يجهد بعض الكتّاب اللبنانيين والعرب،
المُحتسَبين على تيار ليبرالي فضفاض أو متعدّد المشارب، في تسويق خطاب سياسي يواكب
المرحلة الراهنة التي يميّزها فائض العنف والتدمير في منطقة "الشرق
الأوسط".
ويقوم خطابهم هذه المرّة، بعد أن كان مكرّساً في مرحلة سابقة لنقد التيارات الممانعة، يسارية وقومية وإسلامية، ولنقد الأنظمة العربية باستثناء الأنظمة الخليجية، على اعتبار أن السلم مع إسرائيل هو الحلّ للكثير من المعضلات المجتمعية والثقافية والاقتصادية في المنطقة.
والحقّ أن الخطاب هذا، رغم افتقاره لأي تماسك، ورغم هشاشة براهينه والأمثلة التي يُقيم عليها مقارناته ليثبت حججه، يبدو جذّاباً لفئات من جيل أو جيلين، سئمت الحروب وبلادة المقولات المرافقة لها أو المبرّرة لأطوارها الكارثية، وحاصرتها ظروفها المعيشية ضمن أطر لم تعد تسمح لها بالإطّلاع الدقيق على ما يجري في العالم، ولا على ما يشغل بال قسمٍ كبير من جيل جديد، لا يتشارك وإياها نفس وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت صلتها شبه الوحيدة بالقراءة و"المعرفة".
وإذا كان الخطاب الليبرالي المذكور قد امتلك سابقاً مشروعيةً من نقده للممانعة ورثاثة منظومتها الفكرية، وادّعى حكمة ونضجاً من نقده لتجارب الإخفاقات التنموية والهزائم العسكرية والسياسية لبعض الأنظمة العربية، فإن عجزه عن قول أي جديد خارج إطار هذين النقد وادّعاء الحكمة، يدفعه اليوم لترداد مقولات لا تقلّ رثاثة عمّا سبق أن انتقده على مدى عقود.



