Wednesday, December 17, 2014

الحرب الإقتصادية على روسيا

لا يمكن توقّع انهيار الاقتصاد الروسي قريباً ولا يمكن الحديث كذلك عن انهيار مالي روسي وشيك. فثمة احتياطي نقدي بالعملة الأجنبية لدى المصرف المركزي في موسكو يقدّر بـ350 مليار دولار، وثمة ثروات نفطية وغازية ومعدنية وخشبية وصناعات عسكرية وموارد زراعية وحيوانية وسمكية تحصّن روسيا وتجعلها الاقتصاد التاسع في العالم.
لكن ما يمكن توقّعه في الأشهر المقبلة هو أزمات اقتصادية ومالية روسية خانقة، بدأت ملامحها تظهر هذا الخريف، وهي مرشّحة للتفاقم وللتحوّل عنصرَ وهنٍ يصعب ألّا تكون له مع الوقت آثار سياسية، خاصة أن منشأها هو بشكل أساسي سياسي، خارجي.

فما أسباب هذه الأزمات في روسيا، وما هي آثارها حتى الآن؟
ثمّة سببان رئيسيّان ينجم عنهما سبب ثالث.

الأوّل، العقوبات الغربية (الأوروبية والأميركية والكندية) واليابانية المفروضة على موسكو بسبب ضمّها جزيرة القرم وتدخّلها العسكري شرق أوكرانيا. وهذه العقوبات تطال أفراداً وشركات ومصارف، جاعلة علاقةَ الأخيرة بالأسواق المالية العالمية شبه معدومة. وقد قدّر وزير المالية الروسي الخسائر الناجمة عن العقوبات لعام 2014 بأربعين مليار دولار، وهي على الأرجح ستتصاعد العام المقبل.

السبب الثاني، والأهمّ، هو تراجع أسعار النفط خلال الأشهر الستة الأخيرة بشكل قياسي، إذ وصل سعر البرميل الى قرابة الستين دولاراً، بعد أن كان فوق المئة. وهذا أدّى الى حرمان روسيا في العام 2014 من دخل مقداره 50 مليار دولار، وسيحرمها العام 2015 إن استمرّ سعر البرميل دون السبعين دولاراً من قرابة المئة مليار دولار إضافي، علماً أن الموازنات الروسية مبرمجة في ما يخصّ الدخل على أساس سعر البرميل بمئة دولار. وبحسب موسكو وطهران، فإن تراجع أسعار النفط ومعها أسعار الغاز يتمّ نتيجة سياسة مقصودة تستهدفهما لإنهاكهما وفرض تراجع كبير على مداخيلهما. وتحمّل روسيا وإيران السعوديةَ (بالتنسيق مع واشنطن) المسؤولية عن الأمر، فيما يضيف خبراء الى المسؤولية السعودية (والخليجية العربية) في الأوبك عنصراً آخر هو بروز "غاز الشيست"، أي الغاز الصخري، وتواضع أسعاره واحتمال بدء تحوّله تدريجياً الى مصدر بديل للطاقة، لا سيّما في الولايات المتّحدة الأميركية.

وقد نتج بسبب العقوبات وتراجع أسعار النفط (الذي يبدو عقوبة مضاعفة) وضعٌ جديدٌ صار في ذاته سبباً ثالثاً للأزمة في روسيا: هروب أموال من القطاع المصرفي الروسي ومن بعض الاستثمارات خوفاً من الأوضاع السياسية ومن مفاعيل العقوبات والحرب الاقتصادية. وتُقدّر قيمة الأموال التي غادرت روسيا بـ130 مليار دولار العام 2014. وتسبّب الأمر بتراجع سعر صرف الروبل مقارنة بالدولار واليورو وسائر العملات، وفقدت العملة الوطنية الروسية في تسعة أشهر أكثر من 30 في المئة من قيمتها.


كلّ هذا أدّى الى تراجع النموّ في روسيا الى أدنى مستوى له منذ العام 2008، إذ لم يتخط عتبة 0,2 في المئة. وسيؤدّي التراجع المذكور، مقروناً بتراجع الروبل، الى فقدان كتل نقدية من احتياطي الخزينة بالعملات الاجنبية التي يضطر المصرف المركزي الى ضخّها للجم التدهور، كما سيؤدّي على الأرجح الى ارتفاعٍ في معدّلات البطالة وتراجعٍ في قدرة المؤسسات الصناعية على الاقتراض.


وإذا استمرّت العقوبات على ما هي عليه أو حتى تفاقمت طيلة العام المقبل، وإن استقرّت أسعار النفط على حالها، فإن التراجع الاقتصادي الروسي في العام 2015 سيكون أكثر حدّة، وستكون آثاره شديدة الخطورة بدءاً من العام 2016. وما قد يعقّد الأوضاع أن الكرملين يودّ المكابرة واعتبار الأمر عارضاً، ولا تظهر حتى الآن علامات تبدّل في سياساته العدوانية الأوكرانية والسورية تخفّف عنه الضغط الاقتصادي الغربي والنفطي الخليجي. وهو في مكابرته المعطوفة على مكابرة حليفه في الملفّ السوري، أي إيران، يُطيل أمد المواجهة ويدفع روسيا نحو مشاكل إقتصادية ومالية عظمى لن تخرج منها بسهولة، وقد تلزمه في نهاية المطاف تبديل ما لا يريد تبديله اليوم من مقاربات توسّعية ذات أوهام أمبراطورية...
زياد ماجد