Monday, March 9, 2020

فيروس كورونا وعوارض الأنظمة السياسية والاقتصادية


ليس أكثر كشفاً اليوم للعديد من خصائص الأنظمة السياسية والاقتصادية حول العالم من فيروس كورونا الذي تحوّل في أقلّ من ثلاثة أشهر الى كابوس لدول ومجتمعات وشركات كبرى وصغرى، ولمؤسسات طبية وتعليمية ورياضية وتجارية في معظم أرجاء الأرض. 
قد يُقال إن في تناول أخبار انتشاره وتعميم الحكي عنه والهلع منه مبالغة إعلامية وسياسية كبرى، في حين أن ضحاياه ما زالوا أقلّ من الضحايا السنويين للكثير من الأمراض التي صرنا نعدّها "بسيطة".
وقد يقال أيضاً إنه صار عاملاً يحوّل الأنظار عن مشاكل متفاقمة في بلدان عدة، وفي ذلك ما يُفيد نخباً سياسية حاكمة تجد فيه ذريعة لتخفّف عنها مسؤوليات إخفاقات وتعثّرات وأزماتٍ تَراجعَ البحث فيها في ظلّ تقدّمه وتوسّعه والخشية من عدواه.
وفي القولَين على الأرجح بعض الصواب. إلا أن ذلك لا يغيّر من كونه تحوّل في ظرف أسابيع الى التحدّي الأبرز الذي يواجه منظومات صحية وإنتاجية، ويفرض تبديلات في سلوكيات مئات ملايين الأفراد في القارات الخمس. 
على أن الأبلغ دلالة في ما تسبّب به الفيروس من إجراءات أو أحدثه من خسائر اقتصادية أو أطلقه من تكهّنات حول تداعياته وأعداد ضحاياه وفاعلية أشكال التصدي له يرتبط بشكل خاص بتظهيره الاختلافات بين الثقافات السياسية والحقوقية والاقتصادية حول العالم.
 
بين الانضباط الصارم والألغاز والإشاعات

فقد كشف كورونا قوّة الصين من جهة وهشاشتها وعمق ارتباط أحوال العالم راهناً بأحوالها من جهة ثانية. ذلك أنه لولا سطوة السلطة السياسية في بيجين وقدرتها على فرض الانضباط الحديدي ومنع التجوّل والسفر واتخاذ القرارات السريعة الخاصة بيوميات مئات ملايين المواطنين وتعبئة طاقات بشرية واقتصادية ولوجستية لبناء مستشفيات جديدة وتقديم خدمات في أوقات قياسية، لكانت رقعة انتشار المرض أوسع وأعداد المصابين به أضعاف ما نعرفه اليوم داخل الصين ذاتها وفي العالم ككلّ. لكنّ هذا ليس سوى جانب من المشهد. فكورونا أظهر أيضاً أن انتشاره في مراحله الأولى قد يعود الى التأخر في التعامل مع تحذير بعض الأطبّاء منه وقمعهم والتكتّم عن الأمر في بلد ليست الشفافية ولا الحرّيات ولا الحقّ في الوصول الى المعلومات من ميزاته. كما أن تداعياته على المؤسسات الصغيرة والمتوسطّة المقفلة منذ شهرين، والتي لعبت دوراً أساسياً في النمو الاقتصادي الصيني وفي تشغيل اليد العاملة في العقود الماضية، قد تكون مدمّرة، رغم التعويضات التي توفّرها الدولة حتى الآن ورغم ضخامة الاقتصاد وتنوّع قطاعاته. الأهمّ من ذلك ربما، أن تراجع النشاط والإنتاج الاقتصادي الصيني، وتوقف سفر عشرات ملايين الصينيين داخل بلدهم ونحو الخارج، تسبّب بانقطاع سلع وقطع غيار ومكوّنات إلكترونيات في الأسواق العالمية دفعت شركات غربية هي الأضخم دولياً الى تجميد تسويق بعض منتجاتها، وبيّن حجم ارتباطها بما يُصنّع في الصين وحاجتها الى ما يُصدّر منها. وتسبّب الأمر كذلك بتراجع مداخيل السياحة وشركات الطيران حول العالم. كما أنه أدّى في مفارقة صارخة الى تحسّن أحوال البيئة وتراجع التلوّث في الهواء ليس فوق الصين وحدها، بل فوق أجزاء واسعة من القارة الآسيوية أيضاً.

ليس بعيداً من الصين، أصاب كورونا إيران وبدت أوضاعها في ظلّه غامضة، لندرة المعلومات في بلد رقابة وقمع، ونتيجة تركّزه في مراحله الأولى في مدينة قمّ حيث الزيارات الدينية تجمع أقواماً من بلدان مختلفة حمل بعضهم معه المرض أو نقله إليها عند عودته. على أن عدد الوفيات المصرّح به، والمضطرد ارتفاعاً كل يوم، يظهر تردّي المنظومة الطبية الإيرانية وغياب القرارات التي كان يفترض بالسلطات اتّخاذها في وقت سريع. ويأخذ معارضون ومنشقون إيرانيون على نظام طهران إنفاقه المليارات لتعزيز نفوذه العسكري في الشرق الأوسط وتمويل حلفائه، في وقت يُهمل الداخل الإيراني حيث التهتّك هو حال الكثير من الخدمات والمؤسسات التي يجري التعتيم الرسمي على قلة مواردها وسوء أدائها وضعف قدراتها.

وفي مصر، التي تؤكّد بلدان غربية (فرنسا والولايات المتحدة وكندا) أنها أحد أبرز مواقع العدوى بالفيروس الذي أصاب سيّاحاً عادوا الى مدنهم منها، يسارع صحافيو نظام السيسي الى تأكيد تصريحات رسمية تدّعي أن عدد الحالات ما زال أقل من عدد أصابع اليد الواحدة! ويندر الحصول على معلومات مستقلة أو ذات مصداقية، بما يُطلق التكهّنات والإشاعات ونظريات المؤامرة التي يغذّيها بعض الإعلام لادّعاء استهداف مصر وتشويه سمعتها. وفي ذلك لازمة تعرفها القاهرة منذ سنوات، هي الأصدق تعبيراً عن ذهنية النظام الحاكم فيها ومقولات مريديه.


الديمقراطيات في مواجهة الوباء

في مقابل النماذج المذكورة آنفاً، تتباين المقاربات في الديمقراطيات الغربية تجاه المرض، وتظهر الفوارق بوضوح بين أنظمة الرعاية الصحية وسياسات الدولة المركزية المختلفة. ولعلّ طرفي النقيض في المعادلة هذه اللذَين ذكّر كورونا بنموذجيهما هما أميركا وفرنسا.
ففي أميركا حيث يتجاور التطور العلمي الذي لا نظير له على المستوى الكوني مع ضعف نظام الحماية الصحي العام والتسعيرات المرتفعة للرعاية الطبية ولبدل التأمين في الشركات الخاصة، لا تعكس الأرقام المعلنة حال انتشار المرض الفعلي في جميع الولايات نتيجة تجنّب كثر من أصحاب العوارض المحتملة الفحوصات الطبية المكلفة، أو الحجر الصحي المعطّل عن العمل وما يعنيه من خسائر لأصحاب الدخل المحدود غير المثبّتين في وظائف أو المضمونين بالرعاية الاجتماعية. ورغم الإجراءات الوقائية التي يجري نشر المعلومات حولها على نطاق واسع في وسائل الإعلام، فإن ضخامة البلاد وديموغرافيا المسافرين إليها لن تجنّبها في المقبل من الأسابيع إصابات كثيرة ستفرض نفسها على السجالات الانتخابية حول النظام الصحي وقرار ترامب بإلغاء مشروع سلفه أوباما الهادف الى تعميم ضماناته في عام اختيار المرشّح الديمقراطي الذي سيواجه ترامب إياه في الخريف المقبل.

أما في فرنسا، بلد الرعاية الاجتماعية والقطاع الصحي العام المجّاني أو شبه المجاني، فتشير الأرقام المتصاعدة والتدابير التي ترافقها الى أن الدولة تولي المرض أولوية مطلقة اليوم، وتتحضّر لإعلانه وباءً. ويُجمع خبراء صحة الى أن أبرز أسباب ارتفاع عدد الإصابات المعلن هو سعة التغطية الصحية التي تسمح لكلّ من يشكّ طبيبٌ بعوارض مرضه أن يُجري فحوصات مجانية. ويؤكّد الخبراء أن الإصابات كانت لتتفاقم أكثر بكثير لولا خطط الاستيعاب والفحوصات المجانية وسياسات التعويض الاجتماعي على المواطنين الملزمين بالبقاء في بيوتهم (كما أطفالهم إن أغلقت مدارسهم في مناطق محدّدة كما يجري الآن)، خاصة أن النقل العام في المدن الفرنسية هو الوسيلة التي يعتمدها العدد الأكبر من السكان والسيّاح (في البلد السياحي الأول في العالم)، وساعات الاكتظاظ فيها كما في المتاحف والمطاعم وقاعات المدارس الرسمية وسائر المرافق الحيوية ساعات خطر عدوى حقيقي.

هكذا، حوّل فيروس أجزاء من العالم الى ساحة صراع مع عدو غير مرئيّ قد يثيره أكل أو سعال أو لمس أو تخاطب عن قرب، وجعل اقتصادات عظمى مهدّدة بتراجع وخسائر موجعة. وبانتظار إيجاد علاج له ثم لقاح ضده في المقبل من الأشهر، يستمر خطره في التوسّع، ومثله الحكي عنه وعن السياسات الصحية والإجراءات الوقائية والتغطية الطبية الواجبة تجاهه...
زياد ماجد
مقال منشور في صحيفة القدس العربي