Thursday, January 2, 2014

محمد شطح ومحمد الشعار والحياديّون

أنهى السفّاحون العام 2013 في لبنان بجريمة جديدة استهدفت الوزير السابق، الديبلوماسي والأكاديمي محمد شطح، واستهدفت معه أشخاصاً صودِف مرورُهم أو وجودُهم في موقع المقتلة. ولأن النقاش السياسي المتّصل بالأمر قد استُنفِد في ظلّ مناخ لبناني ثابت على انقساماته ومصرّ أحدُ أطرافه المدجّج بالصواريخ والمنخرط في الحرب ضد الشعب السوري على جرّه تجاه المزيد من المصائب، تكتفي هذه العجالة بالمرور على أربع مقولات راجت بعد الجريمة في الأوساط المحايدة أو المدّعية حياداً وابتعاداً عن الانقسامات القائمة.

المقولة الأولى هي تلك المتسائلة عن "المستفيد من الجريمة". وتساؤلها هذا ينبع من مزيج بلاهةٍ ورغبة نفيٍ لمسوؤلية النظام السوري وحزب الله عنها. ذلك أن القول بالفائدة قول عجيب بعد 14 اغتيالاً أو محاولة اغتيال في السنوات التسع الماضية استهدفت معسكراً سياسياً واحداً في لبنان، وبعد حملات تهديد وتخوين وحفلات شتم واجتياحات مسلّحة استهدفت نفس المعسكر، وبعد سقوط مئة وثلاثين ألف قتيل في سوريا! فما هو المقصود بعد كلّ هذا بسؤال "الفائدة"، وكأن إعدام الخصوم واحداً واحداً ليس" مفيداً" للقتَلة أو كأن ذبح عشرات الألوف لإخماد ثورة هو فعل مضرّ للمجرمين إذ يقومون به.

المقولة الثانية، تكمل سابقتها فتحوّل إسرائيل الى المتّهم بتصفية من سبق للنظام السوري وحزب الله على مدى سنوات أن وسموه بالعمالة المباشرة أو غير المباشرة لها (ولحلفائها). هكذا يجري تحويل تل أبيب الى شركة تعهّد اغتيالات هدفها الأبرز في لبنان منذ سنوات طويلة هو تصفية خصوم "الممانعة والمقاومة" لأسباب غامضة أو لمجرّد الرغبة في تشويه سمعة الممانعين والمقاومين، الذين غالباً ما يردّون على الأمر بالشماتة بالمغدورين وبتوزيع البقلاوة احتفاءً بمصرعهم (أي بنجاح إسرائيل في النيل منهم)! والأكثر وقاحة أن البعض يستخدم أمر اتهام إسرائيل لاستكمال الابتزاز والتخوين الذي يسبق جرائم الاغتيال، مخوّناً من يستبعد "الصهاينة" عن دائرة الاتهام، معتبراً إياه ساعياً لتبرئتهم لدوافع مشبوهة.



المقولة الثالثة تردّدت عقب انتشار الصور المفجعة للشاب محمد الشعار الذي كان مع أصحابه وآخرين قرب مبنى ستاركو، فصرعه الانفجار. والمقولة هذه تكاد تلقي اللوم على محمد شطح في التسبّب بمقتل الشعار والمواطنين الستة الآخرين إذ مرّ على مقربة منهم، أو هي تساوي - في أحسن الأحوال - بينه وبين القتَلة الضاغطين على زر التفجير. وحين يتناول الأمر "ناشطو مجتمع مدني" يدّعون ضجراً من السياسيين، يخال المرء أن محمد الشعار قضى في حادث سير نتج عن مشاحنات مضجرة بين شطح وخصومه عند تقاطع طرق، أو أنه سقط نتيجة تبادل إطلاق نار بين شطح وسياسيّين آخرين. وهذا "الحياد" وأصحابه هو منتهى الجُبن وانعدام الأخلاق، وهو تقصّد لتجهيل الفاعل أو على الأقل لاعتبار المقتول الأعزل مسؤولاً كما القاتل صاحب العبوات الناسفة عن الموت المعمّم. وحسناً فعل ذوو الشعار وأصدقاؤه إذ ذكّروا في التشييع أن فقيدهم الغالي قتله المجرمون أنفسهم الذين قتلوا محمد شطح، وأن المسؤولية الجرمية والسياسية تقع حصراً على الأوغاد هؤلاء.

أما المقولة الرابعة فمفادها استنكار لتسبّب جريمةٍ بمقتل "أبرياء ومظلومين لا شأن لهم بالسياسة وصراعات السياسيّين". ووفق هذا المنطق البائس، لا تكمن المشكلة في التفجير الذي وقع بل في سقوط ضحايا غير (أو الى جانب) المستهدَف به، ويبدو المقتول المستهدَف غير بريء وغير مظلوم. فهو سياسيّ والقتل "أمر طبيعي" إن استهدفه من خصومه السياسيّين. وفي هذا تطبيع مع العنف وقبول به بوصفه واحداً من قواعد اللعبة السياسية، وما على الضحية سوى تجنيب الناس الضرر المحتمل أن يتسبّب به تفجيرها العقابي لآرائها ومواقفها...

على هذا النحو تعامل بعض اللبنانيين مع حدث مأسوي جديد. ولمواجهة منطقهم هذا يُفيد لناشطي المجتمع المدني الذين يميّزون بين القاتل والقتيل (بمعزل عن مواقفهم السياسية والفكرية من القتيل نفسه) التحرّك للردّ عليهم، ولمنع شعارات "الحياد" و"رفض ثقافة السياسيين وممارساتهم" من التحول الى أدوات تغطية على الجرائم ووسائل تبييض للمجرمين ومساواتهم بطرائدهم.
 زياد ماجد