في الوقت الذي ينتظر فيه الجميع في لبنان مآل
التفاوض في إسلام آباد وواشنطن، ويعلن حزب الله تمسّكه بالاستراتيجية الإيرانية وبخياراتٍ
لم تردع آلة القتل الإسرائيلية ولم تحدّ من توسّع الاحتلال، تواصل إسرائيل تنفيذ
سياسة الأرض المحروقة، ساحقةً البيوت والبنى التحتية في الجنوب.
وفيما تتصاعد السجالات والاتهامات، وينبري سياسيون وكتّاب إلى تحليل المشهد الجنوبي وفق مقاربات لا تبدو إسرائيل، في كثير منها، فاعلاً صاحب سياسة، بل مجرّد طرف يستجيب للأحداث ولأهوائهم، تُسالم إن سالموا فتنسحب إلى الحدود، أو تقتل وتدمّر إن تأخّر الأمر، تواصل إسرائيل نفسُها توسيع رقعة احتلالها وقضم المزيد من البلدات وتفجير معالم الحياة فيها. وهذا في ذاته، صار هدفاً رئيسياً من أهدافها، منذ حربها الأخيرة في غزة قبل عامين ونصف، في استعادة لما اعتمدته أيضاً لحظة قيامها، أي لحظة النكبة الفلسطينية، قبل ثمانية عقود.
الإبادة العمرانية
حوّلت إسرائيل الحطام، أو الخراب، إلى سياسة متكاملة: سياسة تصيب المكان والزمان معاً. فمن خلال تدمير البيوت والمكتبات والأرشيفات والصور والوثائق العقارية، وصولاً إلى المقابر، يشنّ الإسرائيليون حرباً على الحاضر وعلى الذاكرة. يمدّدون سطوة الحرب إلى ما بعد القصف و"وقف إطلاق النار"، ويحوّلون مشهديّة الحطام إلى مؤسّسة للعقاب، وإلى استعراض للقوة وللحصانة في انتهاك القوانين الدولية.



