Friday, July 10, 2026

عنصريّة الملاعب وشرّ التفاهة

تشهد ملاعب كرة القدم الأوروبية أحداثاً عنصرية دورية تستهدف بشكل خاص اللاعبين السود. نرى ذلك في إسبانيا ضد فينيسوس جونيور، ونراه أحياناً في إيطاليا حين يُلقى الموز باتجاه لاعبين سود. ونراه أيضاً في تعليقات عنصرية من صحافيين رياضيين ومن سياسيين في فرنسا وإنكلترا وغيرهما من الدول الغربية التي تجرّم قانونياً العنصرية في الحياة العامة، من دون أن تنجح في استئصالها أو حتى إضعافها. لا بل أنها تعود اليوم لتتقدّم بسفور مع صعود تيارات اليمين المتطرّف التي يتفاخر كثر من رموزه وناشطيه بها.

على أننا لا نتابع كفاية ما يجري في بعض ملاعب أميركا الجنوبية، لعدم وجود تغطية إعلامية أو نقل مباشر للمباريات هناك. لذلك نُصدم إذ نسمع بعض التصريحات الباراغوانية أو عدداً من الهتافات الأرجنتينية التي تتّخذ من البذاءة العنصرية هويةً لها.

لكن المتابع لكرة القدم في القارة اللاتينية، وللسجالات والعداوات التاريخية فيها، يعرف مثلاً أن الأرجنتينيين يتباهون على الدوام بأنهم بأكثريتهم الساحقة بيضٌ من نسل أوروبي خالص، وأن لا سود أو سكّان أصليين إلا في ما ندر في صفوفهم وصفوف منتخباتهم الوطنية. وهم في ذلك نقيض البرازيل خصمهم وندّهم التاريخي، ثم كولومبيا والإكوادور، حيث نسبة اللاعبين السود أو السمر عالية، وعلى خلاف تشيلي والبيرو حيث المتحدّرين من سكّان أميركا الأصليين بارزين في الحيّز العام وفي عالم كرة القدم.

Monday, July 6, 2026

كيف يمكن أن نقاضي إسرائيل ونواجه حصانتها؟

منذ توقيع الاتفاق-الإطار بين لبنان وإسرائيل في واشنطن في 26 حزيران/يونيو الفائت برعاية من وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو المتنافس مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، المسؤول عن الملف التفاوضي مع إيران، يدور سجال حول المادة 13 من الاتفاق المذكور، التي يتعهّد فيها لبنان وإسرائيل بالامتناع عن اللجوء الى "الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية".

ذلك أن هذا الامتناع يعني عدم مقاضاة إسرائيل رغم جرائمها المتكرّرة على الأرض اللبنانية، لا سيّما منذ العام 2023، وما تضمّنته من قتلٍ لآلاف المدنيين اللبنانيين، بينهم مئات الأطفال، ولعشرات المسعفين والصحفيين والعاملين في الخدمات البلدية والإنسانية، ومن تدميرٍ لعشرات آلاف المساكن في بلدات جنوبية وبقاعية وفي ضاحية بيروت الجنوبية، ومن تلويث للتربة والمياه واستمرار احتلال لست مئة كيلومتر مربّع من الأراضي، يواصل الإسرائيليون تفجير البيوت والمنشآت المدنية فيها.

ورغم التوضيحات الرسمية غير المقنعة بعد أيام من التهرّب من التعليق الذي تلى القبول بهذا البند، يمكن القول إن الكثير من الأمور ما زال فعلها متاحاً لمنعه من فرض الصمت القانوني لبنانياً تجاه انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي وللقانون الدولي الإنساني المستمرة. فواشنطن وتل أبيب اللتان أصرّتا على البند المذكور، تدركان أهمّيته في مرحلة تتعرّض فيها حصانة إسرائيل لأول مرة منذ نشوئها لتهديد في المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت مذكرتي توقيف بحق رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في غزة، وفي محكمة العدل الدولية التي تقاضي فيها جنوب أفريقيا إسرائيل إياها بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، إضافة الى سلسلة دعاوى ضد ضباط إسرائيليين في محاكم أوروبية، ومجموعة إجراءات أخرى يجري التحضير لها في أكثر من بلد.

Thursday, July 2, 2026

هل من بديل عن الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل؟

درجت العادة في لبنان منذ فترة، أن يبادر أطراف أو أشخاص للردّ على أي نقد لاتفاق أو لخيار سياسي، بالسؤال عن البديل. وما قد يبدو مشروعاً في هذا السؤال سرعان ما يصبح في سياقات البلد السياسية وسيلة للاختباء خلف وضعٍ داخل طائفة على اعتبار أن لا بديل عن الأقوى فيها، أو خلف زبائنية بحجة أنها الواقع، أو خلف أي طرح على اعتبارٍ ينفي وجود ما يخالفه.

وقد شكّل توقيع الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل فرصة لسماع هذا النوع من المقولات، بموازاة مقولات أخرى من نمط الدفاع عن الاتفاق باعتباره جيداً وسيادياً، ثم القول إنه في أي حال نتاج موازين القوى في الجنوب المنهوش والمحتلّ، أي إنه في الواقع شديد السوء!

والحق أنه بمعزل عن هذه الرتابة، يفيد قول خمسة أمور عن الاتفاق، والتوقف قليلاً عند ما تعنيه.

Sunday, June 21, 2026

دونالد ترامب وأحمد الشرع ولبنان وحزب الله

 كرّر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب دعوته الرئيس السوري أحمد الشرع الى التدخل في لبنان ضد حزب الله، قائلاً إن إسرائيل لم تنجح في الأمر وإنها تقتل الكثير من المدنيين وتدمّر الكثير من المساكن في استهدافاتها لعناصر الحزب. وسبق لسفير واشنطن في تركيا ومبعوثها الخاص الى سوريا توم برّاك، أن ذكر الأمر نفسه وذهب أبعد من ذلك إذ تحدّث عن عودةٍ الى "بلاد الشام" وعن صيغة "سوريا كبرى".

وبمعزل عن العته والجهل واحتقار القانون الدولي في هكذا دعوات وتصريحات، وهي غير مُستغربة من سيّد البيض الأبيض ومبعوثيه (مع صحّتها في ما خصّ الإجرام الإسرائيلي الذي تستمر إدارته في تمويله)، إلا أنها تشير الى عدّة أمور.

Thursday, June 18, 2026

عن الاتفاق الإيراني الأميركي وخسارات اللبنانيين

وقّع الرئيسان الأميركي والإيراني رسمياً نصّ مذكرة التفاهم بين البلدين، وافتتحا مرحلة جديدة في العلاقة ستشهد تفاوضاً ومداً وجزراً حول العديد من الأمور.

ويُظهر نص التفاهم كيف نجح النظام الإيراني في تحويل الحرب التي نجا منها، رغم الخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي مُني بها، الى مناسبة لاستعادة مشروعيّته الدولية ولإعادة صياغة علاقته بالإقليم وبواشنطن.

وإن قارنّا ما أُعلن من أهدافٍ للحرب الإسرائيلية الأميركية على لسان تل أبيب وواشنطن، بالنتائج الميدانية وببنود التفاهم، أمكن لنا التذكير بما يلي.

إسقاط النظام أو تغييره على الطريقة الفنزويلية: أمرٌ لم يحصل، وجاء التفاهم ليطوي صفحة الكلام بالموضوع لفترة ستكون طويلةً، عبر رفع الحصار ورفع العقوبات والتعهّد بإعادة أموال طهران إن تقدّمت المفاوضات في الستين يوماً المقبلة.

تدمير البرنامج النووي: أمر لم يحصل أيضاً، علماً أن ترامب كان قد أعلن عن إنجازه في حزيران 2025، ثم أعلن عن إنجازه مجدداً في آذار 2026، فإذا بالمفاوضات تعود الى ما كانت عليه قبل الحربين الأولى والثانية، مع تعهّد إيراني بعدم السعي مستقبلاً لامتلاك سلاح نووي، وهو أمر يتماشى أصلاً مع فتوى سابقة للمرشد الراحل علي الخامنئي تحرّم النووي العسكري.

تدمير البرنامج الباليستي وسائر البرامج العسكرية الكبرى: وهو أمر لم يحصل بدوره، لا بل أعادت إيران (بمساعدة الصين) بناء ما تضرّر من برامجها، وسقط الحديث عن الموضوع برمّته في الاتفاق الجديد.

تدمير أذرع إيران الإقليمية، مع التركيز على حزب الله: وهو أمرٌ لم يكن في أي حال ليتحقّق، لأسباب مجتمعية لبنانية، ولَو أن حزب الله تعرّض لخسائر عسكرية كبيرة. ونصّ التفاهم على وقف النار معه في لبنان، بما أنهى الكلام عن "إزالته". وما تصريح ترامب حول فشل إسرائيل في التعامل مع الحزب وقتلها الكثير من المدنيين وطلبه العجائبي والإجرامي الى الرئيس السوري أحمد الشرع تولّي الأمر سوى دلالة على تخبّطٍ غير مسبوق في السياسة الأميركية المعلنة أو المضمرة.

Sunday, June 14, 2026

أسوأ ظرف لكأس عالم، ومع ذلك فهي تدور

تنطلق في 11 حزيران/يونيو في المكسيك مسابقة كأس العالم لكرة القدم، في نسختها الثالثة والعشرين، بعد 96 عاماً من انطلاق النسخة الأولى في الأوروغواي العام 1930 (علماً أن نسختين أُلغيتا في العامين 1942 و1946 بسبب الحرب العالمية الثانية).

وتستضيف دول أميركا الشمالية الثلاث المسابقة المقبلة، وهي الأوسع لجهة عدد المنتخبات، إذ ارتفع العدد من 32 منتخباً وطنياً الى 48، وبالتالي لجهة عدد المباريات التي صارت 104 بعد أن كانت 64. كما أنها الأوسع لجهة عدد الملاعب التي ستحتضن المباريات في مدن الولايات المتحدة (11 ملعباً) وكندا (ملعبان) والمكسيك (3 ملاعب).

وإذ ادّعت الفيفا (الاتحاد الدولي للّعبة) أن رفع عدد المنتخبات هدفه زيادة تمثيل القارات وتشجيع انتشار اللعبة الأكثر شعبية في العالم، فإن الواضح أن الهدف اقتصاديٌ وإعلامي وانتخابي داخلي، وهو سيؤثّر بلا شك على مستوى المسابقة، نظراً للتفاوت الكبير في الإمكانيات بين عدد من المنتخبات التي ستتواجه في الدور الأول.

Sunday, June 7, 2026

ماذا لَو استمرّت إسرائيل في احتلال شريط حدوديّ في لبنان؟

 تشير التطوّرات الميدانية والسياسية المستمرّة في لبنان، إن لجهة مواصلة إسرائيل قصفها للجنوب واجتياحها لمناطق فيه وتهجير سكّانها، أو لجهة المفاوضات على "وقف إطلاق النار" في واشنطن بين ممثّلين عن حكومتَي بيروت وتل أبيب برعاية أحادية أمريكية، الى أرجحية استمرار التصعيد وفشل الإجراءات التي جرى الإعلان عنها في الاتفاق الموقّع في 4 حزيران/يونيو 2026، لثلاثة أسباب.

الأول، أن إسرائيل لا تريد هدنة شاملة أو وقفاً لجميع "الأعمال العسكرية" ولا تقبل بالبحث بالانسحاب من الأراضي الواسعة التي احتلّتها. وقد أكّد رئيس وزرائها عزمها البقاء لمدّة غير محدودة في الجنوب، وشدّد وزير دفاعها على تمسّك دولته بالحقّ "بضرب حزب الله كلّ ما اعتبرت أن أمنها مهدّد". وهو أمرٌ يتيحه تأويل ما أُعلن عنه في أي حال، تماماً كما أتاحته التباسات اتفاق وقف النار السابق في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

الثاني، أن حزب الله بلسان أمينه العام رفض الاتفاق الجديد، واعتبره اتفاق إذعان. والأكيد أن الحزب لن يقبل بأي اتفاق قبل اتّضاح مسار التفاوض الأمريكي الإيراني وقبل إيعاز طهران له بالأمر. كما أنه لن يقبل باتفاق يُبقيه عرضة للنيران الإسرائيلية كما كانت حاله طيلة 15 شهراً سبقت 2 آذار/مارس الماضي. وسيجاريه رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الى حدّ بعيد في المواقف هذه.

والثالث، أن السلطة اللبنانية لا تستطيع فرض الاتفاق وتنفيذ ما تعهّدت به في واشنطن إن لم يقبل الحزب به، لأن لا مواجهة ممكنة بين الطرفين، ولأن تأييد جزء واسع من الرأي العام اللبناني لها لا يكفي لتعويض معارضة جزء آخر، غير قليل، لمواقفها التي بدت مؤخراً شديدة الالتصاق بالمواقف الأمريكية والمراهنة عليها.

Wednesday, June 3, 2026

في تعاملَين إطلاقيَّين مع إسرائيل

ثمة تشابه متزايد في تحليل "الفلسفة الحربية" الإسرائيلية بين مريدي حزب الله وبعض ألدّ أعدائه اللبنانيين. ذلك أنهم يُجمعون على ثلاثة أمور.

الأول، أن إسرائيل تتصرّف عسكرياً على نحو "إطلاقي" أو حتى "ماهوي"، وعلى أسس لا ترتبط بالظروف السياسية ولا بالمعادلات الإقليمية والدولية وموازين القوى فيها. فحروبها هي إما حتمية، لا مفرّ منها ولا ضرورة لمناقشة جدوى فتح جبهات ضدّها لأنها في أي حال ستشنّ الهجمات التدميرية وستقتل بلا حسيب أو رقيب؛ وإما مجرّد ردّات فعل يمكن دائماً تلافيها لأن تاريخ العنف الاسرائيلي هو تاريخ دفاعيّ، وكل ما يجري حالياً هو نتيجة تعرّض إسرائيل لعنف تقابله بعنف مضاعف.

الأمر الثاني، ربطاً بالأول، أن الحل الوحيد معها هو إما قتالها حتى إزالتها، أو السلام معها لأنه سيُنهي الخراب والخسائر ويوفّر مستقبلاً مستقراً في لبنان والمنطقة. بمعنى آخر، هي طرف غير مبادر وغير "سياسي" ولا أهداف له في ما يخصّ محيطه المباشر، والحل معه كما مستقبل المنطقة لا هوامش عمل سياسي فيه، ولا فرضيات واحتمالات تبدّل وديبلوماسية وثقافة وبناء تحالفات بأساليب مختلفة، بل حرب مفتوحة أو "سلام" لا يُعرف المقصود به في ظلّ الاحتلال وتفجير البلدات والقتل اليومي في لبنان، وفي ظل استمرار الإبادة في غزة والاستيطان المتوحّش في الضفة والقدس والاجتياحات في سوريا.

أما الأمر الثالث، فمفاده أن القانون الدولي وكل ما بنته الإنسانية من نظم كونية وقيم تضامن وتفاعل تحملها القوى الاجتماعية ("الغربية" تحديداً) المكافحة من أجل عالم أفضل، لا أهمية لها في ما يخصّ إسرائيل. فهي موضع تشكيك واتهام بانعدام الفاعلية والجدوى من ناحية، وموضع تندّر واستخفاف بالمصداقية والمعرفة (خاصةً حين تعادي إسرائيل!) من ناحية ثانية.

Saturday, May 16, 2026

الحطام بوصفه سياسة إسرائيلية من غزة الى جنوب لبنان

في الوقت الذي ينتظر فيه الجميع في لبنان مآل التفاوض في إسلام آباد وواشنطن، ويعلن حزب الله تمسّكه بالاستراتيجية الإيرانية وبخياراتٍ لم تردع آلة القتل الإسرائيلية ولم تحدّ من توسّع الاحتلال، تواصل إسرائيل تنفيذ سياسة الأرض المحروقة، ساحقةً البيوت والبنى التحتية في الجنوب.

وفيما تتصاعد السجالات والاتهامات، وينبري سياسيون وكتّاب إلى تحليل المشهد الجنوبي وفق مقاربات لا تبدو إسرائيل، في كثير منها، فاعلاً صاحب سياسة، بل مجرّد طرف يستجيب للأحداث ولأهوائهم، تُسالم إن سالموا فتنسحب إلى الحدود، أو تقتل وتدمّر إن تأخّر الأمر، تواصل إسرائيل نفسُها توسيع رقعة احتلالها وقضم المزيد من البلدات وتفجير معالم الحياة فيها. وهذا في ذاته، صار هدفاً رئيسياً من أهدافها، منذ حربها الأخيرة في غزة قبل عامين ونصف، في استعادة لما اعتمدته أيضاً لحظة قيامها، أي لحظة النكبة الفلسطينية، قبل ثمانية عقود.

الإبادة العمرانية 

حوّلت إسرائيل الحطام، أو الخراب، إلى سياسة متكاملة: سياسة تصيب المكان والزمان معاً. فمن خلال تدمير البيوت والمكتبات والأرشيفات والصور والوثائق العقارية، وصولاً إلى المقابر، يشنّ الإسرائيليون حرباً على الحاضر وعلى الذاكرة. يمدّدون سطوة الحرب إلى ما بعد القصف و"وقف إطلاق النار"، ويحوّلون مشهديّة الحطام إلى مؤسّسة للعقاب، وإلى استعراض للقوة وللحصانة في انتهاك القوانين الدولية.

Monday, May 11, 2026

عن الواقعية والحتمية ووهم السلام

أثار طرح "خيار ثالث" في لبنان، في موقع "ميغافون" الالكتروني، سجالات وردوداً بعضها رصين ومُحفّز على التفكير، وبعضها الآخر يرتبط بثقافة ثنائيات مقفلة لا تقبل الاختلاف، ولا تُعنى أصلاً بالنقاش السياسي بقدر ما يعنيها التموضع والتسليم بمنطق التخوين الذي صار أداة الاستقطاب الأبرز في البلد.

و"الخيار الثالث" المُشار إليه هو ذاك الذي يدعو الى البحث في سبل الخروج داخلياً في لبنان من حلقة مفرغة بين خيار حزب الله الحربي ربطاً بتحالفه مع إيران وخيار بعض الأطراف المعارضة للحزب، التي تتباين وجهات نظرها حول الكثير من المسائل، لكنها تُجمع على ما يُشبه سحرية الحلول الآتية من واشنطن ومن التفاوض مع إسرائيل.

والتفكير بسبل الخروج من هذه الحلقة يفترض إضافة الى القول بضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومثله قرارات الحرب والسلم ورفض منطق ربط الجنوب اللبناني باستراتيجيات طهران، قولاً آخر حول سبُل تحقيق ذلك، وسُبل التعامل مع المفاوضات، وضرورة التمييز بين كل تفاوض مشروع وواجب على الدولة اللبنانية للوصول الى وقف نهائي للنار ولعمليات تفجير القرى الحدودية وإنهاء الاحتلال، وبين اتفاقيات سلام ثم تطبيع مع إسرائيل، يُمنّي بعض القوى السياسية النفس بها، ولنا عودة الى ذلك.

هل صحيح أن الخطّ الثالث مجرّد وهمٍ وطهرانية سياسية؟

منذ إطلاق صواريخ حزب الله الستة دعماً لإيران في 2 آذار الفائت، وما تلاها من حرب إسرائيلية شاملة تَوجّت بعنف همجيّ مسار جرائم وانتهاكات لم تتوقّف يوماً رغم اتفاق وقف النار الموقّع أواخر تشرين الثاني 2024، والبلد منقسمٌ بين خطابين حادين وتبسيطيّين، ولَو أنهما لا يختزلان المشهد بأكمله.

Monday, April 27, 2026

بعض الليبراليين العرب والمسألة الإسرائيلية

يجهد بعض الكتّاب اللبنانيين والعرب، المُحتسَبين على تيار ليبرالي فضفاض أو متعدّد المشارب، في تسويق خطاب سياسي يواكب المرحلة الراهنة التي يميّزها فائض العنف والتدمير في منطقة "الشرق الأوسط".

ويقوم خطابهم هذه المرّة، بعد أن كان مكرّساً في مرحلة سابقة لنقد التيارات الممانعة، يسارية وقومية وإسلامية، ولنقد الأنظمة العربية باستثناء الأنظمة الخليجية، على اعتبار أن السلم مع إسرائيل هو الحلّ للكثير من المعضلات المجتمعية والثقافية والاقتصادية في المنطقة.

والحقّ أن الخطاب هذا، رغم افتقاره لأي تماسك، ورغم هشاشة براهينه والأمثلة التي يُقيم عليها مقارناته ليثبت حججه، يبدو جذّاباً لفئات من جيل أو جيلين، سئمت الحروب وبلادة المقولات المرافقة لها أو المبرّرة لأطوارها الكارثية، وحاصرتها ظروفها المعيشية ضمن أطر لم تعد تسمح لها بالإطّلاع  الدقيق على ما يجري في العالم، ولا على ما يشغل بال قسمٍ كبير من جيل جديد، لا يتشارك وإياها نفس وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت صلتها شبه الوحيدة بالقراءة و"المعرفة".

وإذا كان الخطاب الليبرالي المذكور قد امتلك سابقاً مشروعيةً من نقده للممانعة ورثاثة منظومتها الفكرية، وادّعى حكمة ونضجاً من نقده لتجارب الإخفاقات التنموية والهزائم العسكرية والسياسية لبعض الأنظمة العربية، فإن عجزه عن قول أي جديد خارج إطار هذين النقد وادّعاء الحكمة، يدفعه اليوم لترداد مقولات لا تقلّ رثاثة عمّا سبق أن انتقده على مدى عقود.

Wednesday, April 22, 2026

درونْ

ليس مبالغاً القول إننا نعيش منذ أكثر من عقد في مرحلة تكنولوجية جديدة عنوانها الـ"درون"، أو الطائرة المسيّرة الصغيرة التي غيّرت وتغيّر تفاصيل الحياة. 

بدأ الأمر بالعلاقة مع التصوير. التصوير من ارتفاعات لمسح الأراضي، ثم لتقديم صور جوية مدنية أو عسكرية لمناطق، ثم لتغطية صحافية أو وثائقية لتجمّعات أو استحقاقات رياضية. ثم تطوّر الأمر سينمائياً ليصبح من النادر أن نشاهد فيلماً أو "فيديو كليب" من دون مسيّرات ومن دون صور توفّر بعداً آخر للمَشاهد والأحداث.

 ثم أقحم باراك أوباما المسيّرات في "الحرب على الإرهاب" بحجة بدء سحبه الجيوش الأميركية من أفغانستان والعراق ورفضه الاستمرار بعمليّات عسكرية واسعة النطاق. فكان لجوؤه الى ما سُمّي اغتيالات إطلاقاً لحرية عمل المسيّرات المبرمجة، التي قتلت المئات في أفغانستان واليمن بشكل خاص، ثم في العراق وسوريا، وكان بين ضحاياها العشرات من المدنيّين الذين انطبقت عليهم الخصائص الفيزيولوجية للمُستهدفين من عناصر الطالبان والقاعدة ثم الدولة الإسلامية في الضربات المذكورة. وكنا يومها في بداية "الذكاء الاصطناعي" المُعسكر، ولم تُثر مسائل الاستهداف والقتل المبرمج والاغتيال وجرائم الحرب المستجدة الكثير من الاهتمام، إذ أن "الحرب على الإرهاب" تكاد تُجرّم نقدها وتستسهل الإيغال في دم ضحاياها. كما أن تطبيق القانون الدولي الإنساني على آلات صمّاء مبرمجة للقتل من الجو وفق قواعد بيانية ومعلومات استخباراتية أو تصوير مسبق تطلّب اجتهادات جديدة وكلاماً حول المبرمِجين وحول أوامر القصف أو القتل الفوري عند الشك بالهدف من دون العودة الى "بشريّ" يُتيحه أو يحول دونه. وهي اجتهادات وكلام ما زال النقاش محصوراً حولها بخبراء يحاولون بلورة قواعد للأمر ولو من دون تأثير كبير، حتى الآن، على المقرّرين والمنفّذين.

Thursday, April 16, 2026

مفاوضات تبحث عن وفاق داخلي

حول التحديات الداخلية والخارجية في لحظة المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية 

لوقف إطلاق النار 

خطّان تفاوضيّان لا حلّ لبنانياً بغير تكاملهما

تتسارع في "الشرق الأوسط" بعد توقّف الحرب الأمريكية الإسرائيلية مؤقتاً على إيران، وتصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، مسارات التفاوض، ومثلها مسارات التصعيد والتحضير لجولة عنف جديدة.

ففي وقت تنطلق فيه المفاوضات الايرانية الأمريكية في باكستان، على أساس سلّة تفاهمات مبدئية ومجموعة بنود خلافية جوهرية ليس من السهل الوصول الى اتفاقات حولها، انطلقت أيضاً اتصالات لبنانية أمريكية إسرائيلية، من دون وقف للنار وفي ظلّ التباسات حول مضمونها وحول علاقتها ببعض البنود التي ستُبحث في أي حال في اجتماعات إسلام أباد.

Sunday, April 5, 2026

أحمد قعبور: قمر بيروت وناسها

لا أعرف متى اكتشفت صوت أحمد قعبور. متى جذبني الحنان الذي يتسلّل من أدائه ومن موسيقاه. ربما كان ذلك في أواخر السبعينات. حين كان قد تخرّج للتوّ من تجربتين: تجربة غازي مكداشي الموسيقية الرائدة مع فرقة الكورس الشعبي وشريط "الأسلحة والأطفال" (وفيه "يحكون في بلادنا" و"سقوط القمر" و"سجّل أنا عربي" ومجموعة قصائد أُخرى مغنّاة لبدر شاكر السياب ومحمود درويش)؛ ثم تجربة المسرح الغنائي التسجيلي المرافق لها مع فرقة السنابل (وبقيادة مكداشي أيضاً) الذي شهد أعمالاً بديعة للأطفال (بمشاركة حسن ضاهر وعبيدو باشا وإيلي حداد وآخرين)، من بينها "الغراب الأسود" و"فراس والدولاب الفصيح" و"زنبق والجبل". 

كنا يومها في زمن شريط "الكاسيت" وكان يمكن عبر إقفال فتحتين صغيرتين في أسفل الشريط أن نسجّل فوق المضمون ما نريد. قرّرنا مرّة، أختي ليال وأنا، أن نعدّل في مقدّمة "الغراب الأسود" ثم أن نختم "القصة" بتقييم وبسؤال يتوجّه للمستمعين والمستمعات، وفي طليعتهم أختنا الصغرى ريّان، التي كانت في الحقيقة المستمِعة الوحيدة. سُعدنا بالنتيجة، فصارت لفرط ما أعدنا سماعها "تمطّ"، بما أصاب الشريط بضررٍ لم يردعنا عن تكرار تجارب لاحقة، ظلّت حبيسة أشرطة انتهى زمنها، وضاعت على الأرجح خلال تنقّلاتنا العديدة بين منازل بيروتية وجنوبية احتضنتنا خلال ما عشناه - كما مئات ألوف اللبنانيين - من نزوح متكرّر على مدى سنوات.

على أن صوت أحمد قعبور ظلّ واحداً من الأصوات المرافقة لكامل المرحلة تلك ولتنقّلاتنا خلالها. فهو استقلّ فنّياً بعد ذلك، وعلى نحو تدريجي، وبدأ بتأسيس مشروعه بتنوّعه وتنوّع مشاربه. وهو كان قد أنشد أغنيته الأشهر، أناديكم (من كلمات توفيق زيّاد)، التي صارت أبرز ما يعرِّف به وأكثر ما التصق باسمه لدى جيل أو جيلين. فاعتمدها لاحقاً عنواناً لأول شريط مستقلٍ له، ضمّ أيضاً "إرحل" و"نبيل" و"الضفة" و"جنوبيون" وغيرها مما طبع حقبةً من الحرب اللبنانية ومن العلاقة بفلسطين، وارتبط بالاجتياح الإسرائيلي وبقتال القوات المشتركة تصدّياً له. كما ارتبط بنوعٍ من التنافس الموسيقي اليساري الذي قام وقتها بين أحمد ومرسيل خليفة وخالد الهبر (والى حدّ ما زياد الرحباني) ومسرحيين وشعراء ابتعدوا لاحقاً عن التصنيفات والانتماءات الحزبية.

لوحة بريشة الفنانة إيمان بكداش لأحمد في قهوة الروضة في بيروت

سيناريوهات لإعلان "الانتصار"

تتزايد الاتصالات الديبلوماسية بموازاة تصاعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وبات من الواضح أن باكستان وتركيا تقومان بجهد كبير لنقل الرسائل والرسائل المضادة بين واشنطن وطهران، وسط مهل وإنذارات متبادلة.

وفي حين تتعرّض إيران لضربات عسكرية دمّرت حتى الآن جزءاً كبيراً من قوتها العسكرية ومن بنيتها التحتية وقضت على قيادات أمنية ومن الحرس الثوري فيها، إضافةً طبعاً الى اغتيال علي لاريجاني وقبله المرشد علي خامنئي، تتعرّض واشنطن وتل أبيب لتحدّيات جدّية لم تكن جميعها في حسبانهما.

Saturday, March 28, 2026

ماذا بعد خطابات الشماتة والتخوين؟

تسود منذ اندلاع "حرب إسناد إيران" خطابات ثلاثة في الأوساط اللبنانية المعارضة لحزب الله.

خطاب تحوّلت معارضته للحزب الى عداء وصل في بعض الأحيان حدود الشماتة بقاعدته الاجتماعية المنكوبة وتمنّي قضاء إسرائيل عليه.

خطاب ثانٍ يعبّر عنه أحياناً رئيس الجمهورية جوزف عون ويركّز عليه خصوصاً رئيس الحكومة نواف سلام، ومفاده تحميل الحزب المسؤولية الكبرى في التسبّب بالحرب الجديدة، مع الدعوة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات القتل والتهجير المتواصلة ليُصار الى استعادة الدولة قرار الحرب والسلم وحصر السلاح. ويُدين الخطاب هذا بعبارات قاطعة الشامتين ممّن عدّهم سلام "أصحاب نفسيات مريضة"، من دون أن يُهمل التخوين والتهديد الذي يطلقه مسؤولون من الحزب وعدد من مريديه، وما يمثّله الأمران من مخاطر على البلد وعلى "السلم الأهلي" فيه.

وخطاب ثالث يوافق على خطاب رئيس الحكومة وعدد من وزرائها تحديداً، لا سيما نائب رئيسها طارق متري ووزير الثقافة فيها غسان سلامة، لكنه يضيف إليه أمراً ويركّز عليه. والأمر هو اعتبار ما يجري في البلد اليوم، بعد التأكيد على مسؤولية حزب الله عن توفير ذرائع له عبر إسناد طهران وانتهاك قرارات الحكومة ومبدأ سيادة الدولة، استكمالاً لمشروع توسّع إسرائيلي يهدف الى فرض سطوة سياسية في المنطقة بواسطة الاحتلال العسكري والقوّة، من إيران الى جنوب سوريا فجنوب لبنان، لخلق واقع إقليمي جديد تُفاوض إسرائيل من بعده وهي تحتل أراضي بعد أن دمّرت مناطق كاملة وهجّرت أهلها. وهذا لا يعني بأي شكل التسليم بمقولة "حتمية الحرب" بمعزل عن المبرّرات وواجبات السعي لتجنّب امتدادها والإرادية في هكذا سعي، ولا يعني كذلك الإقلاع عن كل جهد للتوصل الى وقف النار، والتفاوض وتكثيف العمل الديبلوماسي. لكنه يشير الى ضرورة بلورة موقف من الحقبة الجديدة من العدوانية الإسرائيلية التي استهلّتها حرب الإبادة في غزة قبل أن تصير استراتيجية إسرائيلية متدحرجة، يكرّر بنيامين نتنياهو ذكرها إذ يتفاخر "بالشرق الأوسط الجديد" ومثله يفعل وزراؤه الذين يدعون دورياً لإسرائيل كبرى.

Thursday, March 19, 2026

الحرب في لبنان والتقاذف بسرديّتين اتّهاميّتين

تتواصل فصول الحرب الإسرائيلية الضارية على لبنان، ويتواصل معها التقاذف بالاتهامات بين الأفرقاء اللبنانيين، في حين تحاول الحكومة في بيروت إقناع دول إقليمية وأوروبية بالتدخّل لدى واشنطن وتل أبيب لوقف الحرب، بما يسمح للمهجّرين بالعودة الى مدنهم وأحيائهم وبلداتهم، وبما يتيح للجيش اللبناني نزع سلاح حزب الله الذي بات رسمياً "خارجاً عن القانون".

الاتهام والتبسيط والتخوين

في نفس الوقت، يعبّر لبنانيّون كثرٌ، من طوائف ومناطق وفئات اجتماعية مختلفة، عن سخطهم على حزب الله وغضبهم عليه لانخراطه في الحرب دفاعاً عن إيران في وجه الحملة العسكرية التي تشنّها تل أبيب وواشنطن عليها، وثأراً للوليّ الفقيه. ويعدّونه أقحم لبنان بحرب إسناد ثانية بعد أن أقحمه بحرب إسناد لغزة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2024، انتهت بكارثة بشرية وعمرانية واقتصادية لبنانية، ولم تؤثّر في مسار الحرب الإبادية على غزة في شيء.

ويرون في كل هذا تبعية من الحزب لطهران واستعداداً لنحر البلد وأهله في سبيل نجدتها.

في المقابل، يردّ حزب الله ومريدوه على منتقديهم بزعمٍ مفاده أن إسرائيل كانت تعدّ العدّة لحرب شاملة على الحزب وعلى لبنان، وأن المسألة لا ترتبط ببضعة صواريخ أُطلقت عليها بعد تمنّع عن أي ردّ على مدى أشهر من الغارات والاغتيالات التي واصلت تنفيذها. ويقولون إن الحشود الإسرائيلية وتعبئة الاحتياط والتحضير لتوسيع الاحتلال في جنوب لبنان ضمن خطّة تغيير المعادلات في الشرق الأوسط بأكمله التي يردّدها بنيامين نتنياهو نفسه هي خير دليل على أن القصة كانت قصة وقت وأن الحرب كانت لتحصل بمعزل عن إطلاق الحزب لصواريخه، رافضين قرار الحكومة الأخير ومعتبرين خصومهم مأمورين من واشنطن وبعض حلفائها العرب.

Sunday, March 8, 2026

بين العراق 2003 وإيران 2026

تشن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية حرباً شاملة على إيران منذ أيام. وتردّ الأخيرة بما تملك من صواريخ و"درون"، وحلفاء إقليميين في لبنان والعراق. وتردّ أيضاً عبر تعميم الفوضى في الخليج حيث النفط والغاز وإمكانيات التأثير في السوق العالمي للطاقة. 

ويفيد إذ نراقب ما يجري أن نعقد بعض المقارنات بين هذه الحرب والحرب الكبرى الأخيرة التي سبقتها، واستُخدمت فيها ذرائع غير بعيدة عن الذرائع المستخدمة اليوم، ولَو في ظروف دولية وإقليمية مختلفة. ونعني بالطبع حرب العراق العام 2003.

Sunday, March 1, 2026

خرائط وتحالفات متحرّكة في شرق أوسط جديد

 تدخل منطقة "الشرق الأوسط" ومحيطها المباشر حيث محاور التقاطع بين أفريقيا وآسيا وأوروبا مرحلة جديدة في تاريخها الحديث. يأتي ذلك نتيجة تطوّرات حربية وسياسية متسارعة، ونتيجة تحالفات مستجدة تخترق الحدود الوطنية التي قامت تدريجياً خلال القرن الماضي.

Friday, February 20, 2026

ليلى شهيد صوت فلسطين الأبهى

مازح محمود درويش مرّة صديقيه الياس صنبر وفاروق مردم بك، قائلاً إنه يغار من ليلى شهيد ويريد تجنّب المشي الى جانبها في الأمكنة العامة في باريس، لأن الناس يتقدّمون دوماً نحوهما، للسلام عليها أو التقاط صورة معها، فيضطر الى الانتظار ريثما تحيّي محبّيها، أو تضطر هي الى لفت نظرهم الى أن رفيقها هو الشاعر الفلسطيني المعروف "ما غيره"، وهو المستحقّ التحية...

وليلى شهيد، سفيرة فلسطين في فرنسا ثم في بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ والاتحاد الأوروبي بين العامين 1993 و2015، كانت بلا شك الوجه الفلسطيني الأبرز إعلامياً وسياسياً في أوروبا على مدى عقدين من الزمن. فالمولودة في بيروت العام 1949 من أبٍ عكاوي وأم مقدسية كان الكفاح السياسي قدر ذويهما منذ وعد بلفور العام 1917 والثورة الكبرى العام 1936 ثم قرار التقسيم والنكبة في العامين 1947 و1948، انتسبت منذ صباها الى حركة فتح. تدرّجت في العمل السياسي وفي النشاط الثقافي، خاصة خلال دراستها في باريس، حيث اغتال الموساد العام 1973 مبعوث فلسطين محمود الهمشري، أحد أوائل الذين بنوا سردية "ديبلوماسية" فلسطينية في الخارج. هناك، انضمّت ليلى الى مجموعة من الفلسطينيين والعرب، ممّن تحلّقوا حول خلَف الهمشري في منصب "السفير الفلسطيني"، عز الدين القلق، ومن بينهم صنبر ومردم بك، ونسجت وإياهم علاقة وثيقة بمثقفين وكتاب فرنسيين يساريين، طيلة السبعينات، الى أن اغتالت جماعة أبو نضال القلق صيف العام 1978، في عملية ظلّت ليلى تتذكّر تفاصيل يوم حدوثها المشؤوم، نظراً لتعلّقها بالقلق وبالأثر الذي تركه في ثقافة جيلها السياسية.

Monday, February 16, 2026

فرنشيسكا ألبانيزي ووضاعة الأقوياء

تتعرّض مقرّرة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرنشيسكا ألبانيزي لحملة سياسية جديدة تستهدفها كشخص وكنموذج في العمل، وكموقف مستقل ورافض للمساومة على القانون الدولي وما يمليه في ما يخصّ الفلسطينيين والجرائم الإسرائيلية المُرتكبة ضدّهم.

والحملة الجديدة ضد المحامية الدولية الإيطالية، التي برزت منذ بدء حرب الإبادة في غزة كموثّقة للانتهاكات وللمسؤوليات، هي حملة تقوم على تحوير مداخلة مسجّلة لها بعثتها الى منتدى الجزيرة الذي انعقد مؤخراً في الدوحة، حيث شاركت (عبر الفيديو المسجّل) في جلسة عنوانها "القضية الفلسطينية: تحديات وفرص تحقيق المساءلة وسيادة القانون"، الى جانب فاتو بنسودا، المدّعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية، وحقوقيّين آخرين. وألبانيزي تحدّثت في مداخلتها عن نظام كوني تتشابك فيه المصالح الاقتصادية والسياسية على حساب الحقوق والقانون، بما سمح ويسمح بارتكاب الإبادة المتواصلة في غزة. واعتبرت أن النظام هذا عدوّ للإنسانية جمعاء. أما التحوير، أو التزوير السياسي، فذهب الى اجتزاء فيديو إلبانيزي وقصّ بضع كلمات منه وإعادة بثّه على نحو يبدو أن مقصدها المباشر من "عدو الإنسانية" هو إسرائيل. وعليه، انطلقت الحملة ضدّها في فرنسا بقيادة النائبة عن الدائرة الثامنة لفرنسيي الخارج، كارولين يادان، المعروفة بتطرّفها في دعم تل أبيب، على نحو يدفع البعض الى تسميتها بممثّلة بنيامين نتنياهو في البرلمان الفرنسي. ونشرت يادان الفيديو المجتزأ على وسائل التواصل الاجتماعي واعتبرته كافياً لاتهام ألبانيزي بالعداء للسامية وبثّ الكراهية ضد إسرائيل. وقد جارى يادان في اتهاماتها عدد من نواب اليمين، وروّج لتزويرهم صحافيون من وسائل إعلام مختلفة، ثم تبنّى الموقف هذا وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو بقلّة مسؤولية غير مسبوقة على هذا المستوى، دون الرجوع الى أي من أعضاء فريق عمله في الوزارة لتقصّي حقيقة الأمر قبل التحدّث عنه. وذهب الوزير بخفّته الى حدّ المطالبة باستقالة ألبانيزي أو إقالتها. الأنكى أنه رغم نشر وسائل إعلام وصحف (بدءاً بجريدة لو باريزيان ومحطة فرنسا 24) تعتمد "خدمة التدقيق بالمعلومات" تكذيباً للمنسوب الى ألبانيزي، ثم اعتراف الناطق باسم الخارجية الفرنسية بالتحوير والخطأ دون الاعتذار أو التراجع عنه، انضمّ الى الحملة ضدّ المقرّرة والحقوقية الأممية وزراء خارجية ألمانيا وهنغاريا وجمهورية التشيك، وطالبوا بدورهم بإقالتها. علماً أن ولاية الأخيرة جدّدها مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة حتى العام 2028. 

فلسطين وأوروبا - حوار مصوّر

حوار من خمسين دقيقة مع محمد أبو عبيد، حول المسألة الفلسطينية اليوم وحضورها أوروبياً، وحول لبنان ووضع المنطقة عامة. للمشاهدة، يمكن النقر على الصورة أدناه

Saturday, February 7, 2026

أممية أبستين: أموال، نفوذ، استعباد ومخابرات

اجتاحت ملفات جيفري أبستين، وفيها أسماء السياسيين والفنانين ورجال الأعمال من أصحابه، العالم بأسره.

ويمكن القول حتى قبل الخوض في مضمون المراسلات وملايين الصفحات والصور التي كشف عنها التحقيق في الولايات المتحدة الأميركية تباعاً، أن أبستين نجح على مدى عقود في تشكيل "أممية" لا سابق لها بين أفراد وعائلات من القارات الخمس. وهو ضمّهم الى شبكاتٍ اجتمع المئات من أعضائها دورياً ومداورة في جزيرةٍ امتلكها، حيث خلق لهم أوقاتاً مستقطعةً في مساحة خالية من أي "قانون عام" أو وازع أو مُحرّم، أبعدهم مؤقتاً عن عوالمهم المختلفة محافظاً لهم على المشترك الأبرز: حصانتهم بوصفهم أقوياء، يحقّ لهم كل شيء. يحقّ لهم اغتصاب فتيات مراهقات، واسترقاق عارضات أزياء استُقدمن خصيصاً أو خداعاً الى جزيرة أحلام أوهمن بإمكانية مغادرتها لاحقاً الى الشهرة والجاه. ويحقّ لهم التفاوض السريع على عقود عمل وبيع أسهم واستثمار في شركات وتسريح موظفين. ويحقّ لهم أخيراً العودة تكراراً الى الجزيرة إياها، إذا ظلّوا "أقوياء" وأعضاء في أمميّته.

Saturday, January 31, 2026

أوروبا إذ تكتشف ماضيها في عالم بوتين وترامب

لم يسبق أن تعرّضت أوروبا منذ انهيار جدار برلين أواخر العام 1989 لتحدّيات سياسية واقتصادية وأمنية شبيهة بما تتعرّض له منذ أربع سنوات.

فرغم الحرب الضروس التي شهدتها القارة على مراحل (بين العامين 1991 و2001) في شرقها الجنوبي، أي في يوغوسلافيا السابقة التي تفكّكت وخلّف حطامها مآس وتطهيراً عرقياً ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم، ورغم بدء الحرب الأوكرانية في الدونباس وجزيرة القرم والتدخّل الروسي فيها العام 2014 وما نتج عن ذلك من قتل وتهجير وخشية تبديل جغرافي بالقوة لحدود الدول، فإن ما يجري منذ شنّ بوتين حربه الشاملة على كييف في شباط/فبراير 2022 من جهة، ومنذ عودة دونالد ترامب الى سدّة الرئاسة في واشنطن في كانون الثاني/يناير 2025 وعبثه الخطير بالعلاقات الدولية من جهة ثانية، يضع الأوروبيين في موضع بين فكّي كمّاشة لا قدرة لهم على التعامل السريع والفعّال معه.

دونالد ترامب في القطب الشمالي

منذ إعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية أواخر العام 2024، رغم ما جرى بعد خسارته انتخابات العام 2020 التالية لولايته الأولى ورفضه النتائج واقتحام أنصاره مقر الكونغرس في كانون الثاني 2021، يهجس دونالد ترامب بالتوسّع الجغرافي وبما يسمّيه الاستحواذ على أراض خارج أميركا.

من غزّة المُبادة التي قال إنه سيُخرج سكّانها لتتملّكها واشنطن وتعيد بناءها كريفييرا على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسّط، الى فنزويلا التي كرّر قبل خطف رئيسها وبعده أنه سيستولي على نفطها بحجّة أنها "سَرقت" في السنوات الماضية نفطاً أميركياً، الى كوبا التي ذكر أن إسقاط نظامها سيجعلها "صديقة حميمة" لأميركا ويُعيد إليها لحُكمها أميركيين من أصل كوبي، بعضهم ناشط في قاعدته الانتخابية في فلوريدا حيث قصره وإقامته، وبعضهم مقرّب شخصياً منه مثل وزير خارجيته ماركو روبيو، مروراً بكندا التي ادّعى أن الفضل لوجودها يعود الى الولايات المتحدة التي من حقّها بالتالي أن تضمّها فتصبح الولاية الواحدة والخمسين، وانتهاءً بجزيرة غرينلاند العملاقة التي يريد "شراءها"، عبّر ترامب في عام واحد عن عزمه على السطو على بلاد وعلى ثروات في بلادٍ أخرى على نحو مباشر وصريح وغير مسبوق في العلاقات الدولية منذ عقود طويلة.

Monday, January 12, 2026

أبو عمر ودونالد ترامب وأبو الجواهر

لا يفضح أحدٌ تفاهة معظم السياسيين اللبنانيين أكثر من أبي عمر، ولا يجسّد أحدٌ تفاهة الشر في العالم أكثر من دونالد ترامب. 

الأول، تلاعب بسياسيين لبنانيين لاهثين خلف سلطة موهومة زاعماً أنه أمير سعودي (بمعزل عن أي ملابسات أو علاقات أو توظيفات)، فأخذ من بعضهم الأموال ومن البعض الآخر الآمال، وفي الحالين، فرض عليهم هاتفياً طاعةً وتذلّلاً للديوان الملكي المزعوم في الرياض.

النظام الإيراني بين انتفاضة الداخل وتهديدات الخارج

تشهد إيران منذ أسبوعين انتفاضة شعبية هي الأوسع في البلاد منذ انتفاضة العام 2022، التي كانت بدورها الأضخم والأكثر جذرية منذ مظاهرات الحركة الخضراء العام 2009.

على أن الانتفاضة الحالية تختلف عن سابقاتها، إن في شعاراتها أو في القاعدة الاجتماعية التي تواليها، أو في جغرافيتها وما تعنيه قومياً، أو في شكل تعامل النظام المحاصر خارجياً معها.

ذلك أنه على العكس من انتفاضة العام 2009 التي انطلقت من رفض جيل إيراني جديد، أغلبه مدينيّ وجامعي، لتزوير انتخابات رئاسية ظنّ أن التغيير السياسي كان ممكناً من خلالها، وعلى العكس أيضاً من انتفاضة العام 2022 التي حملت شعارات نسوية وجمعت ما بين مطالب تتّصل بالحرّيات الفردية التي يحرص النظام على قمعها، ومطالب حقوقية عامة، لا سيّما في المناطق ذات الأغلبيات الكردية والأذرية والبالوشية، فإن الانتفاضة الحالية انطلقت من دعوات البازار (أي طبقة التجار في الأسواق الإيرانية التاريخية) للإضراب احتجاجاً على التردّي الاقتصادي وانهيار القيمة الشرائية والعملة الوطنية، قبل أن تُطلق جموع طلابية ثم فئات شعبية ريفية تحرّكات سياسية كبرى في معظم أنحاء البلاد، ما عدا تلك التي عرفت الاحتجاجات الأوسع قبل ثلاث سنوات، حيث التظاهرات ما زالت محدودة حتى الآن، لأسباب سنذكرها لاحقاً.