Sunday, June 21, 2026

دونالد ترامب وأحمد الشرع ولبنان وحزب الله

 كرّر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب دعوته الرئيس السوري أحمد الشرع الى التدخل في لبنان ضد حزب الله، قائلاً إن إسرائيل لم تنجح في الأمر وإنها تقتل الكثير من المدنيين وتدمّر الكثير من المساكن في استهدافاتها لعناصر الحزب. وسبق لسفير واشنطن في تركيا ومبعوثها الخاص الى سوريا توم برّاك، أن ذكر الأمر نفسه وذهب أبعد من ذلك إذ تحدّث عن عودةٍ الى "بلاد الشام" وعن صيغة "سوريا كبرى".

وبمعزل عن العته والجهل واحتقار القانون الدولي في هكذا دعوات وتصريحات، وهي غير مُستغربة من سيّد البيض الأبيض ومبعوثيه (مع صحّتها في ما خصّ الإجرام الإسرائيلي الذي تستمر إدارته في تمويله)، إلا أنها تشير الى عدّة أمور.

الأمر الأول، أن الإدارة الأمريكية هذه، لا تنظر الى لبنان بوصفه "دولة نهائية"، ولا تؤثّر في ذلك المسألة المسيحية، رغم وجود قاعدة انتخابية مسيحية متطرّفة لترامب ولنائبه جيه دي فانس ولعدد من وزرائه. وهي أصلاً لا تنظر الى أي دولة، غير الولايات المتحدة، بوصفها "نهائية" أو ذات حدود غير قابلة للتعديل إلا بموجب معاهدات وفق القانون. فقد سبق لترامب نفسه أن تحدّث عن ضمّ كندا وغروينلاند (الخاضعة للسيادة الدانماركية)، وعن السيطرة على النفط الفنزويلي بعد خطف الرئيس مادورو. وهو لا يمانع في أن يسطو فلاديمير بوتين على جزء من أوكرانيا، وابنته وأفراد من أسرته يحاولون تملّك جزيرة ألبانية في المتوسّط وأراض في كينيا ضمن مشاريع عقارية تكاد تعدّل من حدود البلدين. دون أن ننسى طبعاً أن ترامب قال إن بلاده "ستأخذ" غزة فتُعيد إعمارها لتصبح "ريفييرا شرق المتوسّط"، وردّد أكثر من مرة أنها ستصير استملاكاً أمريكياً.

الأمر الثاني، أن ترامب ونائبه فانس يضغطان على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للاكتفاء بمقدار الحروب والقتل والاحتلال الذي "أنجزه"، ولاحترام اتفاق ترامب مع إيران، في لحظة لم تعد بعيدة عن الانتخابات النصفية التشريعية الأمريكية. والأخيرة تتطلّب استقراراً إقتصادياً محلياً وعالمياً  وتتطلّب أيضاً إظهار نجاح ديبلوماسي بعد حرب مكلفة واتفاقٍ مع طهران يريد ترامب تأكيد اختلافه عن اتفاق أوباما الذي ألغاه العام 2017 وتكريسه نصراً أمريكياً (لا تعكسه فعلياً أي من بنود هذا الاتفاق). وهو ما تشكّك به الانتقادات الإسرائيلية وإعلانات المقرّبين من نتنياهو عن إحباطهم، مقابل قناعة متزايدة في واشنطن بتوريط نتنياهو للأمريكيين في الحرب وفق أكاذيب وتقارير حول نجاحاتها العسكرية والسياسية المضمونة، التي تبيّن زيفها.

وقد جاء تحذير فانس للإسرائيليين من مغبّة الاستمرار في انتقاداتهم وقوله لهم إن 65 في المئة من أسلحتهم أمريكية ومموّلة من دافعي الضرائب الأمريكيين، وإن ترامب هو الزعيم الوحيد في العالم الذي يؤيّدهم، ليظهر تنامي الغضب من نتنياهو. وإن عطفنا الأمر على إعلان ترامب إنه حمى إسرائيل وإنه لم يعد يثق بطريقة قتالها حزب الله وبقدرتها على القضاء عليه، لوجدنا تبدّلاً في مقاربة الحرب في لبنان. ولَو أنه يجب القول فوراً إنه تبدّل مؤقّت، لأن لا ضمانة في استمرار ترامب على أيٍ من مواقفه لفترة طويلة، لأسباب ترتبط بعقليّته وتواضع ثقافته وبأسلوب حكمه الذي شهد في عامين كمّاً من الانقلابات على مقاربات كان يعتمدها ثم يتخلّى عنها.

الأمر الثالث، أن اللوبي اللبناني الصهيوني، رغم قربه من عدد من موفدي الإدارة والعاملين فيها، ما زال هامشياً في تأثيره على ترامب وعلى المواقف الأمريكية تجاه لبنان والمنطقة. وما زالت أبرز أنشطته تدور حول مجاهرته بالولاء لإسرائيل. وقد تكون له آذان صاغية في دوائر سياسية ومصرفية لبنانية ومواقع إخبارية أكثر مما له في واشنطن.

يستدعي كل ما ورد جهوداً ديبلوماسية لبنانية ومواقف سياسية واضحة ترافق الاستمرار في المفاوضات على إنهاء الحرب الإسرائيلية ومفاعيلها الميدانية، إن كان ذلك هو المبتغى فعلاً من هذه المفاوضات، خاصة بعد تراجع الخطابات التطبيعية مع دولة الإبادة وتراجع الحكي عن لقاء الرئيس اللبناني برئيس الحكومة الإسرائيلية (الذي يفيد التذكير دوماً بأنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بموجب مذكّرة توقيف بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية).

فلبنان معنيّ أكثر من أي وقت مضى بالتنسيق مع السعودية وقطر ومصر وتركيا وباكستان، أي مع المحور الإقليمي الجديد الذي كان له الدور الفاعل في إنهاء الحرب في الخليج. وهو معنيّ أيضاً بكل تنسيق مع فرنسا ومع الدول الكبرى، بما فيها الصين، لتحسين شروطه التفاوضية حول الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة وانتشار الجيش اللبناني فيها والبحث في إعادة الإعمار وعودة المهجّرين. ولا شيء يمنع من يُفاوض إسرائيل ويقول بالاستعداد للحديث الى أي طرف في العالم في سبيل مصلحة لبنان أن يفاوض إيران أيضاً، ويتباحث معها في سبل الاستفادة لبنانياً من اتفاقها على إنهاء الحرب مع أمريكا "على كلّ الجبهات" كما ورد في الاتفاق.

ولبنان معنيّ كذلك بتكثيف اتصالاته السورية، والتركية والسعودية الحاسمة في هذا السياق، للتعامل مع الكثير من التحدّيات المشتركة، بما فيها تحدّي الاحتلال الإسرائيلي لجزء من جنوب البلدين، ولترسيم الحدود بقاعاً وشمالاً وفق مبادئ السيادة السياسة والأمنية والحقوقية، وللاتفاق على التوضيح القانوني الرسمي في شأن مزارع شبعا المحتلة (الممتلكة من لبنانيين والواقعة حسب خرائط الأمم المتحدة داخل سوريا)، ولتفعيل الأطر القانونية لإطلاق سراح الموقوفين، وتحضير التفاهمات الاقتصادية التي يمكن أن تساعد كل بلد على جذب الاستثمارات وصناديق الإعمار، وتطبيق خطط العودة الآمنة للاجئين.

ولبنان معنيّ أخيراً، حكومةً وقوى سياسية، في العمل على إطلاق مسار سياسي داخلي جديد، يحدّ من التوتّرات الطائفية التي تفاقمت مؤخراً بسبب الحرب، ويُنهي حملات التخوين والاستفزاز والاتهامات المتبادلة التي لم يعد لها معنى أمام الخراب والكارثة التي حلّت بجنوب البلاد وأهله.

أما الاكتفاء بترديد شعارات وتكرار رهانات أثبتت كل التطورات فشلها، فلن يبني دولة ولن يجمع سلاحاً ولن يحمي حدودا...

زياد ماجد

مقال منشور في ملحق القدس العربي