Tuesday, May 25, 2010

عيد الفرصة الضائعة

لعلّ التسمية الأدقّ التي يمكن أن تُطلق على عيد التحرير، بعد عشر سنوات على اندحار الاحتلال الاسرائيلي عن جنوب لبنان، هي عيد الفرصة الضائعة.

فتحرير الأرض الجنوبية لم يحرّر لبنان من أسره الإقليمي ومن إرادة إبقائه ساحة تبادل رسائل.
وهو لم يُطلق مساراً سياسياً يصالح التحرّر من إسرائيل يومها بإرادة الاستقلال من هيمنة النظام السوري الذي تذرّع بالاحتلال لانتهاك اتفاق الطائف وإبقاء قواته ومخابراته فوق الأراضي اللبنانية.
كما أنه لم يجعل بناء الدولة هاجساً والانخراط فيها ميدان عمل جديد لحزب الله، صاحب الفضل الأكبر في الإنجاز التحريري.

على العكس من كل ذلك، تحوّل لبنان بعد التحرير، من خلال مزارع شبعا، الى منطقة التماس الأبرز في المعادلات الإقليمية.
ووُضع إنجاز التحرير فيه مقابل التوق الى الاستقلال وكأنهما متنافِرين أو حتى متصادِمين.
وبدا بناء الدولة شأناً لا يعني المساهمين في تحرير الأرض، المستمرّين ببناء دولة خاصة الى جانب – وعلى حساب - الدولة اللبنانية.


... بهذا، مرّت السنوات والإنجازات والإخفاقات والحروب، وتناثر الخطاب السياسي يمنة ويساراً وكأن لا تحرير تمّ ولا دولة وجُب أن تقوم لتصونه وتحميه.
وبهذا أيضاً، ما زالت تتردّد في لبنان اليوم عبارات من نوع "شيّدوا دولة قوية تستلموا سلاحنا"، وكأن التشييد ممكن في ظل سلاح يُملي عليه شروطه وحدوده وأولويّاته الخارجية.

النتيجة أننا نحتفل اليوم بعيد التحرير للمرة العاشرة، وأعيننا شاخصة نحو طهران (ودمشق) وواشنطن وتل أبيب وغيرها من العواصم ننتظر تسوية أو هولاً ولا حول لنا ولا قوة... ولا تحرير.

زياد ماجد

Tuesday, May 18, 2010

هل اللبنانيات مواطنات؟

لا تبدو الإجابة عن سؤال العنوان بديهية
فشروط المواطنية غير مُستكمَلة في حالة اللبنانيات، وهنّ أكثر بقليل من نصف أهل البلد، رغم كل التقدّم الحاصل على صعد التعليم والالتحاق المهني والحريات العامة والخاصة،
ليس لأن نسبة النساء في البرلمان اللبناني هي حوالي 3 في المئة (4 من أصل 128 نائباً)،
وليس لأنها 6,6 في المئة في الحكومة (2 من أصل 30 وزيراً)،
وليس لأنها لا تتجاوز ال10 في المئة في المجالس البلدية والاختيارية، وفي المناصب العليا في الإدارات العامة،
وليس حتى لأن ثمة تمييزاً بحق النساء في قوانين العمل والتعويضات الاجتماعية والصحية والعقوبات،
ولا لأن قوانين الأحوال الشخصية الخمسة عشرة المعتمدة تتماثل جميعها في إجحافهن وفي عدم مساواتهن "بالأزواج والأخوة"،
وليس لأن كثراً منهنّ غير مستقلاّت مالياً وبالتالي قدرةً على الحركة الحرّة والعيش الفردي الكريم،
ولا لأن ثمة عنفاً جسدياً ومعنوياً يُمارس على بعضهنّ في عدد من المواضع في المجتمع اللبناني...

فكل هذه القضايا الجسيمة ليست في ذاتها السبب في عدم اكتمال شروط المواطنية عند اللبنانيات، ولو أنها تساهم في إيجاد أرضية تشريعية وسياسية واجتماعية تجعل تهميشهنّ ممكناً، وظلمهنّ مباحاً ولا مواطنيّتهنّ قائمة
السبب الأهم في عدم اكتمال مواطنية اللبنانيات يكمن في رفض القانون اللبناني منحهنّ الحق في نقل جنسيّتهن اللبنانية الى من تتزوّجن وتلدن، ورفضه الاعتراف بمساواتهن والرجال انتماءً الى بلدهم. فأبناء اللبنانية المتزوّجة من أجنبي أجانب. وهم يحتاجون كما آباؤهم الى تأشيرات دخول الى "وطن" والدتهم، أو الى أذن إقامة للعيش الى جانبها. ويمكن لطلباتهم أن تُردّ، ويمكن أن يُسجنوا ويُرحّلوا إن ظلّوا في لبنان وإن رفضت الدوائر المعنية في الدولة اللبنانية تجديد تأشيراتهم وإقاماتهم.
ولعل الحالات التي تتناقلها الصحافة هذه الأيام حول اعتصام لبنانيات أمام سجون بائسة ومكتظّة بالموقوفين (وجزء كبير منهم لم تصدر بحقهم أحكام بعد، وهذا شأن آخر) للمطالبة بالإفراج عن أزواجهن الأجانب المسجونين لانقضاء المهل الزمنية "لإقاماتهم الشرعية" في لبنان، وتلك التي تتحدّث عن بقاء أطفال في بلاد آبائهم لتعذّر استحصال أمّهاتهم على تأشيرات دخول لهم الى لبنان، أو تلك التي تشير الى نضال أمّ توفّي زوجها الأجنبي للاستحصال على جنسية لأولادها، لعل هذه الحالات، تظهر أن ما ذكرناه ليس افتراضات أو تداعيات محتملة لواقع قانوني معيّن، بل هي وقائع يعيشها أناس مقيمون في بلدهم الذي لا يعترف بحقّهم في الانتساب إليه...


بهذا، تبقى قضية المرأة في لبنان ومواطنيتها من أهم القضايا. ولا يغيّر في أهمّيتها وأولويّتها لا الكلام حول الصواريخ والحروب، ولا حول البلديات ومنازلاتها. فهذه وتلك على خطورتها لا تلغي حقيقة أن أغلب اللبنانيين ومشرّعيهم اليوم، وبمعزل عن مشاكل البلاد التي لا طاقة لهم على حلّها، ما زالوا غائبين عن الكثير من مسؤولياتهم وحقوقهم وواجباتهم تجاه قضايا يمكن لهم التصدّي لها. وينبغي على الدوام إقلاقهم وتذكيرهم بها، لأن بمقدورهم المبادرة الى التصرّف حيالها...
زياد ماجد

Tuesday, May 11, 2010

نووي... ومخاتير

ثمة مفارقات سياسية في لبنان يصعب تخيّل وجودها في بلدان كثيرة غيره.
فأن ينتقل الناس في غضون ساعات من هاجس متابعة مجريات الأزمة النووية الإيرانية وتعقيداتها الإقليمية والدولية وانعكاساتها اللبنانية والسورية والعراقية والفلسطينية (والصينية أحياناً) الى الهوس بنتائج انتخابات المخاتير في أحياء الأشرفية وزحلة وجب جنين وبعلبك (وقبلها جبيل ودير القمر والحدث..)، فالأمر مدعاة تفكّر في قدرة تكيّفهم العالية وسرعة "الركلجة" الجماعية عاطفياً وذهنياً عندهم.
وإذا أضفنا الى ذلك، تفنّنهم في التعليق على المجريات والنتائج وتقليب السيناريوهات وتبنّي النظريّات وتنقيح المعلومات والأرقام ودمجها بالتمنيات وتقديم المسائل جميعها وكأن كل راوٍ وصحبه شركاء في صنعها – إن في البيت الأبيض أو في مجلس الأمن أو في أروقة الحرس الثوري أو في مطابخ المخترة وعمادة العائلات – تصبح المفارفات استثناء وطنياً لا شراكة مع أحد خارج الحدود فيه!
ويمكن بالطبع تفسير ذلك جزئياً وردّه الى مجموعة مسبّبات. منها صغر حجم البلد ووجود أكثر من ثلثي سكانه في 6 أو 7 مدن كبرى مع استمرار ارتباط معظمهم بقراهم الأصلية وأماكن قيدهم وانتخابهم. ومنها حدّة الانقسامات فيه وعاموديّتها التي تهمّش الطبقات ومستويات التحصيل العلمي خالقةً تواصلاً طوائفياً يذيب أكثر الحدود. ومنها فائض حيوية شعبي وحراك صحافة وإعلام يؤمنان تغطية للأحداث تثير على الدوام التماثل أو التعارض مع الفاعلين فيها. ومنها أيضاً تعاظم الأهوال من حول لبنان وهيمنة شعور داخله ولدى المتعاطين بشأنه بانكشافه الأمني والسياسي (والاقتصادي بطبيعة الحال) عليها الى حدّ يلغي معنى سيادته الترابية والديبلوماسية، وحتى البلدية...

لكن ثمة أسباباً أخرى تجعل – على الأرجح - علاقة اللبنانيين حميمة الى هذا الحدّ بمستويي السياسة "الماكرو" و"الميكرو" في حدودهما القصوى التي ذكرنا.
أحدها، البحث الدائم عن ضرورة "أخذ موقف" من كل شيء: موقف لا جغرافية إلزامية له، إذ يمكن أن يكون دولياً أو قروياً، شرط أن يبقى صِدامياً، يسمح بالتمترس خلفه لمواجهة آخرين...
وثانيها الإدمان على الصراعات والإثارة: فقد مضى أكثر من نصف قرن على اللبنانيين وهم في علاقة بالسياسة تقوم على القضايا الكبرى وعلى الحروب والتطاحن والمصالح "العظمى"، حتى إذا أتتهم معارك مخاتير أحياء في بلدهم، ارتدّوا إليها بسرعة وعطفوا عليها استفتاءات على المقاومة وعلى الشهداء وعلى العيش المشترك والسلم الأهلي، وتابعوها كما كانوا ليتابعوا التصويت في الأمم المتحدّة على عقوبات أو محاكمات أو محاولات إحياء مفاوضات أو غيرها من شؤون.
هل يُستنتج مما ذُكر شيئٌ؟
ربما. أن معظم اللبنانيين في بحث لا يكلّ عن انتماءات متضاربة وعن أفياء رايات يعلونها في وجوه بعضهم... والمونديال قادم - بأعلامه و"نون الجماعة" التي ستزيّن مناكفاتهم المحيلة الى تملّك بلاد وفِرق ولاعبين لا شأن لأكثريتهم بهم - ليؤكّد الأمر، ولو على نحو محبّب هذه المرة...
زياد ماجد

Tuesday, May 4, 2010

صواريخ ومقتلة

الى جانب الانتخابات البلدية والاختيارية وما عبّرت عنه من مفارقات في التحالفات ومن تداخل عائلي طائفي مدني يشبه المجتمع اللبناني بتناقضاته وإيجابياته وسلبياته، برزت في الأسبوع المنصرم قضيتان في المشهدين السياسي والإعلامي. هنا بعض الملاحظات حولهما.
"أزمة الصواريخ": إن كان يمكن فهم أسباب الاتهامات الاسرائيلية بعبور صواريخ "سكود" الحدود اللبنانية ووصولها الى حزب الله (لتحويل الأنظار الدولية عن فلسطين حيث الإدانة للسياسات الإسرائيلية تتصاعد وجعل هذه الانظار تتركّز على لبنان، أو لمواكبة الضغط الدولي على إيران بضغط على حليفيها اللبناني والسوري، أو حتى للتحريض ضد حزب الله كبديل عن انتفاء قدرة التأثير في التحريض ضد طهران - الذي لا تريد واشنطن وعواصم أوروبا دوراً أساسياً لإسرائيل فيه)، فما لا يمكن فهمه هو عدم نفي حزب الله لوصول الصواريخ إليه واكتفاؤه بالقول إنه غير معنيّ بالردّ على الاتهامات رفضاً لها أو تأكيداً. ذلك أن نفي الحزب يمنع إسرائيل من استغلال الموضوع للتهرّب من مساءلتها في شأن الاستيطان وتكثيفه في القدس الشرقية، ويحمي الساحة اللبنانية من تجاذبات دولية جديدة حولها. ونفيه - وهو المشارك في الحكم - يسهّل مهمة المسؤولين في اتّصالاتهم الخارجية لتأمين الدعم الدولي للبنان في مواجهة التهديدات. أما إبقاء الالتباس الراهن، فتذاكٍ في غير محلّه ولا يفيد إلا إسرائيل ومزاعمها، لأنه يتيح لها الاستمرار بحملتها، ويناقض الموقف الرسمي اللبناني، ولا يؤدّي في أي حال الى الردع الاستراتيجي الذي يقول به الحزب طالما أن السكود أو غيرها من الصواريخ إذ تُستخدم كذريعة من تل أبيب لضربة محتملة، فهي إذن غير رادعة، أو غير رادعة كفاية...
مقتلة كترمايا: يتخطى الانتقام الجماعي من المتّهم بارتكاب الجريمة المروّعة بحقّ جدّين وحفيدتيهما في بلدة كترمايا حدود الوحشية وانفلات الغرائز والاستسلام الى طقس انفعالي يرى في الثأر من قاتل مفترض عدالةً وفي التشنيع بجثّته عبرةً، ليلامس حدّ الارتداد ليس عن حكم القانون وسيادته فحسب، بل عن فكرة التعاقد الاجتماعي وعن فلسفة الدولة ومبرّرات قيامها أيضاً
فأن يشارك بعض رجال بلدة في ضرب مجرم وطعنه، ثم أن يلاحقوه الى مستشفى ليجهزوا عليه ويعرضوا جثّته المشوّهة على سطح سيارة قبل أن يعلّقوه على عامود في ساحة البلدة وسط زغاريد نسوة، فالأمر يبدو عودة الى قرون سحيقة لا مكان لرمزية سلطة فيها ولا محلّ لقضاء ولأخلاق، ولا رابط لها بزمن تشريع وتحقيق ومحاكمة ولا بقيم يُفترض بدولة أن تعزّزها وتتعزّز بها.
والأمر إن وُضع في سياق سياسي لبناني أعمّ، أظهر عمق الحاجة الى "الدولة" كفكرة وكمؤسسة، وأظهر خطورة تنامي الشعور بغيابها وباستسهال التطاول عليها وتهميشها في قضايا اختصاصها وفي جوهر وجودها: الأمن وحفظ النظام وتطبيق القانون ورعاية المصلحة العامة.
... المشترك بين القضيّتين إذن، قضية الصواريخ "الاستراتيجية" وقضية المقتلة "المحلية"، يدور حول "الدولة". فهل نملّ بعد ذلك من ذكرها كلّ ما أردنا البحث في مشكلة أو عرض هشاشة أو نقاش أولويّة؟
زياد ماجد

Tuesday, April 27, 2010

جعجع والقوّات

تبدو الأبعاد السياسية للهجوم على القوات اللبنانية وسمير جعجع بديهية في الظروف الداخلية المستجدّة التالية للمصالحات العربية والدولية مع دمشق. فالمطلوب في ظل هكذا متغيّرات محاصرة كل طرف لا يجد لنفسه مكاناً فيها أو يرفضها، وتهميشه كي يصبح أداؤه أقرب الى الشغب منه الى التأثير أو حتى محاولة التأثير.
بهذا المعنى، لا صعوبة في فهم النية من مهاجمة القوات دورياً وجعل المجاهر بالحلف معها معنياً بتبرير حلفه، وكأنه موبقة. كما لا صعوبة في فهم الهدف من جعل قسم من المسيحيين يبدون في بلد التوافقات الطائفية مفصولين عن باقي اللبنانيين غير قادرين على التواصل معهم، واتّهامهم بالتالي بالانعزال والتطرّف و"الكنتنة" وغيرها من تصنيفات مألوفة في مسلسل الهجائيات اللبنانية، بهدف إبعادهم عن كل سياق سياسي..

غير أن مسائل أخرى ترتبط بالهجوم المذكور، ويجري تغييبها أو تجنّب فهمها في سياق التعاطي معه.
من هذه المسائل مثلاً، أن استسهال استهداف جعجع مرتبط بكونه سجيناً سابقاً، أي شخصاً فقد مرّة حصانة تتيحها عادة الزعامة الطائفية والسياسية، وصار بالتالي زعيم الحرب الوحيد الذي حوكم وجرى حلّ التنظيم الذي قاده ووُضع 11 عاماً في الحبس من دون أن ينقذه أحد. وفي هذا ما جعله، رغم التظلّم وربط الأمر بالوصاية السورية، أكثر عرضة من غيره للتهديد وللتذكير بما سبق وأصابه.
ومن هذه المسائل أيضاً أن جعجع طرفيُّ النشأة والقيادة. فهو أتى من بشرّي في الشمال وليس من جبل لبنان أو بيروت وعائلاتهما السياسية التقليدية، وأنه بهذا المعنى ريفيّ لا ينتمي الى البرجوازية المسيحية المعهودة أدوار بعض وجوهها سياسياً، وهو لذلك أسهل استهدافاً من غيره نتيجة موقعه في السلّم الاجتماعي-السياسي المهيمن.
ومن المسائل عينها أنه قاد بنفسه ميليشياته، أي أنه كان مقاتلاً وقاتلاً ومقتولاً، على خلاف غيره من قادة ميليشيات الحرب الذين وضعوا مسافة بين أوامر القتال والقتل الصادرة من مكاتب وربطات عنق وبين التنفيذ وحمل البندقية ولمس الدم. وهذا سمح لكيل الاتهامات له أن يصير عادةً أو موضةً سهلة.


ولعل حرب الإلغاء التي خاضها ضده الجيش اللبناني بأمرة ميشال عون (القادم مثله من خارج الزعامات العائلية، والمختلف جذرياً عنه من حيث الصورة الرمزية التي أمّنتها له قيادة أبرز مؤسسات الدولة اللبنانية وأكثرها تعاضداً وذاكرةً) جعلت منه أشدّ التصاقاً في أذهان كثر من اللبنانيين، والمسيحيين منهم بخاصة، بصورة "الخارج على القانون" الذي يصطدم بالجيش، صمّام أمان الدولة ورمز سيادتها الأمنية.




كل ما ذُكِر إذن، مضافاً الى الأسباب السياسية، يفسّر يُسر الهجوم على جعجع والقوات. وكان يمكن اعتباره محدود التأثير على قسم كبير من اللبنانيين ممّن تسيّسوا على وقع الفرز بين 14 و8 آذار، وعلى أساس الموقف من النظام السوري ومن سلاح حزب الله ومن الاغتيالات والمحكمة الدولية وليس من أي أمر آخر، لولا أن بعض الردود عليه تشي بانفعالية تنفّر جزءاً من هؤلاء، ولا تفيد أصحابها

فبين من يتصدّى بدفاع مطلق (يشبه التشنيع المطلق) بتسطيحيّته وتصنيفاته السهلة، وبين من يستذكر الحرب الأهلية بوصفها مرجعية تحكيم لصالح الحكيم والقوات ناسياً أن أبرز إنجازات 14 آذار كان إحداث شكل من أشكال المصالحة في الشارع، جَمَعَ بعض من تقاتلوا في الحرب بأناس لم يُعجَبوا مرة بفصول تلك الحرب ولا بدور القوات وسائر الميليشيات فيها، وبين من يعتبر الانتفاضة الاستقلالية في ساحة الشهداء عام 2005 استمراراً لمواقف الجبهة اللبنانية، وفي ذلك استعادة كريهة لمنطلقات فرز سياسي وطائفي تصيب حتى الجمهور المستمر في تمسّكه بما تبقّى من 14 آذار، بين هؤلاء جميعاً تضيع البوصلة السياسية، ويُستفزّ كثر من معارضي التسويات والتقلّبات الأخيرة، ويجري أحياناً إسداء خدمة الى مطلقي الحملة على القوات وجعجع. هذا في وقت يتيح خطاب الأخير في افتتاح المؤتمر التنظيمي للقوات، كما قوله إن "سمير جعجع الحرب مات في السجن" الردّ على الكثير من الاتهامات التي غالباً ما يسوقها ضدّه من لا حصانة معنوية لهم ليحاكموا أحداً!

... العبرة من كل ذلك، أن بلداً تنقص أبناؤه أكثر أنواع الإجماعات التأسيسية، وبلداً يختلف أهله حول كونه وطناً أو ساحة، وبلداً يعتمد أكثر أطرافه الكيل بمكيالين في نظرتهم الى الماضي والحاضر مدّعين على الدوام الحق المطلق، وبلداً يستأنس بعض من فيه للتخوين والتهديد، يصعب استقراره. فكيف الحال وهو في منطقة محكومة بالاستبداد من ناحية، وبالاحتلال من ناحية ثانية؟
زياد ماجد

Tuesday, April 20, 2010

مسيرة العلمانيين

طغت عدّة أمور على نقاش معظم الفرقاء السياسيين لمسألة العلمانية في لبنان في السنوات السابقة على نحو جعلها أسيرة معادلات تحاول توظيفها لأسباب بعيدة عنها وعن مفاهيمها ومستلزماتها
فهناك من أعلاها شعاراً وحاول تحويلها منطلقاً للفرز السياسي في البلاد تهرّباً من اتّخاذ موقف واضح من القضايا الأساسية: العلاقة بالنظام السوري وبالمحكمة الدولية وبسلاح حزب الله وبشكل الصراع مع إسرائيل وبشروط التموضع في المنطقة. وهي قضايا يمكن لعلمانيين وغير علمانيين الاتفاق كما الاختلاف بشأنها.
وهناك من نادى بها لوضعها مقابل طرح إلغاء الطائفية السياسية الذي لا يريد، لعلمه أن المنادين بهذا الإلغاء لا يقبلون بدورهم بها، فيتعادلون بالتالي تعطيلاً لها ولإلغاء الطائفية على حدّ سواء.
وهناك من تحدّث بها رفعاً للعتب أو اضطراراً بسبب هويّته الإسمية، ثم تهرّب من جميع مؤدّياتها ومتطلّباتها خوفاً من إحراج حلفائه واستثارتهم.
وهناك أيضاً من اعتبر أن شتمه للطائفية وهجاءه للطائفيين كافيان لجعله علمانياً مؤتمناً على مبدأ فصل الدين عن الدولة وما يفرضه من شروط في بلد "الديمقراطية التوافقية" وال18 جماعة طائفية وال15 قانون أحوال شخصية...
بهذا، تحوّلت العلمانية في السياق السياسي وأدبيّاته الى شعار للمزايدة أو الابتزاز والى وسيلة تلطّ لتجنّب الخوض في قضايا أخرى. كما أنها تعرّضت لحملات كادت تسطّحها وتحرّرها من الكثير من أبعادها، أو كادت تجرّمها وتخوّف منها.
على أن العلمانية، بعيداً عن كل هذا، مسألة مسارات إرادَويّة مركّبة تبدأ بسنّ قوانين موحّدة للأحوال الشخصية تساوي بين اللبنانيين (بنسائهم ورجالهم)، وتمرّ بمناهج تعليم رسمي تجعل الدين مادة دراسية مندرجة في مناهج الفلسفة والتاريخ، وتصل الى تحرير الإدارة من الطائفية ثم الى تحرير المراكز السياسية منها، من دون أن تُسقط تنظيم المؤسسات المذهبية وأوقافها، ووضع الشروط على التمويل الخارجي للأنشطة والبرامج الدينية، وتقليص العطل الرسمية في المناسبات الدينية وغيرها من أمور معمول بها في أكثر الدول الديمقراطية الفاصلة مؤسساتها عن دين مواطنيها أو أديانهم، التاركة للأفراد حق اختيار معتقداتهم وممارسة شعائرهم مقابل احترامهم الدساتير والقوانين الوضعيّة التي تصدرها الهيئات التشريعية المُنتخبة أو القانونية المختصة
والعلمانية في لبنان، إن انتُزعت من المتاريس وتحوّلت مطلباً مواطنياً يرفعه أناس سئموا ثقافة طائفية ونظماً وممارسات تمييزية، وإن صارت راية لمسيرة تجمع في صفوفها أفراداً لهم خياراتهم السياسية ومواقعهم المختلفة والمتناقضة أحياناً، بدأت تستعيد بعضاً من عافية المناداة بها وعادت مطلباً يتمسّك به لبنانيون لا يتجانسون سياسياً بالضرورة ولا يستطيع أحدٌ منهم ادّعاء ملكية حصرية لها، ولا توهّم قدرة على تحقيق مقتضياتها في المستقبل القريب (فلا يكون توهّم النجاح السريع شرطاً للمطالبة بها)...
فعسى أن تكون مسيرة 25 نيسان القادم برمزيتها وبتوقيتها وباستقلالية منظّميها والمبادرين الى الدعوة إليها بداية لاستعادة العافية هذه، ومنطلقاً لتحرّكات ونشاطات تكبر وتتنقّل من منطقة الى أخرى. وفي كل الأحوال، للمسيرة المقبلة الفضل في إطلاق دينامية قد تنمو فتصبح جِدّة في المشهد السياسي – الاجتماعي في لبنان. وهي جِدّة لا تلغي استمرار انقسام دعاتها على قضايا كثيرة أخرى، ولا تغني عن استمرار العمل في سبيل الدفاع عن القضايا تلك...
زياد ماجد

Tuesday, April 13, 2010

مفقودون ومخطوفون

بعد مضيّ عقدين على نهاية الحرب اللبنانية بفصولها المختلفة، ما زالت قضية المفقودين والمخطوفين الذين اختفوا في ساحاتها أو على حواجز ميليشياتها وجيوشها معلّقة من دون حلول.
- فثمة آلاف من الناس يستمرّون مجهولي المصير، ولو أنهم معلوموه. لم يعترف بهم أحد. لم يعتذر الى ذويهم أحد. لم تعلن سلطة نعياً لهم وحداداً رسمياً عليهم. لم تُقِم حكومة نصباً يخلّد ذكراهم ولم تخصّص ساحة أو شارعاً أو حديقة بأسمائهم، أو بالإحرى بإسمهم الجماعي، لتقول إن مجازر ارتُكبت في الحرب، وإن ضحايا لهم أهل وأولاد وأصحاب فَقدوا أعمارهم فيها، وإن الحاجة للشفاء منها وللبناء على دروسها وعِبرها واجب في مجتمع شارك قسم كبير منه في معاركها ومثالبها...

- وثمة آلاف العائلات ما زالت تبحث عن وجوه بيضاء، فتعيد كل يوم رسم تفاصيلها وتشكيل ملامحها وسرد مجريات أيامها الأخيرة. ما زالت تقلّب الاحتمالات وتندم على اتّصال لم يحصل أو على تنقّل كان يمكن تفاديه. ما زالت تترقّب معلومة وخيط أمل يأتي من داخل الحدود أو من خارجها حاملاً خبر حياة أو محدّداً موضع رفاة...

- وثمة، الى جانب هؤلاء، مجتمع بقسم كبير من مكوّناته يظهر أقرب الى اللامبالاة أو الى التعاطف غير الفاعل. يظهر أيضاً، مستخفاً بذاكرته في أيام السكينة ومستخفاً بالعنف ومؤدياته في أيام التوتر. وبين استخفافَيه هاذين علاقة أكيدة، ليس حلول 13 نيسان كل عام بوقع لا موازاة بينه وبين الأهمية التي يجب أن يرتديها في تاريخنا وحياتنا سوى واحد من علاماتها.



... واليوم في ذكرى الحرب، تبدو خيمة اعتصام أهالي المفقودين والمخطوفين المنتصبة في وسط بيروت التذكير الوحيد لنا بما جرى قبل 35 عاماً، وعلى امتداد عقد ونصف. تبدو بمأساتها المتجدّدة مع أوديت سالم التجسيد الأصدق لمعنى استذكارٍ عابرٍ لحرب، وتركها نهباً لسيارة مجنونة عوض تضميد جراحها. ويبدو قاطنو الخيمة بوجوههم التي أعياها الأمل يشبهوننا، فنتذكّر أن دقائق وأمتار قليلة كانت غالباً ما تحول بين أن نكون اليوم بينهم، أو بين من ينتظرون.
زياد ماجد

Tuesday, April 6, 2010

غياب الاقتصاد عن سياساتنا


يبدو المشترك الرئيسي في أكثر السجالات السياسية العربية غياب الاقتصاد عنها. فلا نقاشات في شؤونه إلا رفعاً للعتب أو تراشقاً بمقولات إيديولوجية غالباً ما تكون شعارات محفوظة عن ظهر قلب.
والأمر ناتج عن عوامل مختلفة، لعبت التركيبة المجتمعية والمساقات السياسية والنظم الريعيّة المتحكّمة بها أدواراً أساسية في خلق ظروفها.

ولعلّ استذكاراً سريعاً لعدد من العوامل التي ميّزت حقبات تاريخنا الأخيرة تفسّر ذلك. فالاقتصاد قام في ظل السلطنة العثمانية على التجارة والزراعة والصناعات اليدوية، وارتبط بالسلطة المركزية من خلال بعض الجبايات والجزيات التي كانت تعدّ عقوبات أكثر منها ضرائب يدفعها الناس لقاء خدمات، بمجملها محدودة. لذلك، ظلت المسألة الاقتصادية خاصة مرتبطة بملكية الأفراد أو الجماعات الصغرى للأرض أو توسيعهم البيع والشراء، بمعزل عن دور الدولة ومؤسساتها، وبمعزل عن فكرة "الشأن العام" ومبدأ المشاركة. وهذا لم يُنشئ وعياً مستقلاً يرفد السياسة بقضايا إدارة الموارد وإنتاج الثروات وتوزيعها.
ومع صعود الكولونيالية الأوروبية بأشكالها المختلفة، وسيطرتها على المنطقة إثر انهيار السلطنة في الحرب العالمية الأولى، أقيمت الإدارات الحديثة ووُضعت السياسات والقوانين التي هدفت الى نقل السلطة السياسية من هالتها الدينية و"أمبراطوريتها" العثمانية الى وضعيّتها وفلسفتها المستندة الى الدولة الأمة. لكن الإقتصاد ظلّ في الكثير من الحالات شأناً خاصاً، أو إدارة كولونيالية. ورغم نموّ بعض القطاعات الخدماتية والتجارية المدينية وتأسيس صناعات وتطوير نظم جباية، إلا أن الفكرة الإقتصادية لم تتحوّل الى مكوّن من مكوّنات الوعي السياسي إلا بما هي أحياناً ارتباط بالتوجّه الوطني المواجه "للاستعمار".
ثم جاءت الاستقلالات وعصرها الليبرالي الأول، لتكرّس الإقتصاد شأناً نخبوياً ولتحافظ على القسمة الطبقية وتعمّقها.
ومع مسلسل الانقلابات العسكرية وما تبعها من قيام "اشتراكيات عربية"، صار التداول بالاقتصاد محصوراً بما يدور حول تعميم التعليم والطبابة من جهة، والإنفاق على التسلّح وعلى النخب العسكرية الحاكمة والقواعد الموالية لها من جهة ثانية، في ظل تضخّم في الإدارة وفي شبكات الفساد المحيطة بها. كل ذلك مع تحوّل الريع النفطي (في الخليج والعراق وليبيا والجزائر) الى دخل مالي شبه وحيد وأداة تطويع سياسي وقيمي، تماماً كما تحوّل المساعدات الخارجية (من الولايات المتحدة ثم الاتحاد الأوروبي) لعدد من البلدان وحوالات المهاجرين نحوها الى عنصري دعم للوضعين الماكرو إقتصادي والميكرو إقتصادي تباعاً...
وطبعاً بقيت أسئلة الضرائب والموازنات ومراقبة الإنفاق وقطوعات الحساب والفوائد والاستدانة والعجز أموراً لا فقه للمواطنين فيها ولا متابعة لها ولا حضور في برامج الأحزاب السياسية (عند وجودها أو عند السماح لها بطرح البرامج).
فهل والحال كذلك، يمكننا اليوم استغراب قلّة المعرفة بالاقتصاد وبدوره في السياسة؟ وهل يمكن التفاجؤ عند سماع التكرار في شعارات السياسيين والناشطين و"المواطنين العاديين" بين من يريد الخصخصة ومن يرفضها، ومن ينادي بالحرية ومن يضع قبلها العدالة الاجتماعية، وجميعهم قد يعطي أرقاماً وأمثلة تصل المبالغات فيها الى حدّ إضافة صفر على المبالغ المطروحة، أو تحريك فاصلة من موضع الى آخر عند البحث في نسب أو معدلات؟
وهل إن عدنا الى التعريف الأولي للمواطنة الذي ربط ارتقاءها تاريخياً بدفع الضرائب بهدف الحصول على الخدمات، ثم ربط الضرائب بالمسؤوليات الاجتماعية وبحق المساءلة السياسية والمحاسبة وتغيير السلطة بالاقتراع الدوري، يمكن أن نرى عندنا ما يشي بالاقتراب من محاولات ربط مشابه؟
لا يبدو ذلك ممكناً، بل تبدو معظم هذه الأمور غريبة عنا، ولا توقاً ظاهراً لدينا يشدّنا إليها...
زياد ماجد

Monday, March 29, 2010

عن مقولتي التفاوض والمقاومة في فلسطين...

تبدو اليوم مقولتا "المقاومة المسلّحة لإسرائيل" و"التمسّك بالتفاوض معها" على قدر واحد من التبسيط واللامعنى.
فالأولى أدّت بالفلسطينيين بعد تعسكر الانتفاضة الثانية ابتداء من خريف العام 2000 وتحوّلها من مظاهرات شعبية ومصادمات بالحجارة الى عمليات انتحارية ومواجهات مسلحة، الى خسارة معظم ما كانوا قد حقّقوه من تحرير للأرض (بالسلاح والحجارة وبالتفاوض في عصر علاقات دولية كان يسمح باعتماد الأساليب المختلفة) وبدء بناء دولة على جزء من ترابهم الوطني. فالضفة اليوم محتلّة معظم مناطقها، مقطّعة الأوصال بالحواجز العسكرية والمستوطنات، ومخنوقة بجدار الفصل العنصري. أما غزّة، فتحت الحصار والضغط والقهر اليومي.
والثانية أدّت بهم، في ظل بهتان أداء السلطة الوطنية السياسي والتفاوضي بعد رحيل ياسر عرفات من جهة، وفي ظل لا سياسة حركة حماس ومزايدة النظامين الإيراني والسوري على الفلسطينيين بدمهم (وتشبيه حزب الله لمارون الراس بالقدس!) من جهة ثانية، الى التفكّك والتقاتل والى إفساح المجال أمام إسرائيل لمواصلة الانقضاض عليهم وتعديل المعطيات الميدانية بشكل جذري يجعل كل محاولات الوصول الى حلول في المستقبل محكومة بواقع جغرافي ديموغرافي لا يسمح لهم حتى بالعودة الى ما كانوا عليه في أيلول من العام 2000. وكل ذلك طبعاً وسط عجز عربي غير مفاجئ، وصمت دولي تعكّره بعض الأصوات والبيانات التي لا تصدر إلا عند وصول الفظاعات الاسرائيلية الى مستويات يصعب تجاهلها.
هل من مخرج إذن من هكذا ثنائية لم تحصّل منذ أكثر من عقد أي مكسب فعلي؟
يصعب الجزم بذلك. لكن الخروج واعتماد نهج جديد يبدوان هذه الأيام شديدي الجدوى. فرصد سريع لبعض المعطيات الراهنة يُظهر أن موقفاً فلسطينياً مسنوداً عربياً وتركياً ومُنسّقاً مع بعض الأوروبيين ومع دول كالبرازيل وجنوب أفريقيا والهند وغيرها قد يكون ذا أثر أميركياً يعمّق التناقض بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو ولا يبقيه مؤقّتاً. فالأميركيون اليوم، وإن كانوا مستمرّين في تحالفهم مع إسرائيل ودعمهم لها، يريدون منها حداً من الالتزامات في ما خصّ تجميد الاستيطان والانسحاب من بعض أراضي الضفة والافراج عن معتقلين فلسطينيين وتخفيف إجراءات الحصار على غزة وغيرها من أمور تسهّل بنظرهم إحياء العملية السلمية الميتة. أما الاسرائيليون، وهم بمعظم أطيافهم يرفضون الوصول الى حل فيه الحدّ الأدنى من العدالة للفلسطينيين، فيظنّون أن بمقدورهم "الصمود" في وجه الضغوط الأميركية المرحلية من خلال الاتّكال على اللوبي الصهيوني المؤيّد لهم في واشنطن والذي استنفر مئات الأعضاء في الكونغرس ومجلس الشيوخ للطلب الى أوباما تليين موقفه؛ والأهمّ ربما، من خلال الاتكال على اللامبادرة الفلسطينية واللامواقف العربية والهدايا الايرانية التي غالباً ما تأتي على شاكلة تصريحات نارية لأحمدي نجاد تُنكر المحرقة أو تهدد بإزالة إسرائيل من الوجود وتتيح على الدوام لتل أبيب استذكار أهوال الحرب العالمية الثانية وتحوير الأنظار نحو طهران...
بهذا المعنى، فتشدّد فلسطيني سياسي رافض لكل تفاوض قبل وقف الاستيطان والتراجع عن القرارات الاسرائيلية الأخيرة، مقرونٌ بمظاهرات سلمية في القدس وفي محيط الجدار في الضفة وفي غزة، إضافة الى حملة ديبلوماسية في واشنطن وفي عواصم دول مجلس الأمن للتأكيد على الاستعداد للسلام شرط احترام الاتفاقات الموقعة وقرارات الأمم المتحدة (واستئجار صفحات ودقائق في الجرائد والمحطات الأميركية والأوروبية لعرض وجهة النظر الفلسطينية مدعومة بتواقيع زعماء من العالم ومثقفين وحائزي جوائز نوبل) وغيرها من الأمور، ضرورية لإحراج الاسرائيليين أكثر والضغط عليهم وإحداث بعض التناقضات في صفوف ائتلافهم الحكومي. وهي ضرورية أيضاً لجعل أوباما يقتدي بجيمس بيكر عشية مؤتمر مدريد ويتعامل مع نتنياهو من موقع قوة شبيه بموقع بيكر حين أنذر إسحق شامير، وحين جمّدت إدارته الأميركية (لمرة يتيمة) مليارات الدولارات التي كانت مقرّرة لإسرائيل
أما الاكتفاء ببيانات مستهلكة كبيان القمة العربية، أو التلويح بنهج الكفاح المسلّح والتهديد بمحو إسرائيل من الوجود على ما درج على فعله "الممانعون"، فأمور لا تثير عند نتنياهو ووزراء حكومته سوى التبسّم والطمأنينة والتيقّن من أن الرهان على اللوبي المؤيّد لهم في واشنطن قد يكفي للجم أوباما، وأنّ بيانات التمسّك العربي بالتفاوض من دون متابعة وضغوط، أو التهديد على طريقة الفرزدق الذي قال فيه جرير: "زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً – أبشِر بطول سلامة يا مربع"، لن تؤدّي لا الى تثبيت أوباما في ضغطه ولا الى تعديل موازين القوى الميداني في فلسطين على نحو يحدّ من الاستيطان ومصادرة ما تبقّى من أراضي في القدس ومحيطها...
زياد ماجد

Tuesday, March 23, 2010

الدرس العراقي

إنتخب ملايين العراقيين داخل العراق وخارجه مجلسهم النيابي الجديد.
انتخبوا للمرة الثانية بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، وانتخبوا بحرية نسبية وتنافسية عالية لم تعرف المنطقة العربية مثيلاً لها في غير حالتي لبنان عام 2009 وفلسطين عام 2006.
وانتخبوا وفق نظام التمثيل النسبي على أساس اللوائح الوطنية لضمان وصول مختلف الاتجاهات التي يفيض بها مجتمعهم (الى الندوة النيابية) على تنوّعها وتنافرها، من الطائفية والليبرالية والدينية الى العلمانية والقومية واليسارية والقبلية.
وبمعزل عن تقييم هذه الاتجاهات ومدى ديمقراطيتها، ينبغي التذكير أنها في معظمها ذات مشروعية شعبية في العراق اليوم، وهي حكماً سابقة على الاحتلال الأميركي، بعضها نتاج مسار تاريخي، وبعضها الآخر نتاج الممارسات التي تناوب على اعتمادها أكثر حكّام العراق منذ استقلاله (والتي بلغت حدّاً مروّعاً من العنف والإرهاب مع سطوع نجم صدام حسين ثم استلامه الرسمي للسلطة عام 1979 وإدخاله بلاده في الحروب والخراب).
على أنها في كل الأحوال، حسناً تفعل إذ تتنازع انتخابياً واحتكاماً الى العراقيين والعراقيات، وحسناً تفعل إذ تتعوّد وتُعوّد الناس على النظام الانتخابي النسبي الذي يتيح لمعظم القوى التمثّل داخل البرلمان وفق أحجامها، عوض السعي الى الإقصاء والتهميش وصولاً الى الإلغاء.

وإن كان استحقاقان انتخابيان لا يكفيان لتحديد أي خيار سارت أو ستسير عليه الاتجاهات هذه وأصحابها، ومعها أمور العراق، إلا أنهما يؤكّدان أن ثمة تجربة تتقدّم، وأنها قد تكرّس إن استمرّت ثقافة تداول السلطة، أو على نحو أدقّ، ثقافة التقاسم لها والتشارك فيها، فضائل سياسية لا تعرفها أكثر الدول العربية. فأنظمة هذه وتلك، كما بعض تياراتها الذامة دون كلل ولا ملل "المحاصصة المذهبية" و"الفرقة الطائفية" في العراق، تفضّل الاستئثار على المحاصصة، والوحدة (بالقهر والدم) على التعدّد. هذا علماً أن هذين الاستئثار والوحدة بالدم هما ما ساهم - فور انكفاء المستأثِر والموحِّد - في تحويل التعدّد الى تنابذ والى بحث عن ثأر أو عن "توحيد مضاد" (بالدم أيضاً)، قد يكون الالتزام الانتخابي الدوري والتنافس المفضي (بسبب النظام النسبي) حصصاً في البرلمان مقدمّة للخروج من ويلاته


باختصار، ليست الانتخابات العراقية نموذجية، ولن تكون كذلك في المدى القريب. لكنها بالتأكيد بداية تكريس لنهج جديد في الحياة السياسية لا أمل باستقرار على المدى البعيد من دونه ولا إمكانية لبناء دولة تنهي الاحتلال وتحتكر الحق في اللجوء الى القوة من دون تطويره وتحصينه ضد كل من يتفجّع على "العراق" من خارجه، ومقصده التفجّع على نظامه البائد، وضد كل من يريد جعل ثمن الحرية في هذه المنطقة مكلفاً ومنفّراً وبعيد المنال...
زياد ماجد

Tuesday, March 16, 2010

عن المسامحة والنسيان...

لم يكن تاريخ 16 آذار 1977 تاريخاً لاغتيال كمال جنبلاط فحسب، بل كان كذلك تاريخاً لتأسيس صفحة جديدة في الحرب الأهلية اللبنانية وافتتاحاً لإدارة إقليمية مباشرة لها. إدارة تقوم أولاً على الاغتيال السياسي ثم على التصرّف وكأن الاغتيال كان ردعاً للمغدور أو تجنّباً للأضرار التي يمكن لحياته إن طالت أن تحدثها. وعلى ذويه التسليم بذلك وتجاوز الدم حفاظاً على أرواحهم ومنعاً لتفاقم الأمور في ديارهم. لا بل أكثر من ذلك، عليهم الاعتذار عن أفعال المغدور وعن دمه ثمّ الكفّ عن تذكّره حرصاً على سمعة قاتله...
بهذا المعنى، يمكن تفسير ما قاله المسؤولون السوريون لوليد جنبلاط بعد أربعين والده من أن كمالاً أراد الحسم العسكري في لبنان ولم يقبل بالمسعى السوري لإنهاء الاقتتال، ووصف سوريا بأنها "سجن كبير"... وبهذا المعنى أيضاً، يمكن تفسير ما سرّبه بعض المحسوبين على النظام السوري من أن رفيق الحريري تآمر مع مروان حمادة وآخرين لاستصدار القرار الأممي 1559 وإخراج الجيش السوري من لبنان. وبهذا المعنى أيضاً وأيضاً، قيل إن سمير قصير تجاوز الخطوط الحمر إذ كتب في الشأن السوري الداخلي وربط استقلال لبنان بديمقراطية سوريا... وفي كل هذا ما استدعى، مرة بعد مرة، تدابير اضطُرّت المعنيين الى الاستئصال منعاً للتمادي وذوداً عن الاستقرار...


على أسس "القتل الوقائي أو التأديبي" إذن، قامت في لبنان معادلة "الدم أو الرضوخ" لعقود ثلاثة خلت

وإن كان من فضل كبير ليوم 14 آذار 2005 (بمعزل عن أي نقاش في وظائفه السياسية والطائفية الداخلية)، فهو أنه أسقطها وأسقط التهويل والتخويف بها، ورفض الاستسلام لمقولة إن المقتول مذنب وليس القاتل، وإن الصمت والرضوخ هما السبيل الأمثل لتفادي استجلاب المزيد من الهلاك والفتن.
*****
... واليوم في 16 آذار 2010، بعد 33 عاماً على الجريمة التأسيسية، وبعد 5 سنوات على إسقاط المعادلة المبنية على ذاك التأسيس، يجدر ربما تأكيد أمر واحد بعيداً عن كل سجال وتبرير أو هجاء وتعريض: أن النسيان والمسامحة لا يحلّان مشكلة ولا ينتجان معادلات جديدة.
فالمسامحة يمكن أن تتمّ بعد المحاكمة أو بعد اعتراف القاتل بجرائمه واعتذاره عنها. أما النسيان فلا يغيّر في شيء ما قد حصل. وهو في أحسن الأحوال، يسمح لمن يريده أن يلغي من ذاكرته حدثاً، لكنه في ذلك لا يلغي الحدث نفسه، ولا أطرافه ووجوهه.
والأهمّ، لا يلغي حقيقة أن ثمة من لن ينسى ومن لن يفضّل المسامحة على العدالة، ولا حتى على البعض منها، ولو بعد حين...
زياد ماجد

Monday, March 8, 2010

في يوم المرأة ...

يذكّرنا اليوم العالمي للمرأة كل عام أن أحوال المرأة في لبنان ليست على ما يرام.
فالتمييز ضدّها في القوانين والممارسات مستمر، وموقعها في الحياة العامة مهمّش تماماً كما حالها في أغلب الأحيان في الحياة الأُسرية وفي منظومة العلاقات الاجتماعية.
ويمكن فهم الأمر بوصفه نتاجاً للقوانين المجحفة بحقها، المتراكمة منذ عقود، من قوانين الأحوال الشخصية الى قانون الجنسية، ومن قانون العقوبات الى قوانين العمل والتقديمات الاجتماعية والصحية.
ويمكن فهمه أيضاً انطلاقاً من الصورة النمطية المقدّمة عن المرأة بوصفها الأم والأخت والزوجة، وليس الكائن المستقل في ذاته بمعزل عن النسب الى علاقة عائلية تفرض أدواراً محدّدة وتفترض علاقات تراتبية تحلّ فيها المرأة – الدور في المرتبة الثانية على الدوام.
كما يمكن فهمه عند تشريح النخب السياسية والاقتصادية في لبنان حيث لا وجود فاعلاً للمرأة إلا بكونها – في حالات معدودة – وريثة لوالد أو لزوج وافته المنيّة أو لقي مصرعاً قبل بلوغ أحد الذكور من نسله سنّاً يسمح له بارتداء عباءته.
وفي هذا ما يجعل الاهتمام بقضاياها ثانوياً في بيئة تستصغر ما تخاله قضايا ترف نخبوي.
وإن أٌضيف الى كل ذلك العنف الرمزي - المعنوي أو الجسدي المباشر المُستسهَلة ممارسته ضدها في كثير من البيئات، صار الفهم أوضح، وبان الوضع أكثر سوءاً وظلماً، وأمست الحاجة الى مواجهته أكثر أولوية وإلحاحاً مما يُظنّ.

:على أن بعض الإشارات الايجابية ظهرت في السنوات الأخيرة
- منها الحملات الهادفة الى المطالبة بالاعتراف بمواطنية المرأة وبحقها "البديهي" في منح الجنسية اللبنانية الى زوجها الأجنبي والى أولادها،
- ومنها حملات المطالبة بالقانون الاختياري للأحوال الشخصية،
- ومنها أيضاً الحملات الهادفة الى التعريف بقباحة العنف المتعرّضة له بأشكاله كافة،
- ومنها كذلك الإصرار على كوتا نسائية في الانتخابات تمكّن النسوة من التمثّل في المؤسسات الدستورية التي يحجبها عن الوصول إليها السلوك الذكوري وآليات الهيمنة الاجتماعية والاقتصادية السائدة، كما إحجامها عن المشاركة خوفاً من الفشل.
- ومنها الكتابات والدراسات حول الإجحاف الذي تعاني منه في القوانين والتشريعات الوضعية والدينية.
لكن هذه الإشارات الهامة، على ضرورتها وشجاعة القائمات والقائمين عليها، تبقى معزولة في السياق السياسي والقانوني العام في البلاد إن لم يُصار الى تحصينها.
والتحصين يبدأ بتبنّي الإعلام لها وبالكتابة الدورية حولها، وبالضغط على الأحزاب والتشكيلات المجتمعية كما على الأفراد المؤثرين – وزراء ونوّاباً وحقوقيّين- لاعتمادها وتحويلها الى مشاريع قوانين تُحرج من يرفضها، وتراكم محاولةً إثر محاولة نهجاً إصلاحياً هو أحوج ما نكون إليه...
زياد ماجد

Tuesday, March 2, 2010

إيران وأخواتها

تثير زيارة الرئيس الايراني أحمدي نجاد الى دمشق والقمة التي عقدها مع الرئيس السوري بشار الأسد بمشاركة أمين عام حزب الله حسن نصر الله، ملاحظات عدة حول العلاقات والأحلاف الاقليمية، وحول التوقيت والرسائل السياسية.
هنا بعض هذه الملاحظات.
في مضمون اللقاء
ليس تصريحاً جديداً ما أعلنه المجتمعون عن أن أي حرب ضد لبنان لن تُبقي سوريا مكتوفة الأيدي. فهذا التصريح يسمعه اللبنانيون والسوريون ومعهم الفلسطينيون منذ عقود، ولم يروا منه في كل مرة كانت حمم الموت الاسرائيلي تتساقط فيها على الجنوب وبيروت (والضفة وغزة) سوى التشديد الحاسم على "رفض سوريا الانجرار خلف استفزازات العدو وترك الردّ للتوقيت والمكان اللذين تختارهما بنفسها"، وهما الى الآن مجهولان.
وليس جديداً كذلك توعّد الرئيس الايراني الحالي بمحو إسرائيل فور "ارتكابها خطأ العدوان على المقاومة وعلى المقاومين أنظمةً وحركات". فهو يكرّر التهديد منذ سنوات، لكنه لا يبدو في عجلة من أمره لتنفيذه...
هل من جديد إذن في ما قيل؟ لا يبدو ذلك. لكن الجديد الفعلي هو في توقيت القول وشكله وظروفه.
عن ظروفه الإقليمية والدولية
انعقد اللقاء ليؤكّد على استمرار الجبهة التحالفيّة بين سوريا وإيران، واستطراداً حزب الله، بعد كل الجهود العربية والدولية الهادفة الى تفكيكها، وبعد بعض القلق المتبادل بين أطرافها من مآل المفاوضات التي يُجريها كل منها وحيداً مع القوى الدولية، وبعد اتّضاح التباينات في الشأن العراقي بين دمشق (الساعية الى إبقاء الأميركيين والعراقيين في مأزق أمني يجعلها شريكاً محتملاً في أي تسوية لاحقة) وطهران (المطمئنة الى قوة دورها وحضورها في العراق وغير الممانعة في استقرار سياسي وأمني طالما أن حلفاءها المحلّيين عناصر أساسية في إدارة الدولة والمجتمع).
وهذا التأكيد على المضيّ في التحالف هو ربما الرسالة الجديدة المبعوثة لأطراف عديدين، بدءاً بفرنسا التي غادر رئيس وزرائها دمشق مؤكداً على المزيد من التعاون قبل ساعات من اللقاء، مروراً بالإدارة الأميركية التي قرّرت إعادة سفيرها الى دمشق قبل أيام منه، وصولاً الى السعودية التي صالحت النظام السوري منذ فترة ووفّرت فتح صفحة جديدة له لبنانياً.
والتآم اللقاء قد يكون، بهذا التوقيت، مبادرة إيرانية للتأكيد على أن لا شيء تغيّر في دمشق رغم الانفتاح العربي والغربي عليها. كما أنه محاولة سورية للعودة الى سياسات التموضع في أكثر من موقع، وإبقاء الخطوط مفتوحة مع أكثر من طرف، بانتظار جلاء الأمور في مرحلة تبدو فيها الأولويات الأميركية بعيدة عن إقلاق راحة قصر المهاجرين، ولو من دون حرارة مع حكّامه.
في الشكل ومستويات التمثيل والغياب
يعكس شكل اللقاء جوانب عدة من وظيفته.
فهو تمّ بين رئيسي دولتين ورئيس منظمة سياسية عسكرية يُراد له أن يكون ممثل دولة ثالثة. وفي ذلك تجاوز لأعراف ولمفاهيم سيادية وتعامل مع ممثل جهة لبنانية بوصفه ممثلاً للدولة ولقرارات السلم والحرب والتموضع الخارجي فيها. وهذا يكرّس النظرة الفوقية الى لبنان والتعامل السوري والايراني معه بوصفه "التابع" وساحة الصراعات وتصفياتها، مع "حلاوة لسان" وتعهّد بعدم تركه وحيداً إن هاجمته إسرائيل. كما أنه يكرّس نظرة حزب الله الى الكيان اللبناني باعتباره أرض مقاومة لا حاجة فيها لمؤسسات منتخبة أو لسلطات دستورية تدير خيارات أهلها.
ولعل في غياب زعيم حركة حماس عن الاجتماع – بقرار من الحركة أو بعدم توجيه دعوة له – ثم ظهوره الى جانب زعيم الجهاد الإسلامي في صورة استلحاقية في طهران، ما يشير الى أمر ما مستجدّ في السياق الفلسطيني - الإقليمي، من المفيد رصده في المرحلة المقبلة...
خلاصة القول إننا أمام مشهد حدّاه الستاتو كو المقيت والصدام المدمّر. ونحن على الأرجح غارقون فيه لوقت إضافي.
زياد ماجد

Tuesday, February 16, 2010

عن 14 شباط 2010



لم يكن 14 شباط هذا العام شبيهاً تماماً بالمحطات السنوية التي سبقته.
فبعيداً عن البروباغاندا والبروباغاندا المضادة حول الحشد، وهو في أحسن الأحوال أقلّ مما كان عليه في السنوات السابقة، وأكثر مما يفترض به أن يكون بعد التطوّرات السياسية الأخيرة وبعد شعور كثر بانتفاء معنى الاستنفار الشعبي طالما أن الدينامية التوافقية داخل النادي السياسي هي الحاكمة... وبعيداً عن الشعارات التعبوية والتحذيرية، أو تلك المستخفّة بما جرى وكأنه مسألة عابرة لا دلالات لها، يمكن لمراقب أن يسجّل عدداً من الملاحظات السياسية.


مثّل 14 شباط 2010 استعادة لبعض معاني انتخابات 2009 معطوفة على ما تلاها من تراجع.
- فهو أكّد مرة جديدة القدرة التعبوية الكبيرة لتيار المستقبل، وهي القدرة التي كانت قد أوصلت سعد الحريري الى زعامة غير مسبوقة في الشارع السني، كرّستها الانتخابات النيابية وأفضت به نتيجتها الى رئاسة الحكومة.
- وهو عاد وظهّر التقدّم الشعبي لمسيحيي 14 آذار، وبخاصة للقوات اللبنانية. لكنه كرّر تبيان تعذّر صرف التقدّم هذا سياسياً في المؤسسات أو تحويله تأثيراً حاسماً في السياق الوطني، تماماً كما جرى بعد الانتخابات الماضية مع البدء بمفاوضات تشكيل الحكومة (حين استعاد ميشال عون سياسياً ما كان قد خسره انتخابياً).
- وهو جسّد القدرة الجنبلاطية على استيعاب الوضع الدرزي وتململه من مستجدّاته السياسية. فلم يكن الحضور من الجبل والشوف وراشيا وحاصبيا كما كان في السنوات الفائتة، رغم أن المشاعر على الأرجح لم تتبدّل. وزيارة جنبلاط ضريح الرئيس الحريري، ثم انتقاله الى الضاحية الجنوبية للقاء السيد نصر الله بيّنا في يوم الحشد نفسه الفارق بين مستويين من التعاطي الجنبلاطي مع المرحلة الراهنة.
- وهو أكّد أن الحضور "المدني" من خارج الماكينات الكبرى انطلاقاً من موقف "الضد" (ضد النظام السوري وحلفائه اللبنانيين – حزب الله والتيار العوني وسواهما) أكثر منه من موقف "المع" (مع قيادات 14 آذار)، استمرّ في سلوك يشبه سلوك الانتخابات الطلابية والنقابية الأخيرة التي كانت تسابق المصالحات وتوزيع المناصب الوزارية (ولو على نحو أكثر خجلاً هذه المرة)...
ترجم 14 شباط 2010 ما يمكن تسميته بالتعبوية العاطفية.
ففي كلّ الظروف التي تلد تجمّعات شعبية ضخمة، تظهر مجموعة عناصر تنسج المشترك بين الناس.
- منها الانفعال الجماعي نتيجة الظروف الولّادة للحشد وما تسبّبت به من آلام ثم صنعته من آمال.
– ومنها الذاكرة المكانية والطقوسية التي يتقاسمها المجتمعون، إذ صارت ساحة الشهداء هوية سياسية لهم وصارت زواياها والمسالك المفضية إليها دروباً يسلكونها سنوياً بطقوس لا تتغيّر: رفع العلم والشعار ووضع الفولار وإشهار رغبة التحدّي والتآخي مع الآلاف من الوافدين، والتلهّف لمشاهدة بحرهم في طور التكوّن ثم الوقوف على صورته مساء للاحتفاء به وبطوفانه.
– ومنها كذلك الشعور بأمان الكثرة. تلك الكثرة التي تمدّ الفرد بالقوة وبرغبة الاستمرار، والتي تعزّز عنده اليقين السياسي وتمنع عنه التردّد أو القلق نتيجة ما يمكن تطارحه من أسئلة حول جدوى التزامه وصوابيّته.
– ومنها أخيراً التمسّك بفكرة متّصلة بالوفاء للدم، برفض نسيان التضحية التي افتدى من خلالها المضحّي الجمعَ المحتشد، بتذكّره وبالانتصار له.
على أن 14 شباط 2010 عبّر في مفارقة سياسية صارخة، بعكس ما يردّده البعض حول كونه إنذاراً شعبياً للأكثرية النيابية لوقف سياسة التنازل، وبعكس نوايا معظم من نزل (وتحديداً أولئك الوافدين متسلّحين "بالضد")، عن تغطية شعبية "لسياسة التنازل" هذه، أو على نحو أدقّ، لما تمّ منها حتى الآن، ولو على نحو غير مباشر.
ف14 شباط 2010 قطع سياسياً مع ما سبقه في ما خصّ التعبئة ضد النظام السوري، واستبدل ذلك بالحديث عن العلاقات الندّية والاحترام المتبادل والالتفاف حول رئيس الحكومة الداخل الى المصالحات مع دمشق من "النافذة السعودية". وهذا كان متوَقَّعاً. كما أنه قطع سياسياً مع "أقلمة" النزاع اللبناني، بذريعة المعادلات العربية الجديدة، جاعلاً مسألة بحجم مسألة سلاح حزب الله داخلية لبنانية يتحمّل الحزب مسؤوليتها، وهو المتلحّف في شأنها بثلث ضامن يقيه من أي تصويت حاسم بشأنها.

الأبعد دلالة من كل ذلك، هو أن 14 شباط 2010 أظهر، إن وُضعت المشاعر والحدّة في اختيار التعابير وأساليب الكلام جانباً، أن الفوارق الجوهرية صارت شبه متلاشية بين مواقف الحريري وجنبلاط السياسية. ففتح صفحة جديدة مع نظام دمشق مشترك بينهما، وكذلك مسار التسوية الداخلية، ولو بنكهتين، واحدة "عروبية" تبتعد عن "القُطرية" وبعض متطلّباتها والثانية "لبنانية أولاً" تصرّ على البقاء في تواصل مع شركاء مسيحيين.

وكل هذا يعني في ما يعنيه أن المرحلة المقبلة ستكون من جديد مرحلة ستاتوكو داخلية بانتظار التطورات الخارجية...
زياد ماجد