Saturday, October 31, 2020

عن "أزمة الإسلام": دفاعاً عن الحق في النقاش

 جاءت جريمة قتل مدرّس التاريخ الفرنسي صامويل باتي، بفظاعتها ورمزيّتها، بعد سلسلة من العمليّات الإرهابيّة التي اقترفها شبّان مسلمون، فرنسيّون أو مُقيمون في فرنسا في السنوات الأخيرة، لتدفع الانفعالات إلى مستويات بالغة الحدة، وتلغي لأيامٍ أو لأسابيع إمكانية الكلام المعقول، جاعلة النقاش في كل ما يتصل بالشأن الإسلامي مستحيلاً أو يكاد.  

يدفعنا الأمر، بوصفنا ديمقراطيين علمانيين متحدّرين من المشرق العربي ومن ميراث شكّل فيه الإسلام رافداً أساسياً، إلى التأكيد بدايةً بأن التواصل بين مختلفين والبحث الشائك في المسائل المعقّدة هو ما يكسر عسكرة التفكير والثقافة التي يدفعنا إليها عدميون إسلاميون مثل القاتل عبد الله أنزوروف ومحرّضوه وأشباه لهم كثيرون، يكونون بخير كلما نجحوا في حفر خنادق أعمق تفصل مجتمعات المسلمين عن العالم حولهم. ويدفعنا إلى القول ثانياً إن العسكرة المذكورة لا تقتصر على العدميين الإسلاميين هؤلاء، إذ ثمّة متطرّفون كثيرون في الغرب يريدون بدورهم تعميق الخنادق والعيش في قلاع محصّنة لا تبالي بما يجرى حولها وفي مناطق على هامش مركزها. 

لقراءة هذا النص الموقّع من ياسين الحاج صالح وفاروق مردم بك وزياد ماجد على موقع الجمهورية، يمكن الضغط هنا.

Sunday, October 18, 2020

سوريا المنسيّة

غيّبت أحداث كثيرة الشأن السوري إعلامياً وسياسياً في أوروبا الغربية وأمريكا منذ بدايات العام الحالي. فالأزمات الصحية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا والمتابعة اليومية المكثّفة والمستمرّة لها من جهة، وتوالي الأحداث الشرق أوسطية والشمال أفريقية في العراق وليبيا ثم في لبنان وقبلها في الجزائر والسودان، ومعها أخبار التطبيع الإماراتي والبحريني مع إسرائيل من جهة ثانية، أبعدت سوريا عن "رادارات" التغطية وعن المراصد المتابعة لشؤون المنطقة. وصار الصراع الدائر فيها وعليها يبدو "نزاعاً" بعيداً عن الاهتمام الذي كان يثيره في العديد من الأوساط الصحافية والسياسية في السابق. ولولا الأحاديث المتفرّقة والمقالات القليلة التي تتناول ظاهرة المرتزقة السوريين المقاتلين في ليبيا، وفي الحرب الجديدة المندلعة بين الأذر والأرمن في نقورني كاراباخ، لأمكن القول إن التذكير بالمسألة السورية بات حكراً على بعض المتابعين الناشطين في شبكات التواصل الاجتماعي، وبعض الباحثين ممّن ظلّت سوريا حقل اختصاصهم.

Sunday, October 4, 2020

دونالد ترامب أو الكارثة الديمقراطية

لم تُسئ ظاهرة في العالم منذ عقود الى فلسفة الديمقراطية وقيمها ومؤسساتها السياسية والى مبدأ الانتخاب نفسه الذي تقوم عليه بقدر ما أساءت ظاهرة دونالد ترامب.

ولا يقتصر الأمر على النطاق الأميركي بل ينسحب على العالم بأسره حيث عزّز انتخابه في الدولة الأكثر تأثيراً ونفوذاً موجة صعود ليمين متطرّف ولخطاب عنصرية وكراهية، يمتدّ من الهند الى إسرائيل، ومن هنغاريا الى البرازيل.

وإذا كان انتخاب ترامب في أحد جوانبه ردّة فعل من بعض الشرائح الاجتماعية الأميركية البيضاء على سنوات حكم باراك أوباما وما مثّلته من تهديد لنهاية "التفوّق العرقي الأبيض"، بتسهيل من النظام الانتخابي من جهة ومن تراجع المشاركة في الاقتراع في أوساط التقدّميين البيض والملوّنين لصالح منافسته هيلاري كلينتون من جهة ثانية، فإن في التوقّف عند بعض سمات شخصية ترامب وخصائص خطابه وسلوك مناصريه السياسيَّين ما يشي بقضايا قيمية وثقافية تتخطّى مدلولات فعل انتخابه وحده.

Saturday, September 26, 2020

انفجار بيروت بوصفِه احتضار بلدٍ نهشته سلطاته وماتت فلسفة حُكمه

ليس بلا دلالات أن يتزامن انفجار بيروت مع انهيار لبنان الاقتصادي وتصدّع مجتمعه وانحدار حكّامه الى قعر غير مسبوق في تاريخه.

فالانفجار الناجم عن سنين من الفساد والإهمال والبحث عن صفقات أو عن توظيف عسكري لمادة نترات الأمونيوم المخزّنة في عنبر في مرفأ بيروت، في قلب العاصمة اللبنانية، بدا مآل ما تُفرزه إدارة طبقة سياسية ميليشياوية للشأن العام في بلد جرى تناهبه من داخل النظام الطائفي وشبكاته، على نحو أدّى الى تهتّك مؤسساته جميعها وإفلاسها وإفقار ناسه وحجز ما تبقىّ من أموال مواطنيه في المصارف الخاصة الشريكة في سياسات استدانةٍ وتوزيع مغانم وإنفاقٍ بلا وازع أو طائل.

والانفجار الفظيع هو أيضاً، مثله مثل مغارة كهرباء لبنان التي امتصّت على مدى ربع قرن أكثر من ثلاثين مليار دولار وظلّت مقطوعة عن الناس، ومثل قضية النفايات التي لم يتفّق أركان الحكم على تفاصيل المحاصصةِ إدارةً لجمعها فتُركت لتُرمى في البحر أو تُطمر في التربة، نتاج ترنّح فلسفة حكمٍ لم يعد من إمكانية حياة في ظلّها. 

Friday, September 11, 2020

ما بعد انفجار مرفأ بيروت: أزمة لبنانية مفتوحة ورهانٌ فرنسيّ على تعزيز دورٍ شرق متوسّطي

نُشرت هذه الورقة مؤخّراً في "مركز الجزيرة للدراسات"، علماً أنها أُعدّت في 20 آب/أغسطس 2020

ملخّص تنفيذي

دمّر انفجار ضخم مرفأ بيروت وبعض الأحياء والمرافق المحيطة به، وتسبّب بمقتل وجرح الآلاف وتهجير عشرات الآلاف الآخرين. ودفع الانفجار، الذي حمّل أكثر اللبنانيين سلطات بلدهم المسؤولية عن وقوعه بسبب الفساد والإهمال، حكومة حسان دياب الى الاستقالة، في لحظة استعادة الانتفاضة الشعبية أنفاسها وعودة المظاهرات والاعتصامات الى الشوارع، وفي لحظة اندفاع الديبلوماسية الفرنسية للعب دور تريده باريس إنقاذياً وراعياً لتفاهمات وإصلاحات تتخطّى لبنان نحو عدد من الدول الداعمة لقواه المتخاصمة، ونحو تكريس حضور فاعل لها في شرق البحر المتوسّط.

غير أن الدور الفرنسي قد لا ينجح في إنتاج سلطة مقبولة داخل لبنان وخارجه، نتيجة قناعة ترسّخت داخلياً أن لا إنقاذ ممكناً في ظل الطبقة السياسية الحاكمة، ونتيجة حسابات أطراف خارجية فاعلة تُؤْثِر المحافظة على ستاتيكو محلّي وإقليمي بانتظار جلاء الموقف في واشنطن بعد الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2020.

بذلك، تبدو الساحة اللبنانية مقبلة على استمرار في الأزمات السياسية والمالية والاقتصادية، ولو مع دعم مشروط تحشده باريس لتقليص الخسائر ومحاولة إيجاد تفاهمات بين حزب الله وبعض خصومه المحليين يمكّنها من التحوّل مرجعاً للشؤون اللبنانية وعرّاباً للاتصالات الإقليمية حولها.

Sunday, September 6, 2020

حول المبادرة الفرنسية لبنانياً والتباساتها

أثارت زيارة الرئيس الفرنسي الثانية الى بيروت ولقاءاته وتصريحاته خلالها الكثير من التعليقات والنقاشات اللبنانية، التي اعتبرت بمعظمها أن إيمانويل ماكرون عاد وأمدّ الطبقة السياسية بجرعة حياة، وأنه خفّف من مفاعيل الحصار المضروب على حزب الله بموازاة تواصله مع طهران التي يسعى لتقليص التوتّر بينها وبين واشنطن.
وقبل الخوض في تقييم المقولات المذكورة، يفيد الحديث عن المقاربة الفرنسية للمسألة اللبنانية، وارتباطها بحسابات سياسية تتخطى لبنان الى محيطه المباشر.

Sunday, August 23, 2020

عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وفرصة العدالة الضائعة

ليس بعيداً من الذكرى السابعة للمذبحة الكيماوية التي نفّذها نظام بشار الأسد في غوطة دمشق في 21 آب/أغسطس 2013 وذهب ضحيّتها قرابة ألف وخمس مئة شخص، وظلّت كباقي جرائم النظام بلا عقاب حتى الآن، أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قبل أيام قرارها في جريمة اغتيال رفيق الحريري وواحد وعشرين مواطناً في بيروت في 14 شباط/فبراير 2005.

Sunday, August 9, 2020

عن بيروت التي تكثّفت فيها الأحداث والأوجاع وصنعت فرادتها

لا معنى للحديث عن مدينةٍ من دون الحديث عن العيش فيها وعن حركتها وتبدّل أحوالها وعن الحرية والحب والخوف والتنقّل والولادة والموت فيها. ولا معنى للحديث عن مدينة دون تذكّر ضجيجها وروائحها وألوانها ونور شمسها وزخّات المطر في شوارعها. 

والأهم ربما، لا معنى لهكذا حديث إن جاء خالياً من ذكر صُحفها ومقاهيها وحاناتها وجامعاتها وأسواقها وباعتها الجوّالين وعمّال البناء والنظافة والحمّالين الحاضرين دوماً في زواياها.

فكيف إذا كانت المدينة المعنية بالحديث هي بيروت، بناسها – لبنانيين وأجانب ولاجئين سوريين وفلسطينيين وسودانيين – وبتاريخها الحديث الذي نشأنا في ثنايا أحداثه وتحوّلاته الصاخبة! وكيف إذا كانت عاصمة لبلد مرّ عليه في نصف قرن ما لم يمرّ على أي بلد آخر، كثافةً وقسوة ودموعاً أو بهاءً وغنىً وفرحا.

Saturday, July 11, 2020

لبنان الذي مات وبقيَ ناسُه

ثمة بلد صغير قضى نحبه منذ أيّام. بلد تعرّض خلال نصف قرن من الزمن - هو عمر نصف سكّانه - لِما لا طاقة لقارةٍ بأكملها على احتماله: حروب أهلية طاحنة، واجتياحات أجنبية واحتلالان طويلان، ودمار وتهجير وهجرة واغتيالات وانهيارات اقتصادٍ وعُملة، وسطوة نُخبٍ سياسية ومالية من أسوأ ما قد يُبتلى به مجتمع في العالم.
قاوم معظم ناس البلد الموتَ كثيراً قبل ذلك. وعبّروا عن مقاوماتهم بطرق مختلفة. بعضها شجاع كريم، وبعضها مُتحايل ومراوغ، وبعضها الآخر مكتفٍ بعدم تصديق احتمالات الموت نفسه.
غير أن الموت حصل في النهاية ومحا الفوارق بين مقاوميه ورواياتهم، وأطاح بمخيّلاتهم وادّعاءاتهم. فما الذي يبقى لهم اليومَ بعد موت بلدهم كما عرفوه؟

Sunday, June 14, 2020

عن المسألة السنية الشيعية في صراعات اليوم السياسية


يعتمد كثرٌ من الكتّاب العرب والغربيين مقاربةً للمسألة السنّية الشيعية تعدّها سبباً شبه وافٍ ومكتفٍ بذاته لشرح معظم الصراعات والانقسامات في المشرق العربي والخليج. في المقابل، يتجاهل المسألة إياها كتّاب آخرون وينفون كل قدرة لها على التأثير ولعب أدوار في رسم التحالفات وخطوط التماس.
والحقّ أن ثمة اختزالاً وتبسيطاً في الحالتين. فلا القسمة السنّية الشيعية، بما تعنيه من خلاف حول أحقّية وراثة نبيّ الإسلام في القرن السابع ومن تأويلات متباينة لروايات وأحاديث وسير وعلاقات تاريخية، تفسّر الصراعات المحتدمة اليوم في العراق وسوريا ولبنان واليمن. ولا إنكار حضورها في المجتمعات وفي مسار تكوين الهويّات، كما في الخطابات التعبوية وفي المشاريع السياسية الهادفة الى السيطرة على بلاد أو التمدّد في مناطق، يُفيد في سياق البحث عن خصائص بعض المواجهات والمعسكرات المنخرطة فيها.

Tuesday, June 9, 2020

الجسدُ المُعنَّف لِسواد لَونِه إذ ينتفضُ بقبضته أو يجثو على ركبتِه

تُذكّر التظاهرات والاحتجاجات المستمرّة في الولايات المتحدة الأميركية منذ أسبوعين، وإيماءات أجساد المشاركين والمشارِكات فيها رفضاً لاستمرار عناصرَ من الشرطة في قتل المواطنين السود، بتاريخٍ من الرمزيّات ومشهديّات التحدّي التي صنعها رياضيون في وجه العنف والتمييز العرقي على مدى قرنٍ ونصفٍ من الزمن.

Sunday, May 31, 2020

حزب الله الذي لا حلّ معه ولا حلّ من دونه

مرّت قبل أيام الذكرى العشرون لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي. وبدا مرورها باهتاً، رغم محاولات حزب الله أحياءها احتفالياً والتذكير بفضله في تحقّق شروطها. وبُهتانها لم يتأتّ من أوضاع البلد الراهنة وما فيها من أزمات اقتصادية ومالية غير مسبوقة في حدّتها، أو من الحجر الذي تفرضه جائحة كورونا، أو من التأزّم السياسي والمحاولات الشعبية لاستئناف التجمّع والتظاهر استكمالاً لانتفاضة 17 تشرين/أكتوبر 2019. بل هو تأتّى بشكل خاص من قناعة ترسّخت مع الوقت عند قسم كبير من اللبنانيين مفادها أن إنجاز التحرير لم يُثمر إعادة بناءٍ لدولة، وأنه وُضع في مواجهة إنجازات أُخرى من موقع النقيض فجرى تسليعه سياسياً ليُجيَّر لهذا الطرف أو ضد ذاك وفق أجندة حزب الله وتحالفاته أو خصوماته الإقليمية والمحلّية.

Sunday, May 17, 2020

تراجيديا اللبنانيين بين حكومة انهيارٍ وشروط صندوق نقدٍ

أقرّت الحكومة اللبنانية مؤخّراً مبدأ التوجّه الى صندوق النقد الدولي وشكّلت وفداً لمفاوضة الأخير واضعة اللبنانيين أمام خيارين: خيار الانهيار التام الذي أوصلت القوى السياسية – وفي مقدّمها تلك المشاركة في الحكومة نفسها - البلد إليه، وخيار اللجوء الى الصندوق والقبول بشروطه القاسية التي لن تحدّ من تدهور الأحوال المعيشية وتَفاقم المظالم الاجتماعية، لكنّها قد تسمح بإعادة هيكلة الاقتصاد وتقليص العجز في الموازنة وإدخال أموال من دائنين توقف المسار الإفلاسي للدولة.

Sunday, May 3, 2020

الانتفاضة الشعبية اللبنانية في انبعاثها الطرابلسي ومشقّاتها الوطنية


رغم الحجر الصحي المفروض في لبنان بسبب "كورونا"، عاد المتظاهرون الى الشوارع مستأنفين انتفاضتهم بعد أسابيع من تجميدها، في ظرفٍ تزايدت فيه الصعوبات والتعقيدات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
فالليرة واصلت تراجعها أمام العملات الأجنبية ومعها القدرة الشرائية لأكثرية اللبنانيين، والمصارف استمرّت في سياسة إذلال المودعين المحجوزة أموالهم لديها، والعديد من المؤسسات والشركات سرّحت عمّالاً وموظّفين، توسّعت بهم دائرة البطالة والفقر. كل هذا وسط تراشقٍ بالاتهامات بين المسؤولين، سياسيّين وماليّين، واستنفار وسائل إعلامية للدفاع عن بعضهم في مواجهة البعض الآخر.

Sunday, April 19, 2020

عن الرحابنة وفيروز في ذكرى الحرب اللبنانية وصَلاة كورونا


تسود في بعض الأوساط الثقافية اللبنانية، الشابة عمراً أو المتحدّرة من أصول يسارية، مقولات من نمط أن لبنان "كذبة"، وأن الكذبة تلك ساهم الرحابنة وفيروز في صياغتها، أو أنها بالأحرى صاغت جوانب عديدة ممّا قدّموه فنّياً على مدى عقدين من الزمن.
ويُنسب بهذا المعنى لمسرحيّاتٍ وأغانٍ رافقت جيلَين على الأقل من اللبنانيين بناؤها لأوهام وركونها الى المبالغات الشعرية، بأسلوب درامي يجمع بين المخيّلة السياسية القرويّة الفقيرة والخطاب الوطنيّ المجرّد من أي علاقة بإشكاليات الاجتماع السياسي وهشاشة توازناته وواقع الصراعات فيه. 

Sunday, April 5, 2020

في تحدّي أن نعود الى سنّ الرشد بعد كورونا

لا يحتاج العالَمُ الى فيروس كورونا لِتَظهر المثالب والاختلالات فيه، ولا لأزمة مباغتة تصيب المليارات من ناسِه لتَذَكُّر أن التطوّر الرأسمالي والعلمي المذهل ترافق في العقود الأخيرة مع تدمير متسارعٍ للبيئة، وتعميق غير مسبوق للهوّة الفاصلة بين البشر في مجتمعاتٍ وقارات وداخل كلّ منها، وتراجعٍ في أكثر الدول تقدّماً عن خدماتٍ عامةٍ كانت قد سمحت في الحقبة التي سبقت بمقدارٍ من "العدالة الاجتماعية" النسبية فيها. وطبعاً لا يحتاج هذا العالَم لفيروس كورونا كي تبان سطوة خطاب إيديولوجي فيه يُؤْثِر إزالة الحدود الترابية أمام التوسّع الاقتصادي والتسليع (مع بعض الضوابط)، مقابل تشييد الجدران على الحدود إياها لضبط المرور البشري وتقليصه وتحديد شروطه.

Tuesday, March 31, 2020

الحداثة إذ تضربها جائحةٌ فتصيب مبدأ التوقّع فيها واليقين

قد يكون أبرز ما وسم الحداثة في قرنها المنصرم هو قدرة الصانعين لها والمنخرطين في مجتمعاتها ونُظُمها على توقّع ما سيجري لهم. يسري هذا على الاقتصاد وحساب مستويات نموّه وتقدير عائداته وتوظيفاته ومعدّلات التشغيل والبطالة المقبل عليها سنوياً. يسري على السياسة وتحالفاتها وانتخاباتها التي تأتي المفاجآت فيها كلّ فترة استثناءات مثيرة تعدّل من "رتابة المتوقَّع". ويسري على القوانين وسنّها وصراع النقابات وأصحاب المصالح وكتل الضغط حولها وعليها. ويسري، وهذا الأهمّ ربما، على حياة الناس اليومية، إذ يغدو المُتوقَّع محرّك سلوكهم وضامن خدماتهم ومُحفّز تنقّلاتهم ومواعيدهم وأنشطتهم وسفرهم وثقتهم بمعظم مسارات أمورهم. يُديرون الوقت على أساسه ويقيسون المسافات وفق برامج متوقّعة (ومضمونة) لوسائل النقل الخاص والعام. لا مباغتات في ما يخصّ الخدمات الأساسية التي يحصلون عليها مقابل ما يسدّدونه من مترتّبات وضرائب متوقّعة بدورها. أكثر من ذلك، يختارون ألبستهم وفق نشرات الطقس، ويُقارنون درجات الحرارة القائمة حيث يمكثون بما ستكون عليه في مكامن زياراتهم المقبلة. ولعلّ التذكير بأن نشرات الطقس كانت من عناصر التئام هويّاتهم الوطنية، إذ سمح تكرار ذكر مدنهم إياها يومياً بتكريس خرائط أليفة في أذهانهم وانتماءات ترابية، يُفيد لربط هذه النشرات وموضوعها وخصائص أمكنتها بما سيغدو إدارةً للمتوقَّع في حوليّاتهم وتوزيعاً لوظائف اقتصادية واختصاصات ترفيهية على المدن والمناطق. فهذه صيفية وتلك شتوية، أو هذه للصناعات الثقيلة وتلك للمختبرات الصيدلية أو للتكنولوجيا الرقمية أو للاختصاصات الجامعية.

Monday, March 9, 2020

فيروس كورونا وعوارض الأنظمة السياسية والاقتصادية


ليس أكثر كشفاً اليوم للعديد من خصائص الأنظمة السياسية والاقتصادية حول العالم من فيروس كورونا الذي تحوّل في أقلّ من ثلاثة أشهر الى كابوس لدول ومجتمعات وشركات كبرى وصغرى، ولمؤسسات طبية وتعليمية ورياضية وتجارية في معظم أرجاء الأرض. 
قد يُقال إن في تناول أخبار انتشاره وتعميم الحكي عنه والهلع منه مبالغة إعلامية وسياسية كبرى، في حين أن ضحاياه ما زالوا أقلّ من الضحايا السنويين للكثير من الأمراض التي صرنا نعدّها "بسيطة".
وقد يقال أيضاً إنه صار عاملاً يحوّل الأنظار عن مشاكل متفاقمة في بلدان عدة، وفي ذلك ما يُفيد نخباً سياسية حاكمة تجد فيه ذريعة لتخفّف عنها مسؤوليات إخفاقات وتعثّرات وأزماتٍ تَراجعَ البحث فيها في ظلّ تقدّمه وتوسّعه والخشية من عدواه.
وفي القولَين على الأرجح بعض الصواب. إلا أن ذلك لا يغيّر من كونه تحوّل في ظرف أسابيع الى التحدّي الأبرز الذي يواجه منظومات صحية وإنتاجية، ويفرض تبديلات في سلوكيات مئات ملايين الأفراد في القارات الخمس. 
على أن الأبلغ دلالة في ما تسبّب به الفيروس من إجراءات أو أحدثه من خسائر اقتصادية أو أطلقه من تكهّنات حول تداعياته وأعداد ضحاياه وفاعلية أشكال التصدي له يرتبط بشكل خاص بتظهيره الاختلافات بين الثقافات السياسية والحقوقية والاقتصادية حول العالم.

عن الاتفاق التركي الروسي حول إدلب، سوريا - مداخلة على قناة الجزيرة

Saturday, February 22, 2020

ماذا نكتب عن إدلب؟

يخيّم الموت على إدلب منذ أشهر طويلة. يقذفه على الناس وحوشٌ في براميل وصواريخ وحممٍ نارية. ينهمر من الغيم على بيوتٍ ومدارس ومستشفيات. يقطّع أوصال أطفال ومسعفين، ويصيب ملاعب ومخابز ومخابئ، ويحوّل مدناً وبلدات الى ركام ودخان. يغدر الموت في إدلب بالناس كل يوم. يسابق خبزهم في الصباح الباكر، ثم يأتيهم في الظهيرة ويحوم فوق مخادعهم إن ناموا. يطوي بثقله بيوتاً ويسحق أهلها وذكرياتهم تحت حطامها المهول. يطرد الموت في إدلب الأحياء من ديارهم، من أعمارهم وبقايا آمالهم. يُحيل وجوههم الى خرائط للدموع والمآسي، ويملأ طرقات يوميّاتهم السابقة بأرتال من السيارات والآليات المحمّلة بظلالهم وبعض حاجيّاتهم والكثير من الغبار

Monday, February 10, 2020

سوريا والعراق وليبيا إذ اجتاحتها دول وميليشيات ومرتزقة

ليس من قبيل المصادفة أن تكون سوريا والعراق وليبيا اليومَ البلدان العربية الثلاثة الأكثر عرضة للعنف وتحلّل الدولة وتذرّر المجتمع وانتهاك السيادة الوطنية وتعدّد الاحتلالات الأجنبية. ذلك أننا إذا ما استثنينا اليمن الذي يعاني مثلها لأسباب تخصّ تركيبته الداخلية وانكشافه على جواره الجغرافي المباشر والنزاع الإقليمي على النفوذ فيه، لوجدنا أنها تعيش وحدها صراعات ضارية تخرج إدارتها وشعاراتها عن حدود كلّ منها التُرابية، تماماً كما كانت تتخطّى شعارات حكّامها المطلَقين وسياساتهم الحدود إياها. المشترك بين حالات سوريا والعراق وليبيا بهذا المعنى، والمختلِف عن حالة اليمن، هو أثر إيديولوجيا الحكم الآفل في راهن كلّ منها، لجهة خطابه المدّعيِ مشاريع قومية، وطبيعته الشموليّة وتحويله الدولة الى مؤسسة قمعية كبرى هدفها تأبيد سلطة الحاكمين وعائلاتهم. أما الاقتصاد والإدارة والخدمات والديبلوماسية وسائر شؤون الدول عادة، فسُيّرت على هامش ما ورد ولخدمته حصراً، وتُرك لها أحياناً، وفق الظروف والمناخات، إبراز جدّيتها وفاعليّتها (كما في العراق في السبعينات) أو التراجع الى الحدّ الأدنى

Sunday, January 26, 2020

للثورة المضادة "حكومة حرب" في لبنان


في سياق الثورة المضادة التي يقودها أطراف السلطة اللبنانية، تشكّلت في بيروت منذ أيام حكومة يمكن اعتبارها، رغم هامشية معظم أفرادها ورئيسهم (كأشخاص)، حكومة حرب ضد الانتفاضة. ذلك أن التحالف الذي أفضى الى تشكيلها إنما أرسل عبرها عدّة رسائل داخلية وخارجية.

Saturday, December 28, 2019

لبنان المتصدّع مثل درابزين كورنيش بحرِه


أقفل العام 2019 لبنانياً على عاصفة مناخية لخّصت نتائجها والصوَر المأخوذة لآثارها أحوال البلاد في ظلّ تردّي الإدارة السياسية والاقتصادية والخدماتية لِمرافقها في السنوات الطويلة الماضية.
فالعاصفة، إذ تسبّبت بكوارث في أكثر من منطقة، أظهرت عمق الفساد الناخر الدولة وفجور التمييز اللاحق بمناطق بحالها وبمخيّمات لاجئين. وأظهرت أيضاً مدى سفاهة "المسؤولين" المستمرّين بتبادل الاتهامات وكيل المكائد واستنهاض الهمَم الطائفية واستخدام العنف لمواجهة الانتفاضة الشعبية الرافضة لِحُكمهم.

Sunday, December 1, 2019

التعامل مع حزب الله كمعضلة تواجه التغيير في لبنان

تصطدم الانتفاضة الشعبية اللبنانية، بعد أن أسقطت الحكومة وحاصرت مجلس النواب ورئيس الجمهورية وأطلقت تحوّلات ثقافية ومجتمعية ستتواصل تفاعلاتها لسنوات طويلة، بمعضلة سياسية كبرى يمثّلها اليوم كيان حزب الله وسبل التعامل معه. فالأخير، ولَو أنه في مأزق داخلي لم يعرف له شبيهاً منذ العام 1992، ما زال مصدر قوة السلطة الرئيسية والجدار الفعلي الحائل دون انهيارها. وهو فوق ذلك الفاعل الأكثر قدرة وجاهزية على ربط مسار الأمور في البلد بالمسارات الصراعية في المنطقة، وفتحها بالتالي على السياسة الإيرانية واستراتيجياتها
 
ويمكن لتفسير ذلك، البحث في ما يمثّله الحزب في المعادلتين اللبنانية والإقليمية الراهنة إنطلاقاً من ثلاث ديناميات.

Saturday, November 23, 2019

مقابلة حول أحوال لبنان بين العامين 1998 و2019

عن الاصطفافات الداخلية اللبنانية بين العامين 1998 و2005، وعن النظام الطائفي الزبائني وقواه وقدرته على ابتلاع مختلف الديناميات والتحرّكات الشعبية خلال مرحلة ال2011 وال2015، وعن الانتفاضة الشعبية اليوم المختلفة جذرياً عن معظم ما سبقها، وعن ثوريّتها وتحدّياتها والثقافة السياسية التي تؤسّسها - مقابلة مع ميغافون

Sunday, November 17, 2019

عن بعض ما يواجه الانتفاضة الشعبية اللبنانية من تحدّيات


دخلت الانتفاضة الشعبية اللبنانية شهرها الثاني، وتواصلت تحرّكات المنخرطين فيها في مختلف المناطق والقطاعات، وِفق إيقاع يتقدّم حيناً ويخفت حيناً آخر وتتنوّع دورياً أساليبه الاحتجاجية ومبادراته وتعبيره عن مواقفه السياسية. فبالإضافة الى التجمّعات في الساحات المدينية الكبرى والتظاهرات وقطع بعض الطرقات، تنظّم المجموعات المنخرطة في الانتفاضة اعتصامات أمام مقار حكومية ومؤسسات عامة وشركات خاصة ومصارف ومواقع مشاريع منجزة أو قيد الإنجاز للتذكير بانتهاكها حقوق الناس وفسادها واعتدائها على الأملاك العامة ومراكمة أصحابها الثروات وتهديدها البيئة وصحة المواطنين والمواطنات، وللتأكيد على العزم على محاسبتها وإنهاء حصانة المسؤولين عن تجاوزاتها وجرائمها المالية. 

Sunday, October 20, 2019

إنتفاضة شعبية في لبنان تواجه نظاماً يستحيل إصلاحه

 تستمرّ منذ السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر الجاري المظاهرات والاحتجاجات الشعبية في لبنان، ويشارك فيها عشرات الآلاف من المواطنين والمواطنات المنتفضين ضد الحُكم بجميع أركانه. وتشير خريطة انتشارها وشعاراتها المرفوعة الى تخطّي المنخرطين فيها، مؤقّتاً على الأقل، الكثير من الانقسامات التي وسمت الحياة السياسية اللبنانية منذ عشرين عاماً.
وإذا كان الوقت ما زال مبكراً لدراسة ما يجري وتقدير ما قد يُنتج من ديناميات جديدة في البلد، فإن الشهادات والمشاهدات من الساحات والطرقات حيث يتجمّع الناس تسمح بعدد من الملاحظات.

Saturday, September 28, 2019

أوهام لبنانية أثارها سجالٌ حول عميل


أثارت السجالات التي دارت في لبنان مؤخراً إثر عودة المدعو عامر الفاخوري، المسؤول السابق في الميليشيات العميلة لإسرائيل والسجّان في معتقل الخيام، الى بيروت مجموعة قضايا ترتبط بالحرب والذاكرة والعفو والتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي ومقاومته. وظهّرت عمق الانقسامات بين اللبنانيين واختلافهم العميق على تاريخهم القريب، في ما يتخطّى الموقف من النظام السوري، رغم ادّعاءات المصالحة ووثائق التفاهم والتحالفات العريضة وما نسجته من أوهام وسوء تقدير.

ويمكن التوقف في هذا الصدد عند نوعين من الأوهام. واحدٌ يميني مسيحي ظنّ سرديّته حول الحرب ومساقاتها ودوره فيها قد تحوّلت في السنوات الأخيرة الى بداهة على غيره القبول بها وبحصريّة حقّه في تداولها. وثانٍ يساري شيوعي ظنّ شحذ العصبيات يُعيد له اعتباراً ما فتئ يبحث عنه في نظر أسياد السياسة اللبنانية الراهنين.

Sunday, September 1, 2019

عن نديم عبد الصمد وعن جانب من سيرة اليسار اللبناني


رحل نديم عبد الصمد، أبو بشار، قبل أيام عن عمر ناهز التسعين عاماً قضى سبعين منها في ميادين الشأن العام والكفاح السياسي في لبنان، وانطلاقاً منه نحو مناصرة القضية الفلسطينية وتوطيد صلات التضامن العربي والأممي.

هل ما زال "الاستثناء" اللبناني قائماً؟


سادت طويلاً بعد خمسينات القرن الماضي مقولة حول استثنائية لبنان في محيطه العربي. مردّ المقولة مذذاك أربعة أمور.
الأول، أن البلد الصغير كان لوحده خارج نطاق الانقلابات العسكرية ونخبها المستأثرة بالسلطة (من مصر الى العراق، ومن سوريا الى اليمن وليبيا، ومن السودان الى الجزائر)، وخارج الممالك بالطبع، النفطيّ منها وغير النفطي، وسائر الأنظمة المراوحة بين حدّي التوحّش والاستبداد. والأمر الثاني، أنه ذو تركيبة ديموغرافية خاصة، يتوازن فيها المسيحيون والمسلمون تقريباً، وينقسمون الى ملل ومذاهب تجد لنفسها حصصاً في السلطة ومؤسساتها وإداراتها العامة، فتُنتج نظاماً توافقياً يحول دون غلبة كاسحة لطرف، ويُبقي العسكر وأجهزة الأمن تحت أمرة السلطة المدنية وضوابط المعادلات الطائفية. الأمر الثالث، أن الاقتصاد اللبناني ليبرالي حرّ، لا تأميمات تطال رؤوس أمواله ولا تخطيطاً مركزياً يقيّد ديناميات مبادراته الفردية، ولا إملاءات صارمة على قطاعه المصرفي أو على الشركات الكبرى فيه. أما الأمر الرابع، فمفاده أن التعليم في البلد، ومثله الاستشفاء، رائدان وعريقان، تقودهما الإرساليات الأجنبية وصروحها منذ القرن التاسع عشر، ووسّعت المؤسسات الوطنية من انتشارهما، مع اعتماد لغة أجنبية أو أكثر في مختلف مناهجهما أو خدماتهما.
وهذا كلّه أنتج في ما أنتجه حيّزاً مقبولاً من الحرّيات العامة والخاصة، ومن جذب لنخب ثقافية عربية ولمنشقّين عن أنظمتهم، أو لمتموّلين فارّين من التأميمات عندهم، أو لطلّاب وطالبات وسيّاح يرون فيه تسوية أخّاذة بين المنطقة والغرب. وكان بالطبع لنكبة فلسطين أثرٌ في تكوين بعض ما أُشير إليه، إن في نتائجها السياسية الكوارثية في البلدان العربية التي أكّدت "الاستثناء" اللبناني، أو في تداعياتها الاقتصادية التي أفادت بيروت مرفأً وقطاعاً مصرفياً وخبرات مهنية.

Sunday, July 21, 2019

كرة القدم النسائية الأميركية في مواجهة دونالد ترامب

شكّلت مسابقة كأس العالم النسائية الثامنة لكرة القدم التي فازت فيها حاملة اللقب الولايات المتّحدة قبل أسبوعين (للمرة الرابعة في تاريخها) منعطفاً رياضياً وإعلامياً وسياسياً مهماً على أكثر من صعيد.  
فعلى الصعيد الفنّي، قدّمت منتخبات المربّع الأخير (الولايات المتّحدة وهولندا والسويد وإنكلترا) مستوى جيّداً وأداءً مثيراً ظهّر تطوّر اللعبة في أوروبا، بعد أن كانت ألمانيا ومعها النروج وحدهما تنافسان الولايات المتحدة الأميركية. في حين لم تُفلح اليابان (حاملة اللقب العام 2011) والبرازيل في مجاراة فرق الصدارة وخرجت من الدور الثاني.
وعلى صعيد التنظيم والحضور والتغطية، نجحت فرنسا في حشد الانتباه للمسابقة، فامتلأت مدرّجات الملاعب، وتحسّن النقل التلفزيوني المباشر ومعه التعليق المحترف على المباريات، رغم بقاء آثار الثقافة الذكورية في بعض المصطلحات والتشبيهات المستخدمة، التي لم تتأخّر جمعيات نسوية وشخصيات فنية عن انتقادها والسخرية منها.
ومع أن "الاتحاد الدولي لكرة القدم" لم يتوانَ عن الموافقة على تنظيم عدة مسابقات في وقت واحد (وهو ما لم يكن ليفعله خلال إقامة كأس العالم للرجال)، إذ جرت بطولة أوروبا للشباب وكوبا أميركا والكأس الذهبية للكونكاكاف في نفس التوقيت (وتزامنت المباراتان النهائيتان للكأسين الأخيرين مع نهائي كأس العالم للنساء)، إلا أن رعاية الشركات الكبرى والاهتمام الإعلامي مكّنا الكأس النسائية من فرض نفسها كمسابقة دولية أساسية لا شكّ أن السنوات المقبلة ستشهد تكريساً لحضورها وتطويراً له.

Sunday, June 30, 2019

في تكامل معركتَي التحرّر من الاحتلال ومن الاستبداد

دخلت فلسطين والعالم العربي في العامين 2011 و2012 مرحلةً جديدة. فقضية الأولى عرفت تقدّماً سياسياً وديبلوماسياً دولياً بلغ أوجه عند صدور الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية ثم انضمام الأخيرة الى عدد من المنظمات الدولية وفي طليعتها اليونيسكو. والثاني شهد ثورات في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا بعثت أملاً بالتغيير وتحرير المجتمعات والأفراد من عقودٍ من الاستبداد والقهر. لكن التراجع ثم الانحدار جاءا سريعاً في الحالين بعد ذلك. ففي فلسطين، تصاعدت شراسة إسرائيل الميدانية وتعمّقت الانقسامات الداخلية الفلسطينية وعجزت قيادة السلطة ومثلها حماس عن إطلاق مبادرات مصالحة أو ديناميات سياسية تلجم تدهور الأوضاع وتقلّص رقعة أضرارها. وشنّت إسرائيل حرباً تدميرية على قطاع غزة العام 2014، كرّست خلالها عزلة القطاع عن باقي الأراضي الفلسطينية المحاصرة بدورها والمقطّعة أوصالها بالمستوطنات والطرق الالتفافية والجدار والحواجز العسكرية. وفي العالم العربي (مع استثناء تونسي)، أدّت الثورات المضادة وتعثّر التجارب الانتقالية والتمزّقات المجتمعية، وضراوة القمع والمذابح والتهجير والتدخلات العسكرية الايرانية والروسية في سوريا، والسعودية والايرانية في البحرين واليمن، وصعود "داعش" واحتلاله مناطق واسعة في العراق وسوريا ثم التدخّل الأميركي ضدّه، الى مآسي وخراب أطاحت ابتداءً من العام 2013 باحتمالات التغيير والتحرّر.

Sunday, June 23, 2019

عن الاسلاميين والعسكر ومقولة وجهَي العملة الواحدة


ارتفعت بُعيد وفاة الرئيس المصري المُعتقل محمد مرسي، نتيجة ظروف حبسه منذ الانقلاب عليه من قبل الجنرال عبد الفتاح السيسي، أصواتٌ يسارية وليبرالية عربية تقارب الأمر بحياد. حجّة الأصوات المذكورة أن لا فارق بين الإسلاميين والعسكر، وأن الطرفين "وجهان لعُملة واحدة"، وأنهما يتساويان عداءً للديمقراطية، ولا حاجة بالتالي لموقف قد يبدو تأييداً لواحدهما. 
على أن الحجّة هذه، خاصة إذ تُعلَن لحظة وفاة رئيسٍ مُنتخب في أول انتخابات حرّة في تاريخ مصر، ومُعتقل منذ ست سنوات في سجون العسكر المنقلِب عليه، تثير الكثير من الأسئلة عن ثقافة الديمقراطية ذاتها وعن فلسفة حقوق الانسان ومفهوم العدالة لدى مُعتنقيها.

Monday, June 10, 2019

عبد الباسط الساروت، أو سيرة ثورة مغدورة


قد يكون عبد الباسط الساروت الرجل الأكثر تجسيداً لمسار الثورة السورية في بهائها وارتجاليّتها وفي هنّاتها وتعرّجاتها، وصولاً الى نهاياتها التراجيدية.

فحارس مرمى نادي الكرامة الحمصي ومنتخب سوريا للشباب، المولود العام 1992 في حي البياضة الذي تقطنه غالبية من الوافدين الى حمص من ريفها، ويعيش فيه كما في بابا عمرو "بدوٌ" كانوا يوماً رحّلاً قبل أن يستقرّوا في ثالث مدن سوريا حجماً، اقتحم الثورة السورية بشعبيّته وبصوته ذي البحّة الشجيّة، ليقود المظاهرات ويحلّق كنسر فوق أكتاف محبّيه ممّن كانوا يصفّقون ويهتفون لصدّه الكرات، فصاروا يهتفون له ومعه من أجل الحرّية والعدالة وإسقاط النظام. عاش سلميّة الثورة في الساحات وقاد الجموع وشكّل لفترة ثنائياً أخّاذاً مع الفنانة الراحلة فدوى سليمان، العلوية المنبت والعلمانية المسلك، بما عناه الأمر يومها من رمزية أُريدَ لها كما لبعض الأهازيج والكتابات على الجدران مكافحة الطائفية والدفاع عن الوحدة الوطنية المُتخيّلة. وينبغي القول هنا، المُتخيّلة بصدق وإخلاص أو ربما باشتهاء وخشية اكتشاف فقدانٍ فظيع.

Sunday, June 9, 2019

السودان كاستثناء في تحالفات الثورات المضادة

ثبّتت أنظمة الاستبداد العربي على مدى عقود ماضية مقولة أن بديلها الوحيد إن خفّفت وطأة عسكرها وأجهزتها على المجتمعات وسمحت بانتخابات حرّة هو الحركات الإسلامية. استخدمت المقولة هذه في الداخل، تخويفاً لأقلّيات دينية أو لهيئات مجتمع مدني ثقافية وحقوقية، واستخدمتها في الخارج، حيث استثارة الدعم والبحث عن المشروعية والحماية الفعلية تتطلّب التهديد ببديل "خطير" إن ترافق أي دعم مع طلب إصلاح أو توسيع لهوامش المشاركة السياسية.
وعمدت الأنظمة إياها على مدى عقود أيضاً الى ضرب كل تيار سياسي يرفض الابتزاز المذكور ويحاول بناء ذاته خارج معادلة العسكر والمخابرات من ناحية والإسلاميين من ناحية ثانية، أو يحاول التواصل مع بعض الأخيرين وتوسيع التحالفات المعارضة والسعي الى التفاهم معهم على قواسم سياسية مشتركة.

Sunday, May 19, 2019

باراك أوباما الأميركي، باراك أوباما الدولي والشرق أوسطي

ما زالت سنوات حكم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تثير الخلافات والسجالات، إن في ما يتعلّق يسياساته الداخلية أو في ما يتعلّق بتلك التي اعتمدها خارجياً.
فالولايتان الممتدّتان بين كانون الثاني/يناير 2009 وكانون الثاني/يناير 2017 شهدتا كمّاً من القرارات والانقسامات والإنجازات غير المسبوقة داخل الولايات المتّحدة الأميركية منذ عقود. كما أنهما عرفتا أحداثاً وصراعات واتفاقات كثيرة خارجها. ويمكن لتقييم سريع لحكم الرجل وإدارته التذكير بأبرز العناوين والقضايا التي خاض فيها، خاصة في ضوء ما تلاها من إجراءات مضادة وقرارات مغايرة اتّخذها دونالد ترامب منذ دخوله البيت الأبيض مطلع العام 2017.

Thursday, May 16, 2019

إعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان: انتهاك للقانون الدولي وإطلاق لديناميّات تصعيدية جديدة في المنطقة


ملخّص تنفيذي

وقّع رئيس الولايات المتّحدة الأميركية دونالد ترامب في 25 آذار/مارس 2019 اعترافاً رسمياً أميركياً بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة منذ العام 1967، التي سبق وأعلنت تلّ أبيب "ضمّها" العام 1981 في خطوة أدانتها واشنطن يومها وأصدرت الأمم المتّحدة قراراً بعدم شرعيّتها، ولم يقبل بها أيّ من دول العالم.

بهذا، مثّل الاعتراف الرئاسي الأميركي انتهاكاً للقانون الدولي الذي لا يُجيز تبديل الحدود بالقوة. كما مثّل طيّاً أميركياً لصفحة مفاوضات السلام السورية الإسرائيلية (المتعثّرة) التي رعتها واشنطن طيلة تسعينات القرن الماضي وقامت على مبدأ "الأرض مقابل السلام".

على أن تداعيات الاعتراف الترامبي لا تتوقّف هنا. فهو يسجّل سابقة يمكن لمن يقرّر ضمّ أراضي
دولة مجاورة بعد غزوها عسكرياً الاستناد إليها في أكثر من منطقة نزاع في العالم. وهو يأتي في توقيت أميركي وإسرائيلي وشرق أوسطي فيه العديد من عناصر الصراع أو التأسيس للصراعات المقبلة، في ظل سعي تل أبيب الحثيث لتصفية القضية الفلسطينية بالتعاون مع ترامب ضمن إطار ما يُسمّى "صفقة القرن" التي أعدّها صهر الأخير ومستشاره كوشنير ويحاول منذ فترة تسويقها عربياً. كما أنه يُعقّد الأوضاع اللبنانية لأكثر من سبب. إذ يُهدّد أوّلاً بمفاقمة الالتباسات حول وضع مزارع شبعا ومنطقة الغجر المُعدّة دولياً أراضي سورية احتُلت عند احتلال الجولان، والتي يصّر حزب الله ولبنان الرسميّ بالمقابل على اعتبارها أراضي لبنانية. وهو ثانياً يؤدّي الى استقواء إسرائيلي غير محدود هذه المرة بالموقف الأميركي يصعب ألا تكون له انعكاسات على الصدامات الإسرائيلية الإيرانية، والإسرائيلية الحزب إلهية تحديداً. 

وهذا كلّه يحدث ويؤثّر في مرحلة ما زالت ملامحها قيد الرسم والتفاوض والتعارك سورياً، بين روسيا وإيران وتركيا وأميركا، إن في ما خصّ وضع منطقتي ريف حماه وإدلب أو أوضاع المناطق الشمالية الشرقية التي تسيطر عليها راهناً القوى الكردية، أو حتى في ما يخصّ الاحتلالات وسيطرة قوى أجنبية مباشرة أو بالواسطة على معظم الأرض السورية.