تجسّد حالة جوردان بارديلا رئيس حزب "التجمّع الوطني" الفرنسي كلّ ما يمكن قوله منذ سنوات عن علاقة اليمين المتطّرف المعادي للسامية بإسرائيل. فاليمين هذا، الذي قام ثقافياً على كراهية اليهود ثم المهاجرين الأفارقة والعرب، وعلى تحميل النخب المدينية المتعلّمة (الباريسية تحديداً) المسؤولية عن "تردّي" أحوال فرنسا بسبب ميولها الأوروبية والمعولمة، يرى اليوم في إسرائيل الحليف الأبرز لعدّة أسباب.
فهي من ناحية تجمع ملايين اليهود بعيداً عن أوروبا وحدودها التي يريدها مقفلة. وهي من ناحية ثانية تمثّل حليفاً في وجه "المسلمين"، باسم حضارة مشتركة مزعومة، تبيّن المؤرّخة الفرنسية التونسية صوفي بٍسيس في كتابها الأخير "الحضارة اليهودية – المسيحية: تشريح خدعة" زيف الادّعاءات بوجودها. الأهمّ ربما أن اليمين المتطرّف، بمكوّنه الفاشي العلماني، أو بالمكوّن الكاثوليكي المتشدّد (الذي آذته في فرنسا زيارة البابا لاون الرابع عشر الأخيرة ورسائله المباشرة ضد العنصرية والكراهية)، ارتبط منذ سنوات بما يشبه العقد أو الاتفاق على "التبييض المتبادل" مع إسرائيل والمنظمات الصهيونية. فمقابل دعمها ودعم سياساتها، يحصل هذا اليمين منها على "براءة ذمة" عن تاريخه الشنيع، ويلتقى معها في معركة مشتركة ضد منتقدي مجازرها واحتلالها واستيطانها، متّهماً إياهم بمعاداة السامية! ويبيّن الفيلسوف البلجيكي ميشيل فيهير في كتابه "أن تعود يهودياً" تطوّر الحلف بين معادي السامية الأوروبيين وإسرائيل بعد العام 1967، مذكّراً ببعض كتابات المفكّرين الصهاينة أنفسهم الذين رأوا في القوميات الأوروبية حليفاً حتى وإن عادَت السامية، لأن عداءها يرتبط بـ"يهود الشتات" المقيمين في أوروبا وليس بأولئك الذين سيستوطنون فلسطين لبناء دولة قومية و"قلعة أمنيّة" فيها.
مراسلات بارديلا في تحقيق لموقع ميديابار
بالعودة الى جوردان بارديلا، رئيس الحزب الأكثر تأييداً لإسرائيل في فرنسا اليوم، الذي تمنح استطلاعات الرأي مرشّحته للانتخابات الرئاسية مارين لوبن أكثر من 30 في المئة من الأصوات في الدور الأول، فقد نشر موقع ميديابار قبل أيام (وما زال ينشر على دفعات) ما قال إنه سلسلة من مراسلات بارديلا الخاصة مع أعضاء في مجموعات يمينية متطرّفة في العام 2013، يتشكّى فيها من "السيطرة اليهودية" على المصارف و"النفوذ" في وسائل الإعلام ويكرّر مقولات حول "طموح اليهود السيطرة على العالم وسحق الشعوب"، وغير ذلك من البلاهات التي يردّدها تاريخياً المعادون للسامية ومعتنقو نظريات المؤامرة. المفارقة أن أول من دافع عن هذا الرجل واعتبره صديقاً وفياً لإسرائيل هو الوزير الليكودي الحالي، عميحاي شيكلي، المسؤول عن ملف مكافحة العداء للسامية في الخارج! فقد صرّح شيكلي أن بارديلا هو من "أبرز السياسيين الغربيين الذين زاروا إسرائيل بعد السابع من أكتوبر 2023 وأيّدوا حربها على الإرهاب". ومثله فعل عدد من الصحافيين الفرنسيين الموالين لإسرائيل الذين حاولوا التشكيك بصحة المراسلات، ولو أن عدداً آخر استنكر أو صمت أو ادّعى حياداً بانتظار انتهاء تحقيق القضاء في الموضوع...
وليس في حالة بارديلا واليمين المتطرّف الفرنسي استثناء. فرمز دعم إسرائيل في أوروبا كان في السنوات الأخيرة رئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان، الوافد بدوره من يمين متطرّف فيه أوساط شديدة العداء للسامية (ذهب بعضها الى حدّ إنكار المحرقة حتى العام 2010 تاريخ تجريم الإنكار في بودابست). الأمر نفسه ينطبق على عدد من قوى اليمين المتطرف الهولندي، وعلى أَضرابها في الوسط الفلامندي البلجيكي. وهو موجود أيضاً في قواعد يمينية في بريطانيا وفي الولايات المتحدة الأميركية، بما فيها القواعد الترامبية (ولَو أن بعضها هناك بدأ يستاء اليوم من الدعم العسكري والمالي لإسرائيل وحروبها).
الفضائح التي لم تعد تؤثّر كثيراً في السلوك الانتخابي
رغم فضيحة جوردان بارديلا المذكورة ومراسلاته المليئة بالحقد والعنصرية والأخطاء الإملائية (فالرجل ضحل الثقافة وفقير القاموس اللغوي ولم ينتسب مرّة في حياته الى سوق العمل منذ إنهائه تعليمه في المرحلة الثانوية)، ورغم فضيحة مرشّحة حزبه ومعلّمته مارين لوبن التي أدانها القضاء بتهمة الاحتيال واختلاس أموال عامة (فقدّم محاموها استئنافاً لكسب وقت يمكّنها من خوض الانتخابات، وإن فازت تصبح محصّنة لخمس سنوات)، فإن شعبيتهما لم تتراجع، بحسب الاستطلاعات. ولا مفاجأة بالأمر. فقسم كبير من جمهورهما معادٍ للسامية أصلاً ومعتنق لنفس ما يُنسب الى بارديلا من نظريات تآمر، ومؤيّد مثله لإسرائيل. واختلاس أموال عامة لتمويل الحزب لا يعدّه مريدو لوبن سرقة موصوفة بل جهداً لدعم حزبهم كي يصل الى السلطة و"ينقذ فرنسا".
ملفّات ميديابار إذاً، على فداحة ما تشير إليه، لن تلعب دوراً إنتخابياً،
ولو أنها قد تعرقل مسيرة بارديلا السياسية ما بعد الانتخابات، في حال فازت لوبن، إذ
قد تضطر للتضحية به لبناء "صورتها الرئاسية" (بعد أن كان مرشّحها لترؤّس
الحكومة).
لكن
الفضيحة وضعف أثرها الانتخابي يشيران الى مدى التدهور الديمقراطي والقيمي في دول
ما زال لحسن الحظّ فيها دستور ومؤسسات قضاء ومواقع صحافية ونقابات وقوى مجتمعية
حية تتمسّك بعملها وكفاحها وباستقلاليتها. وهذا على الأرجح ما يلجم المزيد من
الانحدار فيها.
زياد ماجد
مقال منشور في ميغافون في 2 سبتمبر 2026
