تحاول هذه الورقة المنشورة في "مركز الجزيرة للدراسات" الوقوف عند ما آلت إليه المبادرة الفرنسية في لبنان اليوم، وما يمكن أن تؤول إليه التطوّرات في المقبل من الأيام.
ملخّص
تنفيذي
مرّ
أكثر من ستة أشهر على إعلان الرئاسة الفرنسية "مبادرة إنقاذية" تجاه
لبنان، عقب انفجار المرفأ في بيروت في 4 آب/أغسطس 2021 وزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل
ماكرون الى العاصمة اللبنانية ودعوته الأفرقاء المختلفين الى تشكيل "حكومة
مُهمّة وطنية" تُباشر سلسلة إصلاحات اقتصادية وسياسية وإدارية، كشرط لتوفير
دعم مالي دولي تحشده فرنسا.
وكان ماكرون قد حدّد "مهلة
شهر" للمسؤولين اللبنانيين لتشكيل الحكومة المنشودة والبدء بالإصلاحات،
مراهناً على انفتاح باريس على جميع الأطراف الداخليّين والإقليميين المؤثّرين،
وعلى قدرتها على التدخّل الفعّال في مرحلة انكفاء أميركي تسبق الانتخابات الرئاسية
وانتظار إيراني لنتائج تلك الانتخابات وتراجع سعودي لانشغال بالحرب اليمنية والخلافات
الخليجية ومسائل توريث السلطة.
إلّا أن المهلة الفرنسية انقضت،
والضغوط والوساطات الباريسية فشلت حتى 20 شباط/فبراير 2021 في إحداث خرق في جدار الأزمة
السياسية، رغم تكليف رئيس حكومة اعتذر لاحقاً عن التشكيل وتكليف رئيس ثانٍ ما زال
يفاوض داخلياً وإقليمياً بلا تقدّم حاسم. ذلك أن الشروط السياسية والشروط المضادة
والخلاف حول الأحجام والحصص بين القوى السياسية الطائفية الرئيسية في لبنان
معطوفاً على ما بدا رغبة إيرانية في التريّث ترجمها حزب الله بترك الساحة "لاشتباكات"
ومفاوضات لا تنتهي بين حليفيه المتنابذَين، رئيس الجمهورية ميشال عون (وتياره)
ورئيس مجلس النواب نبيه برّي من جهة، وخصمه الذي يتمسّك به رئيس الحكومة المكلّف سعد
الحريري من جهة ثانية، جميعها تحول دون تأليف حكومة جديدة وتحول أيضاً دون اتّخاذ
حكومة تصريف الأعمال الإجراءات المطلوبة دولياً لمساعدة لبنان.
بموازاة ذلك، تستمر الأوضاع
الاقتصادية والمالية بالتردّي ومعها أحوال أكثرية اللبنانيين المُفقرين، وتُفاقم تداعيات
جائحة كورونا من مفاعيل الأزمة وانعكاساتها على الفئات المتدنّية الدخل. كما تستمر
الأوضاع الأمنية بالتوتّر وتتصاعد ممارسات القمع التي تعتمدها أجهزة الدولة بحقّ
المعترضين. ووقع في 4 شباط/فبراير تطوّر خطير تمثّل في اغتيال الناشط السياسي والمثقف
المعارض لحزب الله لقمان سليم، في عملية ولّدت خشية من عودة مسلسل الاغتيالات الذي
شهده لبنان على وقع أزماته السياسية بين العامين 2004 و2013.
يُفضي كلّ هذا الى الاستنتاج
بصعوبة حدوث انفراجات سياسية كبرى، حتى لو تشكّلت حكومة، بسبب المراوحة الاقليمية في انتظار بدء المفاوضات الأميركية الايرانية، وبسبب خصائص النظام اللبناني
القليل المرونة لجهة شروط توافقيّته التي تتيح للأطراف القوية تعطيله ولجهة ثقافة
نخبته السياسية الحاكمة ومصالحها وحماية حزب الله لها وغياب الأفق التغييري أو
توازن القوى القادر على إزاحتها.
وهذا يعني أن المبادرة الفرنسية
التي لم يُعلن الرئيس ماكرون بعدُ تراجعه عنها فشلت في تحقيق ما صبت إليه، ولو أن
اتّصالات جديدة تشي بمحاولة باريس تفعيلها.
