Tuesday, July 7, 2009

بعد انتهاء مرحلة

يمكن القول إن المعطى الثقافي كان نقطة ضعف بارزة في مسار الانتفاضة الاستقلالية.
ذلك أن لا أفقاً إصلاحياً مبنياً على برامج تؤسس لثقافة سياسية جديدة جرى تظهيره ليشكل تحصيناً للاستقلال، ولا بعداً ثقافياً جرى بناؤه يربط الاستقلال الوطني بالحرية والديموقراطية، في معانيهما العريضة، وانعكاسات ذلك الواسعة اجتماعياً وسياسياً في البلاد.
ومردّ هذا ليس فقط الأولوية التي فرضتها "المعركة" ضد الهيمنة السورية وحلفائها اللبنانيين على وجاهتها، ولا الضغط الأمني والاغتيالات المترتّبة على تلك "المعركة" وما تسبّبت به من إرباك وإنهاك.
السبب يكمن ربما في عاملين مهمّين هما:
أ- طبيعة التحالف الذي جمع قوى متعددة الخلفيات والمشارب الفكرية والسياسية، ومختلفة التكوين، أكثرها أهلي طائفي، وأقلّها مدني علماني، لم يوحّد جهودها سوى الشعار الاستقلالي، وهو في كل حال كان كافياً لفترة، ولم يبقها متماسكة سوى الاصطفاف المضاد لها، الأهلي والطائفي بدوره وذي الثقافة أو بالأحرى الإيديولوجيا الشمولية، وحدّة خطابه وعنف مسلكه وهجومه الشامل عليها.
ب- عجز القوى والشخصيات الإصلاحية في 14 آذار عن طرح شعاراتها بفاعلية، والتصاق أكثرها (كما أكثر المثقفين العاملين معها) بالخطاب السياسي التعبوي، حتى ولو قفز أحياناً من موقف الى آخر، وذلك نتيجة الشعور بواجب الاختيار بين معسكرين من جهة، ونتيجة الاستسهال والرغبة أحياناً في القرب من القوى الكبرى وجماهيرها من جهة ثانية.
.هذا من دون أن ننسى أن الطائفية، كسمة تكوينية لمعظم التيارات الكبرى في لبنان وكنظام تصريف لحيوياتها وكمنطلق استقطاب وتمثيل داخل المؤسسات وفي مجمل أنحاء الحياة السياسية، هي في ذاتها عائق أمام إنتاج أي ثقافة إصلاحية أو تغييرية خارج التوازنات والاعتبارات المذهبية


إنطلاقاً من ذلك، من المفيد التذكير اليوم بمجموعة قضايا تهمّ شريحة واسعة من المواطنين، ممّن ناصروا المعركة الاستقلالية، وممّن قد تحبطهم بعض التحوّلات الإقليمية والداخلية المقبلة. وهم معنيون بهذه القضايا وبتحويلها أجندةً سياسية تستكمل ما عملوا في سبيله في السنوات الأربع أو الخمس الماضية.
- قضية الإصلاح بوصفها تأسيساً لثقافة مواطنية، وفيها قانون الانتخاب وضرورة إدخال النسبية إليه، وفيها اللامركزية الإدارية، وفيها أيضاً تدعيم السلطة القضائية وإعادة التشديد على مبدأ فصل السلطات كركيزة دستورية مؤسساتية، وفيها كذلك الإدارة العامة وضرورة تطويرها.
- قضية الدفاع عن الديمقراطية وعن الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان ورفض كل أشكال الرقابة السياسية والأمنية والطائفية على الإبداع وعلى الرأي والتعبير.
- قضية التصدي لمختلف أشكال الابتزاز وعدم الرضوخ للتخوين، والاستمرار في الدفاع عن قيم الاستقلال والاستقرار ورفض ربط لبنان بالمحاور الخارجية بوصفها شروط حماية مجتمعه من التفكك والتشرذم.
- قضية إصلاح النظم المالية والضريبية والإنتاجية لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
يبقى التأكيد أن الانكفاء بحجة الثقافة أو بحجة عدم الرضا عن أداء مختلف الأطراف السياسيين، هو استقالة من المسؤوليات المواطنية وهروب من الواجبات الثقافية والسياسية. فمن دون استقلال واستقرار، لا حرية مضمونة ولا إصلاحات ممكنة ولا ثقافة حية.
ومن دون تحصين الاستقلال بورش الإصلاح وأدبيات المواطنة ستبقى الأمور في نقطة المراوحة بين "ثلث ضامن" من هنا و"سلاح ضامن" من هناك تفرغ 14 آذار 2005 و7 حزيران 2009 من الكثير من مضامينهما وتدفع بأقسام من الجمهور الذي انتصر في التاريخين الى الانكفاء في لحظات ما زالت الحاجة فيها كبيرة للتماسك والتضامن.

زياد ماجد