ثبّتت إسرائيل خلال حملة التدمير والإبادة في غزة وبعد هزيمة حزب الله العسكرية في حرب إسناده غير المدروسة لحركة حماس سطوةً عسكرية على كلّ من سوريا ولبنان، تستند الى احتلال ميداني لمواقع استراتيجية في جنوب البلدين والى سيطرة كاملة على سمائهما، بما جعلها قادرة على التصرّف بحرّية فيهما، قصفاً وقتلاً وتخريباً واغتيالا، مدعومة في اعتداءاتها وجرائمها من واشنطن، ومتروكة بلا ضغوط أوروبية أو دولية لِلجمها
جرى ذلك ويجري في ظلّ عجز سياسي وميداني سوريّ ولبناني عن الردّ عليها، أو حتى التصدّي لطائراتها الحربية والاستطلاعية، وفي ظلّ انقسامات شعبية داخل البلدين، طائفية، على صلة بدورها أو ارتباطاً بحزب الله وحليفه الإيراني المتحارب معها
على أن الاختلافات بين سوريا ولبنان داخلياً
وفي العلاقة مع العنصر العدواني الإسرائيلي، كما في شكل الحُكم وأدواته وفي
الخطابات التعبوية والتكفيرية التي باتت تُفضي سوريّاً الى مذابح، تتسّع باضطراد
اليوم، نتيجة عاملين. الأول أن الولايات المتحدة الأميركية داعمة للحكم السوري،
وقادرة لاحقاً على جمعه بالاسرائيليين وجعلهم يتراجعون عن زعم "دعم الأقليات"
مقابل التطبيع والترتيبات الأمنية التي يريدونها والتي يأخذ البحث فيها وقتاً،
لأسباب عدّة منها إصرار تل أبيب على تضمينها "تنازلاً" سورياً عن
الجولان. والثاني أن عداء الحكم السوري لإيران وحزب الله اللبناني يعطيه أفضلية
كبرى غربياً وخليجياً على حساب خصومه المحلّيين. وهذا إن أضيف الى الرغبات الأوروبية
باستقرار في سوريا وبعض الإعمار لإعادة قسم من اللاجئين إليها، يفسّر إنهاء
التصنيفات "الإرهابية" التي ظلّ ساذجون يظنّون أن لا مبرّرات سياسية
ومصلحية حاسمة لاعتمادها في واشنطن، أو حتى في بروكسل ولندن وغيرهما
في المقابل، لن يتمكّن الحكم اللبناني من الاستظلال بالأميركيين وبعض حلفائهم الإقليميين إن لم يفرض على حزب الله "نزع سلاح" (لا إجماع على شكله ولا على مآلاته)، أو إن لم يتكيّف تحت الضغط العسكري الإسرائيلي المتصاعد مع أمر واقع من القصف الجوي الدوري والاحتلال الجزئي ومنع الإعمار، سيطول أمده، بما يمنع الهدوء والإنقاذ المالي. ولا شكّ أن مكابرة الحزب في ما يخصّ وضعه ووضع البلد ككلّ تعقّد الأمور وتحول دون تفكيك بعضٍ من الذرائع المعادية. ولا شكّ أيضاً أن خفّة عدد من خصوم الحزب الداخليين واستقواءهم بالمبعوثين الأميركيين يؤسّس لضغائن وتخوين وأحقاد مقبلة على التفاقم
هكذا، لم تعد سطوة إسرائيل العسكرية وسيطرتها على الأجواء واحتلالها مواقع تمتدّ في لبنان وسوريا من البحر المتوسّط مروراً بجبل الشيخ والجولان وتصل الى مشارف الحدود الأردنية عنصر تفكيك للسيادات الوطنية أو ضغطاً عليها من الخارج فحسب. بل صارت أيضاً عنصر توتير داخلي يتعامل معه البعض بأوهام تبديل موازين قوى، والبعض الآخر بأوهام مقاومة غير متوفرّة شروطها ومستلزماتها، فيما يكتفي البعض الأخير بحيادية أو بلغة تكرّر نفس الخواطر عن السلام والفرص الضائعة والعقلانية وسوى ذلك من مقولات تُجابِه أطرافاً داخلية وخارجية هي من الأقل عقلانية في التاريخ المعاصر
هل من خيارات ممكنة إذاً، خارج كلّ هذه الاصطفافات والأحوال المزرية؟
يصعب الجزم بالأمر. لكن المطلوب اليوم يبقى المحاولة. وهذه لا تكون بغير التفاوض الداخلي، وبغير المصارحات وتحسين الظروف اللازمة لمواجهة الاحتمالات الأسوأ، واللجوء المُلِحّ الى كل طرف خارجي قادر على المساعدة أو على تقليص الأضرار
مقال منشور في "ميغافون"
