يتصاعد التوتّر منذ أيام في منطقة الكاريبي، بعد قرار الرئيس الأمريكي إحكام الحصار البحري حول فنزويلا منعاً لخروج ناقلات النفط العملاقة من موانئ البلاد، واستكمالاً للضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري الذي تمارسه واشنطن على كاراكاس.
يأتي ذلك بعد عقدين من التأزّم في العلاقات بين أمريكا وفنزويلا على خلفية ما شهدته الأخيرة من تبدّلات سياسية بعد انتخاب هوغو شافيز رئيساً لها العام 1998 ونقله بلاده خلال حكمه الممتدّ حتى العام 2013، تاريخ وفاته، الى موقع مناوئ لواشنطن سياسياً من ناحية، والى اقتصاد تسيطر عليه الدولة المركزية، بعد أن كانت تحكمه كارتيلات ورجال أعمال على صلة وثيقة بشركات أمريكية، من ناحية ثانية. وإذا كانت "المسألة الديموقراطية" قد اعتُمدت بعد العام 2005 لتبرير فرض عقوبات تدرّجت في قسوتها، فإن العقوبات الأخيرة والسياسات الترامبية لم تعد تلجأ كثيراً الى الحجة الديمقراطية، بل تستخدم ذرائع أخرى لتبرير الضغوط.
وينبغي القول هنا إن هيمنة شافيز المطلقة على مقدّرات الحُكم طيلة 15 عاماً، واستمرار خلفه نيكولا مادورو على النهج نفسه منذ 12 عاماً، وسوء الأداء الاقتصادي (رغم النجاح لفترة في تقليص الفقر عبر الانفاق الاجتماعي وتحسين ظروف الأحياء المدينية الشعبية) والفساد المستشري في الإدارة، وصعود برجوازية جديدة تنتقم من القديمة (شديدة الفساد) وتقلّدها في نفس الوقت، إضافة الى العنف والانقسام الحاد في المجتمع واتهامات المعارضة للرئيسين السابق والحالي بالتزوير، معطوفة على العقوبات الغربية وتراجع أسعار النفط الذي تشكّل صادراته 90 في المئة من صادرات فنزويلا، وفشل السياسات الصناعية والزراعية (التي فاقمها جفاف العامين 2015 و2016 وشحّ المياه)، أدّت جميعها الى انهيار اقتصادي ومالي وحالات تضخّم قياسية مضطردة، لم يشهد التاريخ العالمي مثيلاً لها. ترافق ذلك مع هجرات كبيرة وحالات لجوء وزّعت حوالي 6 ملايين فنزويلي على دول أمريكا اللاتينية، في حين وصل أكثر من 700 ألف الى الولايات المتحدة ووصل آلاف آخرون الى دول أوروبية، لتتخطّى نسبة من غادروا البلاد الـ20 في المئة من السكان.