تدخل منطقة "الشرق الأوسط" ومحيطها المباشر حيث محاور التقاطع بين أفريقيا وآسيا وأوروبا مرحلة جديدة في تاريخها الحديث. يأتي ذلك نتيجة تطوّرات حربية وسياسية متسارعة، ونتيجة تحالفات مستجدة تخترق الحدود الوطنية التي قامت تدريجياً خلال القرن الماضي.
بين الصين واتفاقات ابراهام
ساهم ما بدا عزوفاً أمريكياً عن الاستمرار في اعتبار الشرق الأوسط رقعة الاهتمام الأبرز للسياسة الخارجية لواشنطن خلال عهد باراك أوباما في بروز تحالفات إقليمية وتفاهمات اقتصادية جديدة بعد نشوب الثورات العربية العام 2011. فإيران المندفعة يومها في المنطقة بحكم السيطرة الجزئية على العراق التي أتاحها إسقاط واشنطن نظامَ صدام حسين العام 2003، وعلى سوريا نتيجة إنقاذها المؤقت للنظام الأسدي، والحاضرة سياسياً وعسكرياً بقوة في لبنان عبر حزب الله وفي شمالِ اليمن عبر الحركة الحوثية، تحوّلت الى قوة إمبريالية إقليمية. ولم ينازعها فعلياً على سطوتها خصومها السعوديون والخليجيون المباشرون، رغم نجاحهم في قمع الحراك الشعبي البحريني كي لا تستفيد منه، ثم تطويقهم التمدّد الحوثي في اليمن بعد تدخّل عسكري واسع، دون أن يفلحوا في هزيمته أو إزاحة الحوثيين عن السلطة في صنعاء. ويبدو من التطوّرات اليوم أن إسرائيل التي بدت مركّزة في تلك الفترة على تدعيم الاستيطان في الضفة وتشديد الحصار على غزة، كانت في نفس الوقت تراقب التوسّع الإيراني بدقة، وتعدّ العدة لمواجهته لاحقاً، ولضرب المنخرطين في دينامياته.
وفي مقابل محدودية الرهان في المنطقة على روسيا آنذاك – في ما عدا تدخّلها سورياً، ثم ليبياً بنجاح أقل - تعاظم الانفتاح على الصين والهند من القوى الإقليمية المتنابذة. فإيران المعاقَبة دولياً والموضوعة من جديد تحت المجهر الأميركي بعد وصول دونالد ترامب الى الرئاسة العام 2017 وإلغائه اتفاق إدارة أوباما النووي معها، وجدت في الصين زبوناً رئيسياً لنفطها ومزوّداً لها بالسلع وبالتكنولوجيا. والإمارات والسعودية انفتحتا على بكين أيضاً، بموازاة توثيق الإماراتيين لتعاون نفطي وتجاري مع الهند. وتركيا ومعها قطر، حرصتا بدورهما على علاقات جيدة ببكين. ومثل الجميع فعلت إسرائيل جاذبة شركات صينية واستثمارات هندية لتطوير بنيتها التحتية وتوسيع مرفأ حيفا. والأمر ذاته سرى على مصر والسودان وشمال أفريقيا، حيث توسّع الحضور الاقتصادي الصيني على نحو غير مسبوق، على حساب الغربيين، أوروبيين وأمريكيين. ولعلّ عودة واشنطن الى المنطقة من بوّابة اتفاقات أبراهام العام 2020 هدفت الى إطلاق دينامية تسمح لها عبر رعاية تحالفات جديدة باستعادة المبادرة من الصين وبتعزيز دور إسرائيل المحوري عبر جغرافيا واسعة، تمتدّ من المغرب والسودان أفريقياً وحضوراً على البحر الأحمر، الى الإمارات والبحرين آسيوياً، في مواجهة إيران في الخليج وعلى المحيط الهندي. وإذ تضاف هذه الدول الى مصر والأردن المطبّعَين مع إسرائيل منذ زمن، تشكّل جميعها إن استتّب لاتفاقاتها الوضع مدىً استراتيجياً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً مهماً. وقد جهدت الإمارات للعب الدور المحوري في هذا المدى، عبر تعزيز تحالفها مع الهند وإسرائيل، وتوسيع سيطرتها على الشرق والجنوب اليمنيين، وبنائها قاعدة عسكرية على مدخل البحر الأحمر في أرض الصومال، ثم عبر الاستثمار في قوى سودانية – الدعم السريع – بعد استثمارها سابقاً في قوى ليبية موالية للجنرال حفتر.
على أن تردّد السعودية في التطبيع مع تل أبيب وتصالحها مع إيران بمبادرة صينية، في وقت بدت فيه إدارة جو بايدن الأمريكية متراجعة الاهتمام بما قام به سلفها ترامب، حدّ من تطوّر الدينامية الإبراهيمية. ثم جاءت الحرب الإبادية في غزة التي نشبت بعد هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023، لتجمّدها، قبل أن تخلط جملةُ متغيّرات إقليمية ودولية المعطيات وترسم ملامح تحالفات جديدة.
في انتظار تبلور المحاور
من هذه المتغيّرات، سقوط النظام السوري أواخر العام 2024 بعد أن انكشف على ضعفه وركاكته إثر تراجع روسيا عن دعمه نتيجة انشغالها بحرب أوكرانيا التي أرادتها تأكيداً على مكانةٍ عالمية، فإذا بها تتحوّل مستنقعاً يستوعب معظم طاقاتها العسكرية والاقتصادية. ومنها أيضاً انهيار النفوذ الإقليمي الإيراني بعد تبدّل المشهد العراقي وتحوّل سوريا البعد-أسدية الى مناوئ لطهران، وفقدان حزب الله القسم الأكبر من قوته العسكرية والسياسية عقب حرب الإسناد التي تبيّن أن إسرائيل كانت جاهزة استخبارياً وعسكرياً لتحويلها الى كارثة تصيبه وتصيب قاعدته الشعبية. وبات الحوثيون حلفاء إيران الوحيدين "المشاغبين" على التفوّق العسكري الإسرائيلي المطلق، ولو منهكين بدورهم من الغارات الإسرائيلية والأمريكية عليهم. وأضيف الى ذلك بالطبع ضرب تل أبيب وواشنطن للبرنامج النووي الإيراني صيف العام 2025 وردّ طهران بقصف صاروخي على إسرائيل، آذاها في أكثر من موضع، لكن من دون أي ردع أو تعديل لموازين القوى الجديدة. فإسرائيل واصلت الإبادة في غزة، ولو بوتيرة أقل، وفاقمت في المقابل عنف مستوطنيها في الضفة. كما احتلّت مناطق في لبنان ولم تتوقف يوماً منذ وقف النار المُفترض فيه عن القتل والتدمير. واحتلّت أيضاً أراض في الجنوب السوري، وبدا لرئيس حكومتها المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الجرائم ضد الإنسانية أنه يغيّر المنطقة على ما قال، خاصة بعد عودة ترامب الى البيت الأبيض في ولايةٍ ثانية، وتعاونهما الوثيق لتكريس الواقع الميداني، وصولاً الى تكرار التصعيد ضد طهران وحلفائها.
في المقابل، قادت تركيا والسعودية مبادرة جديدة للحدّ من تغوّل القوة الإسرائيلية وفرضها معادلات استراتيجية تهمّش أنقرة والرياض، أو تقلّص قدرتهما على التموضع الآمن في انتظار رسوّ الأحوال على واقع واضح وعلى استقرار ولو لفترة من الوقت. على هذا الأساس، اندفع الطرفان كل في مداه الحيوي أولاً، فضربت السعودية الإماراتيين المتمدّدين في اليمن، وفرضت تركيا بموافقة واشنطن وضعاً سورياً يحدّ من احتمالات التفكّك الجغرافي في البلد ويوفّر لها دوراً محورياً فيه. كما عملت أنقرة على ضم القاهرة الى الجهود الإقليمية وعلى التلويح بالتدخل غير المباشر في السودان في مواجهة "الدعم السريع" المسلّح إماراتياً. وفي مقابل اعتراف تل أبيب بجمهورية أرض الصومال غير المعترف بها دولياً، زادت أنقرة ومعها الدوحة من مساعداتهما لمقديشو... علاوة على ذلك، وقعّت الرياض اتفاقات استراتيجية مع باكستان، في ردّ واضح على اتفاقات الإمارات مع الهند. ودعمت تركيا الاتفاقات هذه عارضة تحويلها الى تحالف رباعي يضم إليه مصر أيضاً ليصبح قوة مسلمة آسيوية أفريقية تواجه الحلف الهندي الإماراتي الإسرائيلي، الرابط موانئ بومباي وأبو ظبي ودبي عبر باب المندب بميناء إيلات ثم عبر طرق سريعة بميناء حيفا المتوسطّي.
وفي الوقت إياه، أدخلت إسرائيل على خطّ تحالفاتها قبرص واليونان لإغراء الأوروبيين، مربكةً لبنان المتفاهم مع القبارصة ومصر المعنية بملفات الغاز والطاقة في الشرق المتوسطي والقلقة على مصير مداخيلها في قناة السويس إن تراجع النقل عبرها. واستمرت تل أبيب في منافسة أنقرة على حلف أذربيجان، ولَو أن الأخيرة المنتشية بنصرها على أرمينيا توازن بين قربها الى الاسرائيليين سياسياً والى تركيا اقتصادياً لعزمها الاستفادة من خطوط تعاون حيوية يُعمل على تطويرها لربط الصين عبر آسيا الوسطى بتركيا، ثم بأوروبا.
ما الذي يمكن استخلاصه إذاً من كلّ ما ورد؟
يمكن القول إن تحالفين كبيرين يجري ترسيخهما: تحالف هندي إماراتي إسرائيلي، يقابله تحالف باكستاني سعودي تركي. الأول يسعى الى إبرام اتفاقات مع قبرص واليونان وعبرهما مع الاتحاد الاوروبي، والثاني يسعى الى تكريس تفاهمات استراتيجية مع الصين، وموضعية مع العراق وسوريا والأردن (ليفتح طريقين بين الشمال والجنوب). ويعمل الطرفان على جذب مصر، وعلى الاستفادة من أفول دور إيران الإقليمي.
وتراقب الولايات المتحدة الأمريكية كل هذا عن كثب. فعلاقاتها بمعظم أقطاب التحالفين المتنافسين جيدة. لكنها لا تريد للصين الاستفادة من الوضع، ولا ترى بوضوح مآل الأمور إيرانياً إن تهاوى النظام في طهران بفعل العمل العسكري ضدّه.
وانعدام الوضوح إيرانياً، معطوفاً على استمرار
صراعات سياسية ودموية في أكثر من موضع في المنطقة، ومعطوفاً كذلك على أوهام تصفية
القضية الفلسطينية الذي جرّبته أطراف وأحلاف كثيرة على مدى 77 عاماً مضت، سيُبقي الباب
مفتوحاً على احتمالات صدامات وتحدّيات لن تُفلح لا التحالفات المستجدة والمشاريع
العقارية، على أهميّتها، ولا التنافس على الممرات البحرية والطرق السريعة، في
إخمادها. وسيظلّ "الشرق الأوسط" في مرحلته "الجديدة" بالتالي عرضة
لِلا-إستقرار ولتقدّم المحاور ثم أفولها...
زياد ماجد
مقال منشور في ملحق القدس العربي
