرة "على دخول بيت المقدس بالباصات والفانات" ما أن يُباد نصف الجيش الإسرائيلي إن حاول دخول لبنان. ويمكن أيضاً الالتفات الى تفسيره أسباب فشل المفاوضات السورية الاسرائيلية عام 2000 وما إذا كانت الأمتار المحيطة ببحيرة طبريا هي السبب الفعلي أم لا، كما يمكن الخوض في نقاش حول تقييمه للأوضاع الإيرانية الداخلية التي ادّعى خبرة في فهمها ومعرفتها.
لكن ما نريد التعقيب عليه لا علاقة له بكل ذلك. هو ببساطة مرتبط بما كرّره السيّد نصر الله من استخدام لعبارة "حلّو عَنُن" في معرض مخاطبته من لا يساندون "المقاومة" (أي حزب الله) في لبنان.
فقد اعتبر، مشكوراً، أن الناس أحرارٌ في عدم دعم حزبه (واستطراداً نظامي طهران ودمشق إذ أعلن تشرّفه بالانتماء الى محورهما)، لكن عليهم بالمقابل أن "يحلّوا عنه"، أي أن يتركوه وشأنه.
أما شأنه، فليس سوى التصرّف بقراري الحرب والسلم في لبنان (ولو من موقع الدفاع عن النفس)، وبقراري الاستقرار والدمار (الخاصين بالناس إياهم المفترض أن "يحلّوا عنه")، وطبعاً وفقاً لتطوّر الأمور في المنطقة ككل.

وقضية "الحلّ عن" حزب الله هذه، تعكس أمرين.
الأول، ثقافة تناقض في الجوهر فلسفة التعاقد السياسي والاجتماعي في بلد ما، وتناقض بالكامل فلسفة الدولة ومعاني سيادتها في أي بلد بالمطلق.
ذلك أن كل تعاقد يتطلب تشاركاً في مختلف الأمور، موافقةً أو رفضاً وسعياً للتغيير أو التعديل. وفي كل الحالات لا مجال لترك أحد وحاله. كما أن أي وجود لدولة يقتضي سلطة لها ودوراً لا يمكن التعاطي معه في أبسط الأمور على قاعدة "الحلّ عن". فكيف إذا كان الموضوع هو الأخطر على الإطلاق، أي الصراع المسلح!
والأمر الثاني مرتبط بمناقضة "الديمقراطية التوافقية" التي لا ينفكّ السيد نصر الله ومسؤولو حزبه يشدّدون عليها هذه الأيام. وهي تعني بالنسبة إليهم مشاركتهم في كل أطر صنع القرار في المؤسسات، وحصولهم على "الثلث الضامن" في السلطة التنفيذية. لكنهم، حين يصل الأمر الى السياسة الخارجية أو شؤون الحرب والسلاح، ينسون أن ثمة ديمقراطية وأن ثمة توافقاً، ويعلنون أن "المقاومة" وحدها تخطّط وتقرّر وتنفّذ، وما على الباقين (ولو كانوا قسماً كبيراً جداً من اللبنانيين) إلا أن ينصاعوا لخياراتها أو يتركوها وحالها.
هو الانتقاء إذن، وهو يذكّر بانتقاءات أخرى قام بها السيد منذ فترة، متناقضة في ما بينها، ومناقضة أيضاً للديمقراطية التوافقية التي "يتمسّك" بها (من الحديث عن أكثرية شعبية مقابل الأكثرية البرلمانية بعد خسارته الانتخابات، وما في هذا من مخالفة لأبسط قواعد الديمقراطية التوافقية - وكل الديمقراطيات الانتدابية - الى الحديث عن حكم الأكثرية ومعارضة الأقلية شرط إقامة انتخابات جديدة، وكان ذلك إيام تركيزه على "الأكثرية الوهمية" وعلى "السلطة غير الشرعية" قبل أعوام قليلة)...
في أي حال، لا تبدو الفائدة كبيرة من المساجلة مع مقولات تبسيطية تنطلق من فهم خاطئ للمفاهيم والمصطلحات. ومن الأفضل ربما الاكتفاء بالتذكير بأن لبنان المنكوب بجغرافية سياسية تمارس الضغط الدائم عليه، محكوم بصغر حجمه وبتداخل ديموغرافيته الطوائفية وبتجاور قواه المجتمعية والسياسية المختلفة. وهذه وتلك لا تبدو مهيّئة "لتحلّ عن بعضها" أو "تفلّ" أو تترك أحداً يتصرّف بمصائرها وحيداً. ومن الضروري، بالتالي، البحث عن سبل أخرى (سلمية طبعاً) لتسوية الخلافات حين تنشب بينها...
زياد ماجد

Monday, September 14, 2009

ليس بأي ثمن

لا شك أن القوام السياسي الوطني لا يستقيم من دون تشكيل حكومة، وأن حضور القوى السياسية-الطائفية الكبرى في السلطة التنفيذية ضروري طالما أن فلسفة النظام كما توازن القوى الداخلي والإقليمي لا يتيحان تشكيل الحكومة أحادياً من قبل الأكثرية الفائزة في الانتخابات النيابية.

ولا شك أيضاً أن التحدّيات الأمنية والقانونية والاقتصادية التي يواجهها لبنان نتيجة التهديدات الخارجية، ونتيجة الهشاشة الداخلية والخلافات حول الخيارات الكبرى في البلاد تتطلّب حواراً جدّياً وبحثاً داخل المؤسسات حول سبل الحد من الاحتقان في الشارع والابتعاد (ولو مرحلياً!) عن حملات التخوين بانتظار التطورات الإقليمية وما ستحمله من انفراجات أو انفجارات.

وهذا كله يتطلّب تشكيل مجلس وزراء وإعادة الحياة الى المجلس النيابي، والعمل ولو بالحدّ الأدنى على تحويل "الستاتوكو" القائم من ستاتوكو متوتّر الى ستاتوكو هادئ يتيح بعض الحركة الاقتصادية من جهة، ويحدّ (نسبياً) من الإضرار الأمنية المتوقّعة إن تدهورت الأمور لاحقاً في المنطقة من جهة ثانية...

لكن تشكيل الحكومة، بما يرمز إليه في تفاصيله وفي الأحجام المعتمدة فيه، ينبغي ألا يكون مادة ابتزاز تلغي بالكامل نتائج الانتخابات النيابية وتطيح بحق الفائزين في ترجيح الموقف في السلطة التنفيذية، رغم الشراكة والتوافقية الطوائفية "الإلزامية"، خاصة وأن رئاسة المجلس النيابي قد آلت الى قطب من الأقلية يشكّل أحد طرفي الثنائية الممثلة الأكثرية الشيعية (والخاسرة الانتخابات على الصعيد الوطني).

بهذا المعنى، ينبغي ألا يبقى هاجس تشكيل الحكومة – بعد تعذّره في التجربة السابقة رغم مفاوضات 70 يوماً – ضاغطاً على الأكثرية حكراً، يستدعي التنازلات المستمرة، طالما أن ثمة من يعتقد أنه في أي حال، وبمعزل عن السياسة، يستطيع أخذ ما يريد بالقوة.

فليؤخذ الوقت، ولتتشكّل الحكومة فقط حين يتم الاعتراف بأن يوماً إنتخابياً طويلاً قد جرى في لبنان، وأن ناخبي الأكثرية (السابقة والمتجددة) اندفعوا إليه لأسباب أغلبها مذهبي وطائفي لا شك، ولكن تحت شعار سياسي واحد هو رفض سيطرة حزب الله وحلفائه (في الخارج والداخل) على البلاد، ورفض جعل 7 أيار آخر مطاف المرحلة المنصرمة.

ليس بأي ثمن إذن. وليس من دون الإقرار أيضاً، أنه إضافة الى المأزق السياسي المتفاقم والى الأدوار الخارجية المؤثرة فيه، ثمة مآزق متأتّية من شكل النظام السياسي المعتمد ومن آليات تشكيل السلطة وصنع القرار فيها، وهي سابقة للأزمة الحالية، ومرافقة لها، وصار ملحّاً البحث فيها...

زياد ماجد

Tuesday, September 8, 2009

مَن للنظام السوري في لبنان؟

تظهر التطوّرات الراهنة أن النظام السوري يستطيع استخدام أوراق إقليمية عدة لتخفيف الضغط الدولي عليه، لكنه يفتقر الى أي قاعدة شعبية في الدول التي يجد فيها هكذا أوراق، مما يجعله عاجزاً عن الحسم في ملفاتها. وهذا يدفعه، من خلال العودة الى ما أسميناه في مقال سابق "بسياسات الأب"، الى تقديم العروض المتناقضة لكسب الوقت ولكن من دون قدرة فعلية على إتمام الصفقات.
ذلك أن "كفاءة" النظام في توتير الوضع العراقي والسماح بتسلل "الجهاديين" وبقايا البعثيين الذين يحتضنهم الى بغداد لا تترافق مع ولاء له داخل العراق ترفعه فئات ضيقة أو واسعة من العراقيين وتفاوض خصومها على أساسه، واستضافته قيادة حماس وبعض الفصائل الفلسطينية في دمشق وتأثيره فيها لا تجعل منه قبلة أهل غزة يبايعونه قبل بحثهم في أي شأن داخلي أو إسرائيلي؛ والأهم، أن اختراقه مخابراتياً للكثير من المؤسسات اللبنانية التي أدارها لعقود وقدرته على الضغط الأمني لا تترافق مع غرام شعبي فيه، ولا مع تسليم مفاتيح الحل والربط له حتى في الأوساط التي تؤمّن له اليوم الغطاء وتسمح له بالحضور السياسي المباشر على الساحة الوطنية.
وقد أظهرت الانتخابات النيابية الأخيرة أن أياً من حلفاء النظام السوري لا يستطيع الفوز بأي مقعد في لبنان خارج المناطق ذات الأكثرية الشيعية. وحتى في تلك المناطق، فيجب أن يقبل حزب الله بضمّه، وهذا يتطلّب موافقة إيرانية مستندة الى مستوى التحالف مع سوريا وليس الى تفويضها الشأن اللبناني أو الإقرار بحضورها "الجماهيري" شيعياً.
وإن كانت زغرتا تناقض ما ذكرناه (وما أثبتته على الأرض نتائج راشيا والبقاعين الغربي والأوسط ثم الجبل الجنوبي فبيروت وطرابلس وعكار والمنية والضنية وسائر الشمال حيث لم يفز واحد أحد من مرشحي دمشق)، فإن نسب الأمور في تلك المنطقة الى العلاقة بسوريا تبسيط يلغي فهم الحيثيات المحلية وطبيعة الزعامات العائلية. وحتى في المناطق حيث فازت اللوائح العونية بمعظم المقاعد، فإن الخرق الذي حصل فيها كان على حساب المرشح الأقرب الى سوريا (أي القومي في المتن)!

وهذا الضعف الشعبي هو على الأرجح ما يفسّر بعض المشاهد اللبنانية هذه الأيام، ويبرّر عدم وقوع دمشق - عند الحديث عن عمل متجدّد للمحقّقين الدوليين في بيروت مؤخراً - على أي سياسي لبناني وازن يهاجم المحكمة الدولية بالنيابة عنها. فحزب الله يتعاطى مع الموضوع منذ تقرير "دير شبيغل" بحذر وبتنسيق مع طهران حصراً، والعماد عون يدير معركة حجمه في السلطة ولا يريد التعاطي في ما قد يؤذي معركته، والرئيس بري يؤاثر الترقب والصمت. بذلك، لا يبقى غير ضابط سابق (مشتبه به) وسياسيين ثانويين ليشتموا المحكمة ويرفعوا الهجاء والصراخ في وجهها. المفارقة أن الضابط السابق كان يتوعّد قبل الانتخابات وقبل هزيمة سوريا وحلفائها في 7 حزيران باستلام وزارة العدل وإدارة مختلف الملفات (بما فيها طبعاً ملف المحكمة)، فصار جلّ ما يطلبه اليوم أن يحاسب سعد الحريري بعض القضاة الذين يتظلّم من سجنهم له!
غير أنه من الضروري التنبّه الى أن الضعف الشعبي لا يعني بأي شكل ضعفاً لإمكانيات إثارة الشغب وإيقاع الضرر والتخريب لاستجلاب العروض أو تقديمها.
فالإرهاب والتعطيل من أسهل الأمور، أما الفرض والتسيير فهما من المؤشرات الى مواطن النفوذ الحقيقي. وهذا عادة ما لا يستطيعه إلا القادر على بتّ الصفقات وليس الداخل فيها مضارباً أو لاهثاً للعودة الى "تكتيكات الماضي" بأكثر رموز هذا الماضي بهتاناً...
زياد ماجد

Friday, September 4, 2009

في المعضلة اللبنانية

يبدو جلياً من تاريخ الأزمات في لبنان، في أعوام 1958 و1969 و1975 ومنذ 2005 حتى اليوم، أن النظام السياسي المستند الى بعض مبادئ الديمقراطية التوافقية لم يفلح في لجم التوترات ومنعها من التحوّل الى صدامات سياسية وأحياناً حروب. كما أن الفلسفة الناظمة له والقائمة على أساس البحث عن المشترك وبناء السلطة بالتحالفات الموسعة لتمثيل المكّونات العامودية للمجتمع لم تتمكّن من استيعاب الجميع أو طمأنتهم. وصيغة التوزيع الطائفي للمناصب في الدولة لم ترض الجماعات اللبنانية المختلفة التي راحت مع كل تبدّل تبحث عن تغييرها وعن تطبيق ما تعتبره أكثر تناسباً مع توازن القوى الطائفي المستجدّ (والمتحرّك).

يضاف الى ذلك، أن التأثير السياسي الضاغط للمحيط الإقليمي على اللبنانيين وعلى القسمة بينهم وعدم تمكّن هؤلاء من بلورة موقف موحّد تجاه الصراعات والخلافات الدولية والعربية وأشكال الانخراط فيها أو النأي عنها، لا بل اندفاع فئات عديدة منهم الى الانخراط في محاور متناحرة، أتاح للصراعات السياسية أن تتسلّل الى مؤسسات الدولة نفسها وتشّلها خلال الأزمات نتيجة تعدّد الرؤوس في النظام وانتمائها غالباً الى المحورين الخارجيّين المتنابذين. وهذا ما عطّل الحكم ونقل الاحتقان في أكثر من لحظة مفصلية الى الشارع.
ولعل متانة المعادلات الطائفية الحاكمة والتي لم تتعدّل سوى الحصص فيها منذ بدء تطبيقها عام 1943 وحتى اتفاق الطائف عام 1989 (ثم موجبات اتفاق الدوحة عام 2008)، وهي متانة تسبّب مناعة تجاه المحاولات الإصلاحية العميقة وتحشد دفاعاً عنها كتلاً طائفية كبيرة لا تُعنى سوى بما ستناله من مواقع وتحصر بالتالي هواجسها ومساعيها التعديلية بلعبة الأحجام في السلطة، لعل هذه المتانة هي ما يصعّب شروط تطور النظام السياسي التوافقي ويمنع بعض جوانبه من النجاح.



لذلك تبدو علامات الثبات في النظام علامات ضعف أكثر منها علامات قوة. لأن الثبات هو أقرب الى التمسّك بمؤدّيات النظام والحصص التي يؤمّنها في مؤسساته لممثّلي الطوائف، أكثر منه قرباً الى فلسفة التوافق التي تحاول توزيع مسؤوليات على الممثّلين هؤلاء لضمان استمرار تعاقدهم الوطني. كما أن التصاق الأكثريات الطائفية بنخبها في لحظات التأزّم، ولو أنه آلية دفاع عن هوية جماعية وعن مصالح يتوهّم أبناء طائفة امتلاكهم بشرطهم الطائفي لها، يجعل كل تنازل يمكن الإقدام عليه خلال البحث عن تسوية هزيمة جماعية للطائفة المذكورة وليس لنخبة معينة فيها. مما يجعل الحيلولة دون وقوع الهزيمة المفترضة كما الاستسلام لها مُنطلقين على حد سواء لتعبئة وحشد واحتمال صدام مع الطائفة الأخرى الصاعدة أو مع التحالف الطائفي المضاد. أكثر من ذلك، يجعل هذا الأمر النخب الطائفية نفسها قادرة على التكيف مع المتغيرات وقادرة على الالتحاق بأي مكوّن صاعد في طائفتها إن تمكّن من شق طريقه بطرق سلمية أو عنفية كما جرى خلال الحرب وفصولها المتتالية.

هل هذا يعني أن ثمة بديلاً عن التطبيقات الراهنة للنظام السياسي "التوافقي" ينبغي السير به؟
لا يبدو الجواب إيجابياً لأن تخيّل البديل ليس بسهولة انتقاد القائم، ولأن التغيير في ظروف احتقان ومخاوف ديمغرافية قد يكون أخطر من الإبقاء على السائد. وهذه معضلة الحالة اللبنانية منذ عقود.
على أنها معضلة قابلة للفكفكة يوماً ما، إن توفّرت الظروف والإرادة لذلك، وهذا شأن آخر...

زياد ماجد

Tuesday, September 1, 2009

فزّاعة التوطين


تحتاج كل تعبئة، خاصة إن كانت طائفية، الى نظرية مؤامرة تغذّيها وتبرّرها وتسمح لها بخوض معاركها.
ويبدو "التوطين" هذه الأيام "المؤامرة" الأكثر رواجاً وتوظيفاً للتعبئة ولخوض بعض الصراعات الداخلية.
فالعماد ميشال عون ومريدوه لا يتركون مناسبة من دون الإشارة الى هذه المؤامرة والى تصدّيهم لها، وهو التصدّي الذي يتسبّب بحسبهم بحرب كونية ضدهم. حتى أن أحدهم ذهب مرة الى حد "اكتشاف" أن سلاح حزب الله هو لمنع التوطين وأن المطالبة بنزع هذا السلاح هي مطالبة بالتوطين…
غير أن القضية لا تقتصر على البيئة السياسية العونية، ولو بدت أبرز اختصاصات الناطقين بلسانها. فثمة في 14 آذار من يهجس بالموضوع أيضاً مزايدةً على العونيين أو انتماءً الى ذاكرة السنوات الأولى من الحرب الأهلية الأليمة. وثمة في البيئة الحزب إلهية – الأملية – القومية (الزاعمة على الدوام مناصرة القضية الفلسطينية) من يحذّر من الأمر نفسه ويربطه بالديون الخارجية المستحقة على لبنان وبشروط الدائنين والهيئات الدولية المشاركة جميعها في "المؤامرة".
لكننا لا نقع عند أحد من كل هؤلاء على شرح لماهية التوطين ولشروطه وليومياته، وذلك بعد انقضاء 61 عاماً على وصول اللاجئين الفلسطينيين الى لبنان وإقامتهم فوق أراضيه.


فإن كان التوطين يعني منح الجنسية لحوالي 350 ألف فلسطيني (مع ما يعنيه الأمر ديمغرافياً-مذهبياً، وهنا ربما جوهر الموضوع)، فلا أحد يمكنه أن يفرض ذلك لأسباب عديدة مرتبطة بآلية اتخاذ القرارات في المؤسسات اللبنانية وضروة التوافق شبه العام فيها، وهو ما لا يمكن أن يحصل في موضوع مشابه.
وإن كان التوطين يعني منح الفلسطينيين حقوقهم المدنية والاقتصادية والاجتماعية، فهذا أقل ما ينبغي فعله لتنظيم شؤون لاجئين يعيشون في لبنان إنطلاقاً من الاتفاقيات الدولية ومن شرعة حقوق الانسان. ويمكن اتخاذ إجراءات تقوم على منح الفلسطينيين إقامات تخوّلهم العمل والتنقّل والتملّك ضمن الحدود القانونية السارية، من دون أن يعني ذلك إعطاءهم الجنسية (وبالتالي تغيير التركيبة الديمغرافية والانتخابية اللبنانية) أو التأثير على قرارهم بالعودة الى فلسطين في إطار حل في المنطقة (لا تبدو تباشيره قريبة في أي حال).
هذا مع العلم أن كثراً من الفلسطينيين يتمنّون الهجرة من لبنان نحو بلاد تتيح ظروفاً معيشية أفضل إذا تعذّرت عودتهم الى بلادهم.
أمّا إن كان التوطين شعاراً طائفياً وعنصرياً يُرفع للتغطية على المشكلة الفعلية التي يفترض أن تُثار ضمن مقاربة شاملة للمسألة الفلسطينية في لبنان، وهي مشكلة السلاح الفلسطيني، فالأمر يستحق بعض الملاحظات.
ذلك أن معظم من يتحدث عن التوطين وعن أشباحه، لا يشرح لماذا لا يصرّ على جمع السلاح الفلسطيني الموجود خارج المخيمات، في الناعمة وعلى الحدود اللبنانية السورية بقاعاً. كما أنه لا يعرض لخطّته لمنع التوطين ولمعالجة مشاكل المخيّمات ومنع المطلوبين من التسلّل إليها وتحويلها بؤراً أمنية تهدّد أبناءها وجيرانهم.
بهذا المعنى، يبدو التحذير من التوطين بحثاً عن تعبئة ضد لاجئين وجدوا أنفسهم منذ ستة عقود في لبنان بعد أن هُجّروا من أرضهم، ويبدو في الوقت عينه تغطية لسلاح يحمله البعض منهم لأسباب غير مبرّرة. والأهم، صار التحذير وكأنه تبرير لسلاح آخر، لبناني أهلي، إن من خلال ربطه بمقاومة التوطين، أو بمقاومة المتؤامرين لفرضه.
وبهذا المعنى أيضاً، تبدو الشرعية وسيادة الدولة اللبنانية على أراضيها، كما تبدو حقوق الإنسان وكرامات اللاجئين وعيشهم، شؤوناً لا تعني "مقاومي" التوطين الافتراضي ولا تهمّهم...

زياد ماجد

Tuesday, August 25, 2009

العودة الى الأب


يسجّل النظام السوري منذ فترة محاولة عودة في سياسته الخارجية الى أسلوبه القديم والى بحثه عن أدوار متوازية كان يلعبها على مدى ثلاثة عقود خلت.
فبعد عامين عصيبين عليه في ال2005 وال2006 إثر اغتيال الرئيس الحريري واضطراره لسحب جيشه من لبنان وبدء التحقيق الدولي عمله، تنفّس نظام دمشق الصعداء تدريجياً ابتداء من العام 2007 مستفيداً من تفاقم المأزق الاميركي في العراق وحاجة الأميركيين الى تنسيق حدودي معه، ومن الرغبة الاسرائيلية في استقراره خوفاً من البديل المجهول على حدود الكيان العبري الشمالية، ومن الدعم التركي له الهادف الى إبقاء أكراد سوريا بعيدين عن أكراد العراق والمحافظة على جار جنوبي موالٍ ومريح. كما استفاد من حربي تموز 2006 في الجنوب اللبناني ثم كانون 2009 في غزة وما رافقهما وتلاهما من ارتباك دول ما يسمّى بمحور الإعتدال العربي ومصالحة بعضها له، ومن الانفتاح الأوروبي عليه والفرنسي تحديداً مع وصول ساركوزي، ثم من نهاية ولاية جورج بوش وعودة السياسة الأميركية الى البراغماتية بعد مرحلة إيديولوجية طويلة، فقرّر بدوره العودة الى أسلوب العمل الذي كان الرئيس الأسد الأب كرّسه طيلة سنوات حكمه.
ما هو هذا الأسلوب؟
يمكن تعريفه بوصفه تموضعات يسعى النظام السوري من خلالها الى إيجاد الحاجة الدولية لدور له في التوّسط لحلحلة مشاكل إقليمية (يتسبّب هو نفسه بخلق بعضها) بهدف قبض ثمن الحلحلة أو مقايضة الثمن المذكور بأمور أخرى تضمن للنظام إكسيره.
وللمراقب أن يتذكّر أن الأسد الأب كان صديقاً للاتحاد السوفياتي وساعياً في نفس الوقت الى فتح كل الخطوط مع الأميركيين، ثم حليفاً رئيسياً لإيران في حربها مع العراق وركناً من أركان "الثلاثي العربي" (الذي ضمّه الى السعودية ومصر، بعد مروره في "جبهة الصمود والتصدي"). وكان نظامه مساهماً في نشر الفوضى في لبنان ووسيطاً لتهدئة الأمور فيه، ومسهّلاً لخطف الأجانب في بيروت ثم مرسالاً بين دولهم والخاطفين.
واليوم، بعد ما يبدو انتهاءً لسنوات عزلة بدأت أميركية عام 2003 ثم صارت دولية وخليجية ومصرية بعد عام 2005، عاد النظام الى قديمه.
يتيح انتخاب رئيس جمهورية في لبنان بعد تعطيله الأمر لأشهر طويلة مقابل التطبيع معه، يدّعي القدرة على ضبط حزب الله وحماس واصطحابهما الى طاولة المفاوضات ويؤّمن الدعم اللوجستي والعسكري لهما، يترك الغرب يراهن على إمكانية فك ارتباطه بإيران شرط ضمان مستقبل حكمه ثم يؤكد ثبات تحالفه مع الجمهورية الإسلامية وقدرته على التأثير إيجاباً فيها وإفادة الغرب نفسه من تحالفه هذا (ولعلّ وساطته للإفراج عن الموظفة في السفارة الفرنسية في طهران والمدرّسة الفرنسية في إصفهان رسالة أراد توجيهها في هذا الاتجاه وحصل على شكر فرنسي حار لقاءها!)
والأهم، يدعو لحلف إيراني تركي سوري عراقي، ولا يمانع من حلف مواز مع السعودية ودول الخليج.
لكن هل سينجح هذه المرة في استعادة قديمه وتجديده؟ وهل ثمة حاجة اليوم الى "قطر ثانية" في المنطقة؟ وهل الخدمات "الصغيرة" (حتى الآن) تعني الدول الكبرى؟
قد يكون الجواب عن السؤال برسم ما سيجري في الأشهر القادمة بين إيران وإسرائيل والغرب في الشأن النووي وارتدادات ذلك عربياً ودولياً.
في الإنتظار، يدفع الشعب السوري ثمن ارتياح النظام المؤقت الى وضعه ونسيان عواصم "حقوق الإنسان" للسجناء السياسيين القابعين في زنزاناته.
ولاحقاً قد ندفع نحن اللبنانيين الثمن، إن لم تتشكّل السلطات السياسية وتتحصّن المؤسسات الأمنية. ذلك أننا اعتدنا أن يُصرف عندنا كل فائض في "نجاح" النظام السوري، كما كل فشل ذريع...

زياد ماجد

Tuesday, August 18, 2009

إمارة غزة

يصعب توصيف البلاء الذي أصاب قطاع غزة منذ سنوات

حصار إسرائيلي، وإقتتال بين حركتي فتح وحماس حسمته الأخيرة ففصلت القطاع عن الضفة وعن "السلطة" الفلسطينية، ومقاطعة دولية وعزل اقتصادي وسياسي، ثم حرب إسرائيلية مدمّرة، فاشتباكات داخلية وقمع وفرض لقوانين ظلامية، واليوم نزاعات متنقّلة وتصفية دموية لتنظيم يُقال إنه سلفي جهادي أعلن "الإمارة" ورفض التسويات.

ويصعب النظر الى ما يجري في غزة خارج منطق النزاعات الأهلية المفتوحة على احتمالات الانهيار الكامل.

فأن تُهاجَم عائلات ويُنكَّل بشبّانها بحجة انتماء سياسي متّهم بالسعي لتهديد "الأمن"، وأن تُطلَق النيران خلال الحرب الإسرائيلية وبعدها من "مسلّحين" على مواطنين لتأديبهم بحجة امتلاكهم السلاح، ثم أن يُبحث في إلزامية "الحجاب" وفي سبل نشر "الفضيلة" وفرض "مقتضياتها" على الناس ومعاقبة "المسيئين" لها منهم، تبدو الأحوال الغزاوية سائرة نحو سيناريوهات مرعبة لا تشكّل المعارك الأخيرة بين حماس وجند أنصار الله سوى أحد تجلياتها.

ذلك أنه لا قعر للانهيار حين يعتبر المسؤولون عنه والساقطون مع ركامه أنهم فوق القانون إذ يطبّقون الشرع، وأنهم "نخبة مصطفاة" يمثّلون الحق ولا يحتاجون للتفاوض مع أحد على شراكة وتعاقد في تدبير شؤون قضية أو أرض أو بشر.

كما أنه لا قعر للإنهيار حين يصبح التعاطي مع السياسة والاقتصاد مستنداً الى شعارات من عالم الماورائيات لا حسابات فيها ولا دراسات جدوى ولا تحديداً واضحاً للمصالح والتطلّعات.

*****

منذ سنتين ونيّف، قال الشاعر محمود درويش تعليقاً على ما جرى ويجري في غزة: "... ما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة، لأنهما من جذر لغوي واحد، فما حاجتنا للدولة… ما دامت هي والأيام إلى مصير واحد؟..."

لخّص بكلمات معدودة مأساة تغييب العقل وتغليب الغيب على العلم، ومأساة ازدراء الدولة. الدولة التي تحوّلت تفصيلاً لا قيمة له فوق أرض "الوقف" والقتال والموت. والدولة التي لا يظهر في غيابها غير شبح "الصوملة" يحوم جالباً الخراب، والدمار الشامل...

زياد ماجد

Tuesday, August 11, 2009

أربع قضايا لمرحلة جديدة

لا يمكن اعتبار الخروج المتوقّع للنائب وليد جنبلاط من تحالف 14 آذار (بمعزل عن تقييم توقيت الخروج وأسلوبه) سوى نهاية مرحلة. مرحلة كان يفترض في أي حال إنهاؤها بعد الفوز بالانتخابات في 7 حزيران والردّ ديمقراطياً على 7 أيار. إنهاؤها من خلال التأكيد على الشعارات الاستقلالية والاستقرارية التي أنتجت انتصاراً في صناديق الاقتراع، والإعلان عن بدء البحث الجدّي ليس في إعادة تشكيل السلطة التنفيذية فحسب، بل أيضاً وأولاً في أربع قضايا أثبتت السنوات الماضية استحالة القفز فوقها، وصارت تتطلّب مقاربة أبعد من الاصطفاف وفق شعارات تحقّق بعضها بعد نضال وصمود وتضحيات، فيما يرتبط البعض الآخر بالقضايا الأربع التي نقصد.
- القضية الأولى هي تحديد موقع لبنان في المنطقة ودوره فيها وسبل التعبير عن هذا الدور. وفي ذلك ما يؤدّي الى ترجمة مقولات كمثل "العروبة" و"الممانعة" و"الدفاع عن الأمة" أو "لبنان أولاً" و"محور الاعتدال" وغيرها الى خيارات واضحة في السياسة الخارجية وتعهّداتها، بما فيها الحربي، وفي التوجّهات الاقتصادية والقانونية التي تمليها المواقع والأدوار المختلفة. وليُتفّق عندها على ما يمكن اعتباره قواسم مشتركة. فإن تعذّر ذلك، أمكن على الأقل التلاقي حول شكل الانخراط التزاماً بأي موقع، وحول تغليب الديبلوماسية والإعلام على سواهما في هكذا انخراط.
- القضية الثانية هي سيادة الدولة فوق كامل أراضيها وامتلاكها حصرياً قرارات الحرب والسلم، وما يقتضيه الأمر من حوار طويل (وهادئ) مع حزب الله بشأن سلاحه الواجب وضعه تحت أمرة مؤسسات الدولة (التي يشارك أساساً فيها)، وفق المتفق عليه من تحديد لموقع لبنان في المنطقة، أو لشكل انخراطه في "شؤونها".

- القضية الثالثة هي صيغة النظام السياسي التوافقية المعتمدة منذ العام 1943، ومدى قدرتها على الاستمرار في استيعاب التبدّلات وتلبية المطالب المتزايدة للمذاهب والجماعات. وربطاً بذلك، البحث في أي إصلاحات يحتاج إليها النظام في لبنان بعد كل الأزمات التي عصفت به، والتي تداخل فيها الخارج بالداخل على الدوام، فأنتجا قسمات غالباً ما استندت الى خطوط فصل طائفي، استتبعتها إعادة توزيع للسلطة ولأحجام المشاركة فيها بهدف الطمأنة أو الاحتواء أو تغيير التوازنات. وهذا ما شجّع دورياً كل طرف رئيسي على المطالبة بتوسيع مشاركته وتعديل حصصه (وبالتالي حصص الآخرين) إن اعتبر الظروف – خارجية كانت في منطقة لا استقرار فيها، أو داخلية – مؤاتية.
- القضية الرابعة هي المسألة الاجتماعية الاقتصادية، وهي مسألة ضاغطة بعد أن ضاعت على لبنان بإمكاناته الذاتية المحدودة ثلاث فرص للاستفادة من الطفرات النفطية (في العام 1975 مع اندلاع حربه الأهلية، وفي بداية الثمانينات خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم في السنوات الخمس الأخيرة)، وبعد أن تفاقمت مدينونيّته في عالم مأزوم اقتصادياً، وبعد أن تحوّلت الزبائنية في إداراته ومؤسساته الى عنصر كبح لإمكانات التحديث. ويُعطف على ذلك طبعاً موضوع توزيع الدخل وخلق الوظائف والسعي للتنمية المناطقية المتوازنة، تخفيفاً لضغط على الدولة وعلى المواطنين مرشّح للتصاعد ما إن تتقلّص المساعدات والهبات والتحويلات من الدول والهيئات الأجنبية، ومن اللبنانيين المقيمين في الخارج.
يمكن أن نضيف الكثير من القضايا إن أردنا بلورة أجندة إصلاحية لبناء الدولة وتكريس الاستقرار. من قضايا المرأة وحقوق الانسان الى قضايا البيئة والعمران مروراً بكامل ملفات قوانين الانتخاب واللامركزية الإدارية واستقلالية القضاء والتعليم العام... لكن الأمر قد يصير أشبه بالرفاه النظري المُشيّد على واقع متهالك لا نملك سبل تدعيمه، إلا إذا قرّرنا البدء بالحوارات الجادة، خارج المناوشات البليدة والحسابات العقيمة.
زياد ماجد

Tuesday, August 4, 2009

في خطورة التبسيط

لم تحجب المراوحة السياسية الداخلية وما يتخلّلها من تصريحات "مثيرة" للنائب وليد جنبلاط (تستدعي نقاشاً مستفيضاً قد يكون الخوض فيه ضرورياً مع تبلور ملامح التموضع الجديد لرئيس الحزب التقدمي) خطورة بعض المواقف الصادرة عن مسؤولين في حزب الله. ومكمن خطورة المواقف هذه هو في تبسيطها لقضايا سياسية لبنانية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد في مرحلة حبلى بالاحتمالات.
في الأسطر التالية، تطرّقٌ لثلاث مقولات تكرّرها المواقف المشار إليها.
- "لسنا بحاجة لضمانات لا لسلاحنا ولا للمحكمة الدولية"
تتناول هذه المقولة مسألتين، لكل منهما شقّان داخلي وخارجي. فالسلاح مشكلة داخلية تعاظمت منذ سنوات وكان 7 أيار أبرز تجلّياتها. وهو كذلك على تماس مع القضايا الخارجية نتيجة القرارين الأمميّين 1559 و1701، ونتيجة العلاقات الإقليمية، وطبعاً نتيجة التهديدات الإسرائيلية واحتمالات حروبها بالمباشر مع إيران أو بالواسطة مع حليف طهران اللبناني. أما المحكمة، فهي أولاً دولية، ولاتهاماتها انعكاسات على مجمل علاقات المعنيين بها. وهي ثانياً لبنانية لكون ما سيصدر عنها ذا انعكاسات مباشرة على الديناميات الداخلية في لبنان، السياسية والقضائية والمذهبية والأهلية.
فكيف يمكن في حال وُضع حزب الله (أو وضع نفسه) في عين العواصف وفي موقع التهديف، إن في قضية السلاح وارتباطاته واحتمالات حروبه أو في شبهات المحكمة واتهاماتها أن تكون الأمور مطمئنة الى هذا الحد، وأن تكون الحاجة للضمانات – الداخلية على الأقل – منتفية؟
يمكن فهم المكابرة أحياناً في الشؤون الصغرى، ويمكن استيعاب الرسائل السياسية لرفع المعنويات أو للردّ على الابتزازات أو للتأكيد على مواقع القوة والشكيمة. لكن ما لا يمكن فهمه أو تبريره هو النظر الى القضايا العظيمة الخطورة بوصفها شؤوناً بسيطة لا حاجة للتحاور أو للتضامن حيالها...
- "تل أبيب مقابل الضاحية والحرب القادمة ستغيّر خارطة المنطقة"
تتوجّه هذه المقولة الى الاسرائيليين والعالم، والى اللبنانيين، وبخاصة القاطنين في الضاحية الجنوبية لبيروت. وتتوجّه أيضاً الى العرب والى السوريين أنفسهم، إذ يصعب اعتبار دمشق خارج خارطة "الشرق الأوسط"... وتهدف الى القول إن معادلة أي حرب مقبلة لن تكون بأقلّ من ضرب تل أبيب، ولن تقف عند الحدود اللبنانية الإسرائيلية، بل ستمسّ كل حدود المنطقة وتوازناتها السياسية. وهذا يتطلّب ليتحقق، تغيير أنظمة وتعديل معاهدات وحدود، وتبديل تحالفات، أو أقلّه إحداث صدمة إقليمية كبرى تترك تداعيات عميقة في المنطقة.
فهل هذا الأمر ممكن في عالم اليوم وعلاقاته وضوابطها؟ وهل هو متاح لحزب محلي أن يغيّر خرائط إقليمية؟ وهل يتطلّع حلفاء الحزب الخارجيين الى هذا التغيير أساساً أم أن في الكلام ما يوحي برسائل غير مباشرة لهم؟
أما معادلة تل أبيب – الضاحية، فتترك باب التأويلات مفتوحاً على معادلات قرى الجنوب والبقاع ومدنهما، مضافة الى معادلات بيروت ولبنان عامة بناسه وطرقاته ومؤسساته وبناه التحتية والفوقية... وهي، حتى ولو هدفت الى رفع مستوى التحدّي لردع الاسرائيليين، لا تكفي للطمأنه بعد أن شهدنا معادلة حيفا – الضاحية منذ ثلاثة أعوام.
كان يمكن القول مثلاً إن النتائج السياسية المترتبة عن أي عدوان لن تكون بأفضل لإسرائيل من نتائج حرب تموز 2006 التي لم تحقّق خلالها حكومة أولمرت أهدافها رغم التدمير والقتل الجماعي (وهما في أي حال ليسا بالتفصيل)! لكن استسهال الكلام يدفع الى "بهورات" لفظية لا تفيد أصحابها. فكيف "بأهلهم" وسائر المحيطين بهم؟

- "لا فارق بين أوباما وبوش وغيرهما من الرؤساء الأميركيين"
تتكرّر هذه العبارة منذ فترة، على شكل لازمة للخطابات المتناولة شؤوناً خارجية. وهي لا تعكس جهلاً بالواقع الأميركي فحسب، بل وتعكس أيضاً مناعة تجاه محاولات فهم السياسات الدولية للقوى العظمى بالمتحرّك فيها والثابت.
فأن يكون التماثل هو الحكم المبرم على بوش الإبن وأوباما، وأن يكون صاحب حربي العراق وأفغانستان الرافض لفترة طويلة التدخل في الموضوع الفلسطيني والمحاط بنخبة من الإيديولوجيين الشديدي الولاء لإسرائيل ولمفاهيم التغيير بالقوة للأنظمة والمجتمعات متماهياً مع خصمه الواعد بالانقلاب على ميراثه، الساعي لمصالحة أوروبا والعالم والمركّز على المسائل الاقتصادية والاجتماعية داخل بلاده، والمحاول دفع إسرائيل الى التفاوض الجدّي مع الفلسطينيين، فالأمر يدعو للعجب.
هل هذا يعني أن لا ثوابت في السياسة الأميركية؟ طبعاً لا. وهل هذا يعني أن أميركا ستتراجع عن دعمها لإسرائيل؟ طبعاً لا ثانيةً. لكن الفارق بين الدعم الإيديولوجي غير المحدود، والدعم التقليدي المرفق بضغوط وسعي للتسويات ليس بسيطاً. أما الفارق بين الأحادية القطبية والتعاون الدولي وما يمكن أن يتيحه من فرص نتيجة التنوّع والتعدد فأقلّ بساطة.
على أن العقول التصنيفية والتعميمية عندنا قادرة، إن قُيّض لها بقلة إدراكها للاختراقات الممكن إحداثها في ظل إدارة براغماتية ونظام يتأثّر بالإعلام و"باللوبيينغ"، على دفع الأميركيين الى الانكفاء من جديد عوض الاختلاف مع الإسرائيليين في لحظة تبدو فيها الكيمياء السياسية (والشخصية) بين أوباما – ميتشل ونتنياهو – ليبرمان شبه مفقودة. فهل هذا ما نريده؟ وهل لا ضرورة لحملات إعلامية ولجهود ديبلوماسية باتجاه الإدارة الأميركية الجديدة وسائر إدارات دول العالم لحثّها على التدخل وممارسة الضغط على الإسرائيليين لإنهاء الاستيطان والانسحاب من الأراضي المحتلة والامتناع عن إقحام المنطقة في حروب جديدة؟
إن واحدة من مآسينا في العلاقة مع العالم، كانت اقتران الضعف العسكري والاقتصادي بالجهل والكسل الديبلوماسيين وبالتسليم على الدوام بتبعات التواطؤ الأميركي الإسرائيلي دون محاولات جدية وعقلانية لمقارعتها. فإذا بالبعض هذه الأيام يعتقد أنه عدّل الميزان العسكري، وهذا يكفيه. المشكلة أنه لم يعدّله فعلاً (أو كفاية) من جهة، وأنه أغرق في اعتناق نظرية المؤامرة وتصنيفاتها السهلة من جهة ثانية. فبات حتى في بعض ما قد يكون عدّل أشدّ ضعفاً وقدرة على التأثير الخارجي، تماماً كما صار بسبب التكبّر ورفض الضمانات أكثر عرضة للعزلة وللنبذ الداخلي...
زياد ماجد

Tuesday, July 28, 2009

في الديمقراطية التوافقية

تستهلك الحياة السياسية في لبنان كمّية من المصطلحات، وتجترّها غالباً وفق توظيفات واستخدامات خاطئة علمياً، إضافة الى تهافتها حتى في الواقع السياسي الوطني.
ولعل مصطلح "الديمقراطية التوافقية" هو أكثر تلك المصطلحات تعبيراً عن هذا الاستهلاك المتهافت في السجالات والمقولات المتداولة في السنوات الأخيرة.
فإن سعى مُكلَّف لتشكيل حكومة موسّعة، قيل إن المطلوب هو قيام حكومة "وحدة وطنية" تقتضيها "الديمقراطية التوافقية". وإن قَرّر طرف تعطيل المؤسسات والمساق السياسي الحكومي، قاطعها أو استقال منها أو أوصد أبواب بعضها بحجة "الشرط الميثاقي" المستند الى مبادئ "الديمقراطية التوافقية"! وإن طَرح أحدهم ضرورة البحث في سبل إصلاح النظام السياسي واحترام مبدأ فصل السلطات وإتاحة الفرصة للجميع بالتمثّل في المجلس النيابي من دون قسرية تشكيل حكومات هجينة يمكن تعطيل القرارات فيها، رُدّ عليه بإن "الديمقراطية التوافقية" تتطلّب مشاركة كل القوى في السلطة التنفيذية على نحو لا يسمح لأحد باحتكار الحكم واتخاذ القرارات التي تهدّد فئات لبنانية، أو بالأحرى، التي لا تقبل بها هذه الفئات...

ولكن ما هي "الديمقراطية التوافقية" أصلاً؟
تقوم فلسفة الديمقراطية التوافقية على أساس أن المجتمعات ذات التنوّع الإثني أو اللغوي أو الديني تحتاج الى أنظمة تُطَمئن مختلف مكوّناتها وتُتيح لهذه المكوّنات المشاركة والتمثّل في السلطات على نحو يجعل اتخاذ القرارات الكبرى (المرتبطة بالكيانات وحدودها وسيادتها وحروبها ومعاهداتها وتغيير نظمها) بأكثريات مطلقة متعذراً، ويُلزم الحكومات بالتالي ثم البرلمانات بعدم إقرار ما لا يحظى بأكثريات موصوفة لا تقلّ عن الثلثين.
وهي – أي فلسفة الديمقراطية التوافقية – تفترض أنها بحرصها على جميع مكوّنات المجتمع إنما تحول دون الأزمات وتدفع الجميع في لحظات الخلاف الى تسويات تحتكم الى الآليات المؤسساتية والى ما تنصّ عليه من شروط لاتخاذ القرارات.
على أنها، تتطلّب لاعتمادها، عناصر تأسيسية لا غنى عنها:
- وجود حكم مركزي يملك في مؤسّساته الحق الحصري في اتخاذ القرارات، بالأكثرية المطلقة في الحالات الإدارية والإجرائية، وبالأكثرية الموصوفة في الحالات المصيرية.
والأكثرية الموصوفة ليست بالضرورة حكومية، فهي في الأساس تشريعية إذ أن القرارات الحكومية تحتاج الإقرار البرلماني. وهذا ليستقيم، يشترط فصل السلطات فصلاً صريحاً.
- وجود نظام لامركزية موسّع يتيح للمناطق (في حال كان التنوّع في المجتمع يتّخذ منها شكله السياسي) ممارسة سلطات موسّعة في الخدمات (مع وجود حكومات ومجالس منتخبة في الحال الفيدرالية)، من دون تهديد مركزية السياسات الوطنية.
- وجود مجلسين، للنواب وللشيوخ يتوزّعان الصلاحيات، مع انتخاب شعبي غالباً ما يكون وفقاً للنظام النسبي وبتقسيمات للدوائر تعكس تنوّع الهويّات القائم وتؤمّن له البروز.
وتتشكل الحكومات لاحقاً من الأحزاب المنتمية الى العائلة السياسية أو الى التحالف السياسي الفائز بالعدد الأكبر من المقاعد. ويكون ممثلّوها من جميع الدوائر – المناطق. فتأتي بالتالي متجانسة سياسياً ومتنوّعة مناطقياً (وبالتالي فيها ممثلون من مختلف الجماعات الدينية أو الإثنية/القومية أو الثقافية/اللغوية، إلخ).
- وجود آليات تحكيم داخل المؤسسات يجري الاحتكام إليها لاحتواء مضاعفات أي خلاف على قضايا جوهرية. وهذا بدوره له أحكامه، وفي حالات معيّنة يمكن الذهاب الى استفتاءات شعبية مناطقية أو وطنية تخضع بدورها لشروط واعتبارات.


هل هذا فعلاً ما نعتمده في لبنان؟
يبدو ممّا سبق عرضه، ولو باختصار، إن ما يُستخدم في اللغة والممارسات السياسية في لبنان في السنوات الأخيرة بعيدٌ عن "الديمقراطية التوافقية" كما هو مُتّفق على تعريفها واعتمادها.
- فلا فصل السلطات عندنا مُحترم – رغم أنه واضح في الدستور – إذ أن الجميع يشارك في تشكيل السلطة التنفيذية، وتمتلك مختلف الكتل النيابية حصصها فيها. وهذا يجعل الحكومة الى حد بعيد صورة مصغّرة عن البرلمان ويُبطل بالتالي مبرّر عمل الأخير في ما يختص بمراقبتها ومساءلتها، هذا عدا عن إلغاء موجبات وجود معارضة فاعلة تحقّق توازن الحياة السياسية.
- ولا سلطة الدولة وحدها على مجالات السيادة مُحترمة، بل ثمة مجموعات تحصر الفعل السيادي بها، وتقيم علاقاتها وتحالفاتها الخارجية المختلفة والمتناقضة. وأكثر من ذلك، ثمة من بينها من يملك قرار الحرب والسلم ويستطيع اتّخاذه دون العودة الى الدولة، لحيازته المقوّمات اللازمة لذلك (سلاح وجهاز قتالي وأرض يتحرّك فوقها وتحتها بمعزل عن الدولة).
- ولا اللامركزية لجهة التنمية والمرافق الإدارية موجودة، إذ أن الدولة شديدة المركزية خدماتياً، والإدارة فيها قليلة الفعالية، أما البلديات ومجالس الأقضية، فمهمّشة أو مغيّبة.
- والأهم، أن مبدأ التوافق كفلسفة في الحكم، غير موجود عندنا إلا لضرورات قسرية، وهو في أي حال مطلب تنادي به مجموعات وتريد الاستناد إليه لتعطيل "حصة" غيرها، في وقت ترفضه إن طال "حصّتها"!
وهذا يسمح في جملة مؤدّياته، لا الى استمرار الأزمات من دون فرملة داخلية فحسب، بل وأيضاً الى استحداث آليات تحكيم وحلّ نزاعات خارج مؤسسات الدولة: في التشكيلات الأهلية والدينية حيناً (مما يبقيها قوية ومستنفرة ومُضعفة للولاء الوطني)، وفي الخارج أحياناً أخرى، عند اشتداد الأزمات وتفاقمها.
بهذا المعنى، يأتي التوافق قسرياً تفرضه الخشية من الانزلاق الى الحروب. وإن لم يجد من يفرضه قبل الانزلاق، ذهب الجميع الى الاقتتال فاستجلبوا التدخل لتغذية اقتتالهم أو لفرض وقفه!
من هنا، يستمرّ لبنان في التخبّط بأزماته، وتتناسل الأزمة من سابقتها، أو أحياناً تأتي من الخارج مباشرة لتجد في القسمة الداخلية من يرحّب بها رغبة باستخدامها تحسيناً لشروطه في مواجهة منافسيه، أو طمعاً بما يمكن أن تجلبه له من مقوّمات مادية تعزّز سلطته ونفوذه داخل جماعته الأهلية والمناطقية.

هل هذا يعني أن الاحترام الفعلي لفلسفة الديمقراطية التوافقية إن تم، يحلّ مشاكلنا؟
لا نعتقد ذلك لأسباب عديدة تستحقّ نقاشاً مستفيضاً. لكن أبرزها قائم في ثلاثة عناصر.
الأول، عام، مردّه أن نظام الديمقراطية التوافقية حين يُقرّ، يأتي ترجمة لتوازن قوى معيّن في المجتمع، يمكن أن يكون ديموغرافياً أو اقتصادياً أو استراتيجياً. وهذا التوازن عرضة للاختلال ما إن تتغيّر معادلاته وتحالفات المنضوين فيه وميولهم وتطلّعاتهم. كما أنه عرضة للتبدّل كل ما خرج طرف رئيسي عن نقاط التوافق التأسيسية له.
بذلك، يتحوّل النظام الذي أنتجته الرغبة في إرضاء الأطراف المتعاقدة وتجنّب الأزمات في ما بينها، الى مصدر للتأزّم في ذاته نتيجة التجاذب الذي قد يتعرّض له، ونتيجة عجزه عن إدارة الصراعات إن نشبت ورفض أطرافها الامتثال لما يُمليه، مفضّلين تعديل شروطه وتغيير آليات تقاسم السلطة من خلاله.
وهذه الأمور كثيرة الحدوث في لبنان. فأي نظرة للاصطفافات الطائفية وتبدّل تحالفاتها الداخلية والخارجية وتعدّل ديمغرافيتها تشير الى سرعة الوقوع في أفخاخ المطالبات من هذا الطرف أو ذاك بتعديل قواعد التواصل أو الاشتباك المعتمدة سابقاً. مما يعني أن الساعي الى التعديل كما الرافض له إن امتلكا مشروعيتهما الشعبية يستطيعان شلّ النظام سلمياً وتسهيل الخروج عليه ثم ضربه في المؤسسات كما في الشارع.
الثاني داخلي، مفاده أن القدرة على الاستقطاب الطائفي في لبنان غالباً ما تتصاعد عند الطوائف جميعها في المرحلة نفسِها. وهي بالتالي تفرض مشروعيات طائفية لا يمكن تجاوزها عند تشكيل السلطة، في شقّيها الحكومي والبرلماني. ففي اللحظات الحرجة (وهي كثيرة!)، غالباً ما يكون رئيس الحكومة هو السني الأقوى، ورئيس المجلس هو الشيعي الأقوى (أو المفوّض من الأقوى) حتى ولو كان أقلوياً في المجلس. ويصعب بالتالي أن يتجاوز أحدهما الآخر مما يعيق العمل لمجرّد تباين آرائهما وصولاً الى تعطيله. أما رئيس الجمهورية، المُنتخب من النواب، فيقبع بين حاجته لمشروعيّته المسيحية من ناحية، وارتباطه بالأكثرية النيابية التي انتخبته من ناحية ثانية، مما يمكن أن يُضعفه ويجعله خاضعاً للابتزاز إن لم يُخرج مؤسسة الرئاسة من أسر يفرضه الواقع الطائفي، ويحوّلها الى موقع تحكيم أو ترجيح مستقل فعلاً.
كما أن المأزق في لبنان الناتج عن تناقضات في الخيارات الخارجية بين المجموعات الطائفية، لم ينتج تسوية يقبل الجميع بها وتستند الى مبدأ التحييد أو الحياد عن صراعات المحاور والدول. وبذلك، يمكن عند أي إثارة لشأن خارجي، أن تعترض مجموعة قوية في تمثيلها الطائفي، أو أن تعتكف أو تستقيل، فتُسقط باعتراضها القوام التوافقي عن السلطة وتشلّها.
وهذا ممكن من دون سلاح، فكيف والصواريخ مملوكة بالآلاف؟
السبب الثالث، خارجي، وهو متأتّ من القدرة المتنامية "للخارج" على التدّخل في لبنان نتيجة عمق التباينات الداخلية في النظرة الى هذا الخارج، ونتيجة الحاجة إليه لضبط الأمور أو حسمها إن تأزّمت لبنانياً وانتفت إمكانات التفاهم أو الوصول الى حلول داخلية لها.
ولعلّ رصداً بسيطاً لانزلاق الأثر الخارجي من لعب أدوار تسووية يتوّجها انتخاب رئيس للجمهورية (فؤاد شهاب مثالاً) الى حدّ الضغط راهناً باتجاه البحث في تركيبة الحكومة أو حتى في أدبيات بيانها الوزاري، يشير الى ازدياد الانكشاف على الخارج وتحويله مركزاً تحكيمياً فائق الأهمية قد يسهّل شؤوننا إن اتّفق لاعبوه الرئيسيون، أو قد يعجّل في دفعها الى الانفجار إن اختلفوا وأرادوا اعتماد جغرافيتنا بريداً لرسائلهم.

لهذه الأسباب، تتّسم الدعوة المستمرة للبحث في طبيعة نظامنا السياسي واقتران عجزه بالمعضلات التي تدفعه إليها الأزمات في أطوارها المختلفة، كما تتّسم المطالبة الملحّة بضرورة الحوار حول موقع لبنان في المنطقة وعلاقته بالخارج وأشكال ترجمة هذه العلاقة، بالأولوية المطلقة.
فعلى عكس ما يعتقد البعض، لا يمكن النأي بلبنان عن الأهوال المحيطة فيه، أو النائمة في مجتمعه، إن لم يُفتتح هذا البحث الشاق ويُبدأ الحوار حوله بمثابرة ونفس طويل.
وهذا طبعاً يقتضي، وقبل أي شيء آخر، حدّاً من الاستقرار وحرية القرار. وقد كانت الانتخابات الأخيرة مؤشّراً الى ميل اللبنانيين للانتصار للحدّ المذكور والإتيان بمن بفترض أنهم يمثّلونه. فهل ستُستغلّ الفرصة قريباً للتفكّر الجدي بطبيعة أزمتنا المركّبة، أم أن الاستسهال والركون الى الحلول المؤقتة سيظلان الميزة الاولى لحياتنا السياسية؟
قد لا يبدو الجواب مطمئناً. لكن التذكير بالسؤال يبقى واجباً...
زياد ماجد

Tuesday, July 21, 2009

عن قضية المرأة وحقّها في منح الجنسية لأولادها

بعيداً عن القضايا السياسية الكبرى التي تشغل الرأي العام، على أهميتها ووجاهتها، وبعيداً عن الهموم الإقليمية وما يُرجّح أن تحمله من مقايضات أو صدامات، قد يكون التطرّق أحياناً في المقالات والكتابات اليومية الى أمور إجتماعية وحقوقية وبيئية (هي أيضاً سياسية) مفيداً للتذكير بأن في لبنان شؤوناً كثيرة يمكن تغييرها أو إصلاحها.
ولعل في القرار الشجاع الذي أصدره القاضي والمشرّع المجتهد جون قزّي في ما خصّ حق إحدى السيدات اللبنانيات في منح الجنسية لأبنائها، ما يفتح الباب للبحث في واحد من هذه الشؤون.
فشأن الجنسية ومنع المرأة من منحها لمن تلد هو واحد من المجالات العديدة التي تعاني فيها النساء اللبنانيات من التمييز، ولو أنه على الأرجح أعمقها دلالة، إذ هو يعكس وعياً تشريعياً لا ينظر الى المرأة بوصفها كاملة المواطنة أو تامة الإنتماء الى وطنها (على نحو يسمح لها بنقل المواطنة والانتماء الى أولادها). وهو بهذا المعنى أحد تجليّات منظومة ثقافية وتشريعية متكاملة تميّز ضد النساء، إن في قوانين الأحوال الشخصية، أو في قانون العقوبات أو في القوانين الراعية للمداخيل والتعويضات الاجتماعية والصحية أو تلك الخاصة بنهاية الخدمة.
يضاف الى ذلك، التمييز ضدها في الميادين السياسية وفي قيادة المؤسسات العامة (والخاصة).
وليس احتلال لبنان المركز 129 من أصل 139 في سجل تمثيل المرأة البرلماني (نسبة النساء في برلمان 2009 هي 3,1 في المئة بعد أن كانت 4,7 في المئة في برلمان 2005)، واحتلاله كذلك أحد المراكز الاخيرة في التمثيل الوزاري (3,3 في المئة في الحكومات الثلاث الأخيرة) سوى تعبير عن عمق الأزمة المجتمعية في ما يخصّ موقع المرأة، رغم التقدم الحاصل على مستويات أخرى ذات صلة بالتحصيل العلمي والرعاية الصحية والحريات الفردية أو المسلكية.

وقد بات من الملحّ اليوم على الإصلاحيين والمتطلّعين الى بناء الدولة الحديثة، اعتبار قضية المرأة قضيتهم، والعمل (نساء ورجالاً) على تطوير الحملات الهادفة – على سبيل المثال - الى:
- إلغاء القوانين المميزة ضدها، ومنحها الحق في إعطاء الجنسية لأولادها ولزوجها.
- اعتماد الكوتا النسائية في الانتخابات والتعيينات الإدارية (وفق توصيات المؤتمرات الدولية في هذا المجال، وبالأخص مؤتمر بكين عام 1995) لتحسين حضور المرأة في المواقع القيادية وتعويد المجتمع على صورتها رائدة ومسؤولة (والإقلاع عن الشعار الباهت "بأن المطلوب ليس زيادة عدد النساء لأنهن نساء، بل المطلوب النوعية"، وكأن السياسيين أو الإداريين الرجال جميعاً من "النوع الخارق"، أو كأن المطلوب من المرأة أن تكون متفوّقة ليُقبل بانخراطها في الشأن العام في حين أن لا ضرورة لأن يكون الرجل أكثر من عادي، أو أقلّ من ذلك في أغلب الأحيان!)
- رفض العنف الذي تتعرّض له أُسَرياً واجتماعياً، وتجريمه قانونياً.
ويمكن بالطبع إضافة العديد من المسائل الأُخرى. لكن ولوجها يتطلّب البدء من مكان ما. ولعل ما ذُكر نقطة انطلاق...
إن الانتصار لحق نصف المجتمع بأن يتساوى مع النصف الآخر هو، الى كونه مدخلاً للتحديث والتنمية الإنسانية والمساواة، والى كونه "بداهة" حقوقية، واحد من المهام المواطنية (السياسية)، ومساهمة في التأسيس لمستقبل تقوم العلاقات فيه على أساس مقدار أعلى من الاحترام والعدالة والتسامح...
زياد ماجد