Sunday, March 8, 2026

بين العراق 2003 وإيران 2026

تشن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية حرباً شاملة على إيران منذ أيام. وتردّ الأخيرة بما تملك من صواريخ و"درون"، وحلفاء إقليميين في لبنان والعراق. وتردّ أيضاً عبر تعميم الفوضى في الخليج حيث النفط والغاز وإمكانيات التأثير في السوق العالمي للطاقة. 

ويفيد إذ نراقب ما يجري أن نعقد بعض المقارنات بين هذه الحرب والحرب الكبرى الأخيرة التي سبقتها، واستُخدمت فيها ذرائع غير بعيدة عن الذرائع المستخدمة اليوم، ولَو في ظروف دولية وإقليمية مختلفة. ونعني بالطبع حرب العراق العام 2003.

تشابه واختلاف

فعلى صعيد المعطيات المتماثلة أو عناصر التشابه، ثمة في الحالتين انتهاك صريح للقانون الدولي. ذلك أن الحربين تمّتا من دون الشرطين الوحيدين اللذَين يجيزا استخدام العنف بين الدول: قرار من مجلس الأمن، أو تصرّف وفق مقتضيات البند الثاني من شرعة الأمم المتحدة المرتبط بالحقّ في الدفاع عن النفس عند التعرّض لهجوم أو لاعتداء. وإذ لا مكان في القانون لما يُسمّى الحرب الاحترازية أو الاستباقية، لا مكان فيه أيضاً للتذرّع بوجود أسلحة دمار شامل بمعزل عن صحتها من عدمه، لتبرير أي عمل عسكري من خارج المؤسسة الأممية. وفي العراق كما في إيران أصلاً، لا أسلحة كيماوية ادّعى الأميركيون وجودها مرّة ثم اعترفوا بعدمه بعد سنوات من حربهم، ولا أسلحة نووية زعموا قُرب وصول طهران الى إنتاجها – بعد أن كانوا قد أكدّوا صيف العام 2025 تدمير البرنامج النووي الإيراني بأكمله.

وعلى صعيد التشابه أيضاً، ثمة حكي عن تغيير النظام كهدف للحرب، ولَو أنه ملتبس هذه المرة، إذ تريده إسرائيل ولا يوضح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن كان التغيير هو مقصده الرئيسي، إذ يترك على الدوام باب السيناريو الفنزويلي مفتوحاً، أي الانقلاب من داخل بنية النظام على السياسة السابقة والامتثال لشروط التعاون الأميركي.

ويمكن أن نضيف الى ما ورد عنصر تشابه ثالث، يقوم على تأييد جزء غير قليل من الإيرانيين للهجوم على بلادهم، كما سبق أن أيّد عراقيون كثر الأمر ذاته، بسبب كراهيتهم للنظام الحاكم منذ عقود، لتسلّطه ودموّيته وفساد نخبه. والأرجح أن نسبة التأييد ترتفع بين الإيرانيين في الخارج، منفيّين أو من جيل مهاجر ثانٍ، كما ارتفعت في السابق بين المنفيّين العراقيين. وليس من الواضح بعد كيف ستتطوّر مفاعيل هذا الأمر إن طالت الحرب وتوسّع معها حجم التدمير والقتل في إيران ونجح النظام في التفاوض مع واشنطن على "حلول وسطى" تمنح ترامب ما يسعه اعتباره مكاسب فيوقف هجماته كما أوقفها قبل ثمانية أشهر.

في المقابل، ثمة اختلافات عديدة بين الحرب على إيران اليوم وحرب العراق الثانية قبل عقدين من الزمن.

فإسرائيل تشارك في هذه الحرب إن لم نقل تقود بعض عملياتها، في حين أنها كانت محرِّضاَ عليها العام 2003 من دون انخراط فيها أو تأثير ميداني على مجرياتها.

وإيران، على خلاف العراق، فتحت جبهات عديدة لتوسيع نطاق الصدام العسكري، وهي الإمبريالية المحافِظة رغم تراجع سطوتها على حلفاء يقاتلون دفاعاً عنها إن في لبنان أو العراق أو ربما في اليمن لاحقاً. وهي تهاجم داخل العراق والكويت والبحرين وقطر والسعودية والأمارات وعمان، وتسعى لإقفال مضيف هرمز، لابتزاز دول المنطقة النفطية، وتحويل قضية الطاقة الى عنصر ضغط اقتصادي على الإدارة الأميركية لدفعها للتفاوض. 

سيناريوهات مستقبلية أم ماضوية تستعاد؟

على أنه لا إمكانية لتوقّع ما سيجري بوضوح، بمعزل عن التشابهات والاختلافات. فعدم سقوط النظام الإيراني وارد، ويمكن لترامب أن يعلن انتصاراً ليبرّر إنهاء الحرب دون هكذا سقوط على اعتبار أن قتل المرشد علي خامنئي والعشرات من القيادات السياسية والعسكرية والدينية قد أتاح تغييراً من الداخل، وأن النخبة الجديدة ستكون مطواعة للأميركيين الذين دمّروا معظم المخزون الصاروخي لإيران، إضافة الى برنامجها النووي وأنهوا قدرتها على الحشد في المنطقة.

لكن يمكن أيضاً أن يتهاوى النظام الإيراني تحت حجم الضرب والاستهداف والخسائر الكبيرة وتقطيع أوصال البلد، وأن يلي الأمر حال من الفوضى المعمّمة والمؤدّية الى التفكّك – ولو لفترة - لا سيما على الأطراف والحدود مع أذربيجان وتركيا وباكستان، حيث تقطن جماعات أذرية وكردية وبالوشية إيرانية.

ويمكن كذلك أن تنجح إسرائيل في إقناع ترامب بجدوى الاتكال على رضا بهلوي، كشخص قادر على قيادة مرحلية، تواليه فيها قطاعات من الجيش والشرطة ممّن ينبغي دعمهم كي يطيحوا بمن سيتبقى من الباسيج والباسدران. ولن يكون مضموناً نجاح بهلوي في مهامه، لكن إبقاءه إسرائيلياً كسيناريو وارد جداً.

ويمكن أخيراً أن تتوقف الحرب في إيران وتستمر في لبنان حيث فتح انخراط حزب الله فيها الباب أمام تصعيد إسرائيلي غير مسبوق في ضراوته، أو في اليمن إن انخرط الحوثيون فيها أو قرّر الأميركيون والإسرائيليون الخلاص من تهديدهم لباب المندب ولخطوط النقل بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.

نحن إذاً أمام مشهد شرق أوسطي (وعالمي) جديد، ولَو أن بعض معالمه واحتمالاته تبدو قديمة. ويصعب الجزم بتقدّم أي سيناريو اليوم على سواه. ما يمكن الجزم به في المقابل، هو أن هذا المقدار من العنف المسلّط على مجتمعات وبلاد، بعد أن خبرته غزة أضعافاً مضاعفة خلال أكثر من سنتين، لن يؤّدي لا الى استقرار مديد ولا الى سلام يفرضه فائض القوة الإسرائيلي – الأميركي. بل العكس هو المرجّح، ولنا في تجارب أفغانستان والعراق ولبنان وغزة ذاتها أكثر من مرة، خير دليل...

زياد ماجد

مقال منشور في ميغافون