شهد لبنان في الأسبوع الأخير سلسلة تطوّرات أعادت رسم المشهد السياسي وتحالفاته المتحرّكة بحسب المواضيع المطروحة وأولويات القوى النافذة، أو صاحبة التأثير الأعمق في مسار الأمور.
ففي بضعة أيام، تراجع الكلام عن قضايا عديدة، أمنية وسياسية وإعمارية، ليتركّز على قضية تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان. وترافق ذلك مع حملة شنّتها وسيلة إعلام مرئي على موقعين إخباريّين بارزين، وأحيلت دعوى ضدّهما الى النيابة العامة، قبل أن يتمّ تعيين حاكم للمصرف بواسطة تحالف جمع لأول مرة منذ سنوات القوى السياسية الطائفية جميعها، بلا استثناء، بدعم من رئيس الجمهورية.
هكذا، ظهرت مركزية "المسألة المصرفية" لبنانياً، وبانت قدرتها على جمع الأضداد في موقع واحد، بما يفرض إعادة نظر في التحليل الكلاسيكي لبعض خصائص الانقسامات والتحالفات السياسية والطائفية وأسبابها الخارجية والداخلية.
معركة حاكمية المصرف
شهد لبنان إذاً معركة سياسية وإعلامية كبرى على تعيين حاكم للمصرف المركزي يخلف رياض سلامة، المتّهم بجرائم مالية، تضاف الى اتّهامه بتحمّل جانب أساسي من المسؤولية عن الانهيار المالي، بالتشارك مع جمعية المصارف، ومع قسم كبير من الطبقة السياسية ومكوّناتها التي قبعت في الحكم على مدى عقود.
ومردّ المعركة الكبرى هذه أمران. الأول أن القطاع
المصرفي خسر كتلة نقديّة تراوح بين السبعين والثمانين مليار دولار أمريكي، هي
بمعظمها من أموال المودعين. لكنه راكم في نفس الوقت وعلى مدى سنوات أرباحاً مليارية
أيضاً غذّت رساميله وتقاسمت جزءاَ منها مجالس إدارته، واستفاد كبار المودعين فيه، من
فوائد عالية منافية للمنطق المالي والاقتصادي، نتيجة سياسات الاستدانة والهندسات
المالية التي اعتمدها رياض سلامة، ومعه الحكومات المتعاقبة. وثمة ضرورة اليوم
للاتفاق على برامج التعويض الواجب السير بها للمودعين وسقوفها ومداها الزمني، وعلى
الإعلان عن حجم الخسائر التي لن يجري تعويضها، وعلى تحديد من سيتحمّل المسؤولية في
كل هذه العمليات، أي في التعويض كما في "التضحية" بالخسائر. وبالتالي،
ثمة تنازع على عشرات المليارات من الدولارات المفقودة التي لا تريد المصارف الخاصة
تحمّل أي مسؤولية تجاهها، بل تريد تحميل الأمر للدولة من ناحية وللمودعين المضطرين
للقبول بما سيتمّ شطبه من إيداعاتهم من ناحية ثانية.
الأمر الثاني، غير البعيد عن الأول، أن سياسيين كثراً ووسائل إعلام مرئية ومكتوبة، يدورون في فلك عدد من كبار المصرفيين. والأخيرون يشكّلون اليوم ما يُصطلح على تسميته باللوبي المصرفي، الذي يعمل عبر أذرعه على مهاجمة معارضيه وتهشيمهم وإشغالهم بدعاوى قضائية، وفي نفس الوقت، يوسّع من دائرة تحالفاته مستغلاً مصالح القوى السياسية الطائفية وثروات مسؤوليها وما جنوه من أرباح (هرّب بعضهم المليارات منها). وطبعاً إذا نظرنا الى هذه القوى السياسية نفسها، نجد أنها جميعها لا تمانع في بيع أملاك الدولة أو رهن أصول لها، عوض منازلة المصرفيين وإجبارهم على تحمّل مسؤولياتهم و"التضحية" بأرباحهم وإعادة هيكلة مؤسساتهم.
الأمران يفسّران دعم حركة أمل وحزب الله والقوات اللبنانية وحزب الكتائب والحزب التقدمي الاشتراكي وحزب الطاشناق للمرشّح كريم سعيد، الذي تبنّاه مقرّبون من رئيس الجمهورية فصار خياره، وهو المدعوم أصلاً من لوبي المصارف لحسابات ترتبط ببرنامجه، المعني بتجنيبها تبعات الخسائر والتركيز على خيارات مختلفة يرى العديد من الخبراء أنها ستحمّل الدولة والمودعين المسؤولية في التعامل مع نتائج الإنهيار وما يفرضه من "حسم أموال".
"ميغافون" و"درج" واستهدافهما الدوري
رافق الحملة لترويج المرشّح غير المشكوك بكفاءته، وإنما بخياراته وانحيازاته لصالح المصارف، حملة أخرى استهدفت وسيلتَي إعلام إلكتروني، تحوّلتا في فترة قصيرة الى اثنين من أبرز المواقع اللبنانية التي يتابعها ملايين القرّاء والقارئات في البلد والمنطقة وفي أوساط الدياسبورا، بوصفها إعلاماً بديلاً، خارجاً على وصاية السياسيين والمصرفيين والأمنيين اللبنانيين، وخارجاً أيضاً على وصاية الدول الخليجية.
والوسيلتان المذكورتان، "ميغافون" و"درج"، لا يخفيان أن تمويلهما هو من مؤسسات خاصة معظمها أوروبي، ومن برامج دولية، ومن بعض التبرعات الفردية. ولائحة المموّلين لكلّ منهما موجودة على موقعه، بما يناقض حال وسائل الإعلام التي تشنّ الحملات دورياً عليهما، المملوكة أو المموّلة من سياسيين ومصرفيّين حامت على الدوام الشبهات حول فسادهم، وسبق لحلفائهم الحاليين في معركة حاكمية المصرف المركزي أن اتهموهم بالسرقة والعمالة وغير ذلك من الاتهامات التي لم تخل الحياة السياسية اللبنانية منها في العقود الأخيرة.
على أن المسألة الفعلية في الحملة على "ميغافون" و"درج" تتخطّى اللحظة الراهنة، رغم أهميّتها وخطورتها. فالهدف منها، ومن الدعوى القانونية المرفوعة ضدّهما، بعبارات وجمل واتّهامات لا سوابق كثيرة لها في لبنان، وهي بمجملها مستقاة من قاموس النظام السوري المخلوع، مثل "إضعاف الشعور القومي" و"النيل من هيبة الدولة"، معطوفة على اتهامات هي الى الهزل أقرب، مثل "زعزعة الثقة بالنقد الوطني" و"ضرب الثقة بالاقتصاد اللبناني"، الهدف منها، هو إبقاء الإعلام الخاص في قبضة القوى السياسية والمصرفية النافذة، والتحضير لدعم خيارات هؤلاء في الأشهر المقبلة المُفضية الى الانتخابات النيابية في أيار/مايو 2026. ويمكن القول أيضاً إن الحملة التي تستهدف "ميغافون" و"درج" تستهدف ما يطرحانه من قضايا ومن تحقيقات سياسية واقتصادية ومن طرح لمسائل اجتماعية ينفر منها المحافظون والمتزمّتون والذكوريّون، وهي قضايا ومسائل تعني جيلاً يتابع الأخبار على تطبيقات هواتفه المحمولة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي أكثر ممّا تعنيه ثقافة شاشات التلفزة ومجالسها.
نحن بالمحصّلة أمام مشهد لم يعد من الممكن
تحليل الديناميات والتحالفات السياسية فيه من دون النظر الى دور "لوبي
المصارف" وتحديد الموقف منه، على نحوٍ عدّل كثيراً من المعادلة السابقة التي
فرزت الاصطفافات تبعاً للموقف من النظام الأسدي البائد تارة، ومن سلاح حزب الله
تارة أخرى. وحتى لو عمد بعض من تحالف مع الحزب في أهم معركة سياسية اقتصادية
اجتماعية في لبنان، هي معركة حقوق ملايين المودعين وأموالهم المبدّدة، الى العودة
الى هجاء الحزب وسلاحه، فنغمتهم هذه، الى طائفيّتها، لن تخفي تحالفهم معه في
المسألة المصرفية وما سينجم عنها، وحاجتهم إليه لخوضها، إذ لو تمنّع وزيراه عن
التصويت لسعيد لما نال الأخير ثلثي الأصوات اللازمين لتعيينه. والحزب الشيعي
المسلّح يعرف مقدار الحاجة إليه، ويدرك أيضاً مقدار حاجته الى رئيس الجمهورية وبعض
القوى الطائفية المخاصمة عادة له، في مرحلة يتعرّض فيها البلد لعدوان إسرائيلي
ولضغوط خارجية، وفي لحظة سيتحضّر الجميع فيها لخوض الانتخابات النيابية بهدف
انتزاع أكبر كتل ممكنة، والعودة الى حكم متحرّر من أي شراكة أُرغموا بها مع رئيس
الحكومة نواف سلام ومع عدد من الوزراء الإصلاحيين.
مقال منشور في ملحق القدس العربي