Monday, July 27, 2026

لبنان بين روبيو وترامب ومحاور الشرق الأوسط الجديد

تشير الأحداث المتسارعة في الخليج بعد تجدّد الحرب الأميركية مع إيران، ومثلها الأخبار الواردة من واشنطن، الى أن وزير الخارجية ماركو روبيو تقدّم مؤقتاً على منافسه في الإدارة وفي البيئة الجمهورية نائب الرئيس جي دي فانس، في ما خصّ مقاربة القضايا الدولية.

فروبيو، الأقرب الى المواقف الجمهورية التدخّلية في الشؤون الخارجية، من فنزويلا وكوبا – بلد والدَيه – الى الشرق الأوسط، يرى في الحرب مع إيران فرصة لإعادة تشكيل غرب آسيا وشمال شرق أفريقيا لصالح سيطرة أميركية وسطوة إسرائيلية طويلة الأمد. ويعتبر أن أي اتفاق مع طهران لا يُنهي دورها الإقليمي، وليس فقط برنامجها النووي، لا جدوى منه. وهذا موقف يناقض ما قبِل به جي دي فانس الذي تولّى التفاوض مع إيران في الأشهر الأخيرة ووقّع معها مذكّرة التفاهم، وقرّع منتقدي المذكّرة بشدّة، لا سيّما الإسرائيليين، منبّهاً إياهم الى كون أميركا تحميهم وتمدّهم بالأسلحة وهي آخر حليف قويّ لهم.

والتنافس بين روبيو وفانس لا يرتبط فقط بالسياسة الشرق أوسطية ولَو أنها أبرز ساحاته، بل هو أساساًَ يتّصل بنظرتين جمهوريّتين مختلفتين للولايات المتحدة وموقعها. واحدة ترى في السياسة الخارجية وسيلة لإبقاء أميركا متفوّقة على خصومها، لا سيّما الصين، ولحماية مصالحها وتكريس حضورها العالمي؛ والثانية ترى في الانعزال النسبي والانفاق الداخلي ما يقوّي البلاد واقتصادها ويُبقي الحاجة العالمية إلى أدوارها قائمة. ولا شك أن التحضير لوراثة ترامب يدخل في الحسابات أيضاً بين قطبي إدارته الحالية ويزيد التوتّر والتنابذ بينهما.

Monday, July 20, 2026

إسبانيا تُتوّج بطلة للعالم في نيويورك في كأسٍ شهدت الظهور الأخير لميسي وكريستيانو

 حقّقت إسبانيا إنجازاً كروياً جديداً، مستحقاً، بفوزها بكأس العالم 2026، بعد عامين من الفوز بكأس أوروبا. وهي كرّرت إنجازها العام 2010 حين فازت بالكأس العالمية بعد فوزها بالكأس الأوروبية (التي عادت وفازت بها تكراراً العام 2012). وبذلك، تكون قد أحرزت كأسي عالم من أصل خمسة وثلاثة كؤوس أوروبية من أصل خمسة أيضاً في السنوات الـ18 الماضية. علماً أنها حالياً حاملة اللقب العالمي بكرة قدم السيدات وحاملة عدة ألقاب أولمبية وضمن الفئات العمرية الناشئة. 

وكوفئ جيل إسباني يلعب بثقة ويفرض سيطرته على المباريات بمعزل عن الخصم، فيستحوذ على الكرة ويحسن الانتشار ويهاجم من الجناحين وبالعمق، ويتحرّك لاعبوه بتناغم يُتيح لصانعي الألعاب على الدوام أن يجدوا أكثر من احتمال تمرير، بما يقلّل من فرص الخصم في انتزاع الكرة منهم وفي إطلاق الهجمات المرتدة.

ولعل المباراة النهائية أمام حاملة اللقب الأرجنتين ظهّرت قدرة إسبانيا بقيادة رودري وكوكورايا ولامين يامال على المحافظة على سيطرتها، رغم الخشونة والضغط في وسط الملعب والتكتّل الدفاعي من جهة اللاعبين الأرجنتينيين الذي صعّب المهمّة، الى أن جاء هدف الفوز بواسطة قدم فرّان توريز اليسرى في بداية الشوط الإضافي الثاني بعد تبادل كرات أرضية وهوائية بين يامال وبورّو وويليامز. ولم ينجح ميسي ورفاقه في تعديل النتيجة في الدقائق الأخيرة على ما فعلوا في مبارياتهم ضد الرأس الأخضر ومصر وسويسرا وإنكلترا، بسبب التعب وندرة الفرص والتسديدات والنقص العددي إثر طرد فرنانديز في آخر الوقت الأصلي للمباراة.

وفاز الثلاثي الإسباني رودري بجائزة أفضل لاعب في البطولة، وكوبرسي بجائزة أفضل لاعب شاب، وسيمون بجائزة أفضل حارس مرمى.

Sunday, July 19, 2026

ليندسي غراهام "المعتدل" داخل أمريكا و"الإبادي" في غزة

توفّي عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية كارولاينا الجنوبية ليندسي غراهام بعد أكثر من عقدين من الزمن أمضاهما كمهندس جمهوري للعلاقات والتسويات داخل المؤسسة التشريعية ولجانها المالية والقانونية المختلفة.

وفي العقد الأخير، انتقل غراهام من معارضة سياسات دونالد ترامب الداخلية عشيّة ولايته الأولى، خاصة وأنه كان مرشّحاً منافساً له لكسب تسمية الجمهوريين العام 2016، الى حليف، قبل أن ينتقده من جديد عقب هجوم أنصاره على مبنى الكابيتول العام 2021 اعتراضاً على خسارته الانتخابات في مواجهة جو بايدن. وقبَيل الولاية الثانية، عاد غراهام ليوالي ترامب، وليصبح مُعتمَده الداخلي الأول في ما خصّ التفاوض على قضايا الانفاق والأمن والدفاع. فمثّل داخل مجلس الشيوخ، بالتعاون مع زملاء له جمهوريين، وأحياناً مع خصوم ديمقراطيين، حالة توسّط في النزاعات حول اللجان وقراراتها وحول التعيينات والموازنات وإقفال المؤسسات. ويُضعف غيابه كما الغياب المؤقت لعضو المجلس ميتش ماكونيل الأكثرية الجمهورية، على مقربة من انتخابات تشريعية نصفية يأمل الديمقراطيون في انتزاع الأغلبية فيها، أو أقلّه في واحدة من غرفتيها، أي الشيوخ أو النواب.

على أن غراهام معروفٌ دولياً لمواقفه الخارجية وليس لأدواره أو أنشطته الداخلية. فهو أحد صقور الجمهوريين لجهة تأييده المطلق لإسرائيل ودفعه منذ سنوات لحرب شاملة على إيران وأذرعها وحلفائها، وأوّلهم حزب الله اللبناني، إضافة الى كونه داعماً لأوكرانيا وداعياً لتسليحها الى حين خضوع بوتين لشروط نهاية الحرب عليها. وهو بهذا المعنى يمثّل خطاً جمهورياً تاريخياً، محافظاً و"معتدلاً" في الداخل من ناحية، و"متطرّفاً" في تبني سياسات خارجية، هجومية ديبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً، من ناحية ثانية.

Friday, July 10, 2026

عنصريّة الملاعب وشرّ التفاهة

تشهد ملاعب كرة القدم الأوروبية أحداثاً عنصرية دورية تستهدف بشكل خاص اللاعبين السود. نرى ذلك في إسبانيا ضد فينيسوس جونيور، ونراه أحياناً في إيطاليا حين يُلقى الموز باتجاه لاعبين سود. ونراه أيضاً في تعليقات عنصرية من صحافيين رياضيين ومن سياسيين في فرنسا وإنكلترا وغيرهما من الدول الغربية التي تجرّم قانونياً العنصرية في الحياة العامة، من دون أن تنجح في استئصالها أو حتى إضعافها. لا بل أنها تعود اليوم لتتقدّم بسفور مع صعود تيارات اليمين المتطرّف التي يتفاخر كثر من رموزه وناشطيه بها.

على أننا لا نتابع كفاية ما يجري في بعض ملاعب أميركا الجنوبية، لعدم وجود تغطية إعلامية أو نقل مباشر للمباريات هناك. لذلك نُصدم إذ نسمع بعض التصريحات الباراغوانية أو عدداً من الهتافات الأرجنتينية التي تتّخذ من البذاءة العنصرية هويةً لها.

لكن المتابع لكرة القدم في القارة اللاتينية، وللسجالات والعداوات التاريخية فيها، يعرف مثلاً أن الأرجنتينيين يتباهون على الدوام بأنهم بأكثريتهم الساحقة بيضٌ من نسل أوروبي خالص، وأن لا سود أو سكّان أصليين إلا في ما ندر في صفوفهم وصفوف منتخباتهم الوطنية. وهم في ذلك نقيض البرازيل خصمهم وندّهم التاريخي، ثم كولومبيا والإكوادور، حيث نسبة اللاعبين السود أو السمر عالية، وعلى خلاف تشيلي والبيرو حيث المتحدّرين من سكّان أميركا الأصليين بارزين في الحيّز العام وفي عالم كرة القدم.

Monday, July 6, 2026

كيف يمكن أن نقاضي إسرائيل ونواجه حصانتها؟

منذ توقيع الاتفاق-الإطار بين لبنان وإسرائيل في واشنطن في 26 حزيران/يونيو الفائت برعاية من وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو المتنافس مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، المسؤول عن الملف التفاوضي مع إيران، يدور سجال حول المادة 13 من الاتفاق المذكور، التي يتعهّد فيها لبنان وإسرائيل بالامتناع عن اللجوء الى "الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية".

ذلك أن هذا الامتناع يعني عدم مقاضاة إسرائيل رغم جرائمها المتكرّرة على الأرض اللبنانية، لا سيّما منذ العام 2023، وما تضمّنته من قتلٍ لآلاف المدنيين اللبنانيين، بينهم مئات الأطفال، ولعشرات المسعفين والصحفيين والعاملين في الخدمات البلدية والإنسانية، ومن تدميرٍ لعشرات آلاف المساكن في بلدات جنوبية وبقاعية وفي ضاحية بيروت الجنوبية، ومن تلويث للتربة والمياه واستمرار احتلال لست مئة كيلومتر مربّع من الأراضي، يواصل الإسرائيليون تفجير البيوت والمنشآت المدنية فيها.

ورغم التوضيحات الرسمية غير المقنعة بعد أيام من التهرّب من التعليق الذي تلى القبول بهذا البند، يمكن القول إن الكثير من الأمور ما زال فعلها متاحاً لمنعه من فرض الصمت القانوني لبنانياً تجاه انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي وللقانون الدولي الإنساني المستمرة. فواشنطن وتل أبيب اللتان أصرّتا على البند المذكور، تدركان أهمّيته في مرحلة تتعرّض فيها حصانة إسرائيل لأول مرة منذ نشوئها لتهديد في المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت مذكرتي توقيف بحق رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في غزة، وفي محكمة العدل الدولية التي تقاضي فيها جنوب أفريقيا إسرائيل إياها بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، إضافة الى سلسلة دعاوى ضد ضباط إسرائيليين في محاكم أوروبية، ومجموعة إجراءات أخرى يجري التحضير لها في أكثر من بلد.

Thursday, July 2, 2026

هل من بديل عن الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل؟

درجت العادة في لبنان منذ فترة، أن يبادر أطراف أو أشخاص للردّ على أي نقد لاتفاق أو لخيار سياسي، بالسؤال عن البديل. وما قد يبدو مشروعاً في هذا السؤال سرعان ما يصبح في سياقات البلد السياسية وسيلة للاختباء خلف وضعٍ داخل طائفة على اعتبار أن لا بديل عن الأقوى فيها، أو خلف زبائنية بحجة أنها الواقع، أو خلف أي طرح على اعتبارٍ ينفي وجود ما يخالفه.

وقد شكّل توقيع الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل فرصة لسماع هذا النوع من المقولات، بموازاة مقولات أخرى من نمط الدفاع عن الاتفاق باعتباره جيداً وسيادياً، ثم القول إنه في أي حال نتاج موازين القوى في الجنوب المنهوش والمحتلّ، أي إنه في الواقع شديد السوء!

والحق أنه بمعزل عن هذه الرتابة، يفيد قول خمسة أمور عن الاتفاق، والتوقف قليلاً عند ما تعنيه.

Sunday, June 21, 2026

دونالد ترامب وأحمد الشرع ولبنان وحزب الله

 كرّر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب دعوته الرئيس السوري أحمد الشرع الى التدخل في لبنان ضد حزب الله، قائلاً إن إسرائيل لم تنجح في الأمر وإنها تقتل الكثير من المدنيين وتدمّر الكثير من المساكن في استهدافاتها لعناصر الحزب. وسبق لسفير واشنطن في تركيا ومبعوثها الخاص الى سوريا توم برّاك، أن ذكر الأمر نفسه وذهب أبعد من ذلك إذ تحدّث عن عودةٍ الى "بلاد الشام" وعن صيغة "سوريا كبرى".

وبمعزل عن العته والجهل واحتقار القانون الدولي في هكذا دعوات وتصريحات، وهي غير مُستغربة من سيّد البيض الأبيض ومبعوثيه (مع صحّتها في ما خصّ الإجرام الإسرائيلي الذي تستمر إدارته في تمويله)، إلا أنها تشير الى عدّة أمور.

Thursday, June 18, 2026

عن الاتفاق الإيراني الأميركي وخسارات اللبنانيين

وقّع الرئيسان الأميركي والإيراني رسمياً نصّ مذكرة التفاهم بين البلدين، وافتتحا مرحلة جديدة في العلاقة ستشهد تفاوضاً ومداً وجزراً حول العديد من الأمور.

ويُظهر نص التفاهم كيف نجح النظام الإيراني في تحويل الحرب التي نجا منها، رغم الخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي مُني بها، الى مناسبة لاستعادة مشروعيّته الدولية ولإعادة صياغة علاقته بالإقليم وبواشنطن.

وإن قارنّا ما أُعلن من أهدافٍ للحرب الإسرائيلية الأميركية على لسان تل أبيب وواشنطن، بالنتائج الميدانية وببنود التفاهم، أمكن لنا التذكير بما يلي.

إسقاط النظام أو تغييره على الطريقة الفنزويلية: أمرٌ لم يحصل، وجاء التفاهم ليطوي صفحة الكلام بالموضوع لفترة ستكون طويلةً، عبر رفع الحصار ورفع العقوبات والتعهّد بإعادة أموال طهران إن تقدّمت المفاوضات في الستين يوماً المقبلة.

تدمير البرنامج النووي: أمر لم يحصل أيضاً، علماً أن ترامب كان قد أعلن عن إنجازه في حزيران 2025، ثم أعلن عن إنجازه مجدداً في آذار 2026، فإذا بالمفاوضات تعود الى ما كانت عليه قبل الحربين الأولى والثانية، مع تعهّد إيراني بعدم السعي مستقبلاً لامتلاك سلاح نووي، وهو أمر يتماشى أصلاً مع فتوى سابقة للمرشد الراحل علي الخامنئي تحرّم النووي العسكري.

تدمير البرنامج الباليستي وسائر البرامج العسكرية الكبرى: وهو أمر لم يحصل بدوره، لا بل أعادت إيران (بمساعدة الصين) بناء ما تضرّر من برامجها، وسقط الحديث عن الموضوع برمّته في الاتفاق الجديد.

تدمير أذرع إيران الإقليمية، مع التركيز على حزب الله: وهو أمرٌ لم يكن في أي حال ليتحقّق، لأسباب مجتمعية لبنانية، ولَو أن حزب الله تعرّض لخسائر عسكرية كبيرة. ونصّ التفاهم على وقف النار معه في لبنان، بما أنهى الكلام عن "إزالته". وما تصريح ترامب حول فشل إسرائيل في التعامل مع الحزب وقتلها الكثير من المدنيين وطلبه العجائبي والإجرامي الى الرئيس السوري أحمد الشرع تولّي الأمر سوى دلالة على تخبّطٍ غير مسبوق في السياسة الأميركية المعلنة أو المضمرة.

Sunday, June 14, 2026

أسوأ ظرف لكأس عالم، ومع ذلك فهي تدور

تنطلق في 11 حزيران/يونيو في المكسيك مسابقة كأس العالم لكرة القدم، في نسختها الثالثة والعشرين، بعد 96 عاماً من انطلاق النسخة الأولى في الأوروغواي العام 1930 (علماً أن نسختين أُلغيتا في العامين 1942 و1946 بسبب الحرب العالمية الثانية).

وتستضيف دول أميركا الشمالية الثلاث المسابقة المقبلة، وهي الأوسع لجهة عدد المنتخبات، إذ ارتفع العدد من 32 منتخباً وطنياً الى 48، وبالتالي لجهة عدد المباريات التي صارت 104 بعد أن كانت 64. كما أنها الأوسع لجهة عدد الملاعب التي ستحتضن المباريات في مدن الولايات المتحدة (11 ملعباً) وكندا (ملعبان) والمكسيك (3 ملاعب).

وإذ ادّعت الفيفا (الاتحاد الدولي للّعبة) أن رفع عدد المنتخبات هدفه زيادة تمثيل القارات وتشجيع انتشار اللعبة الأكثر شعبية في العالم، فإن الواضح أن الهدف اقتصاديٌ وإعلامي وانتخابي داخلي، وهو سيؤثّر بلا شك على مستوى المسابقة، نظراً للتفاوت الكبير في الإمكانيات بين عدد من المنتخبات التي ستتواجه في الدور الأول.

Sunday, June 7, 2026

ماذا لَو استمرّت إسرائيل في احتلال شريط حدوديّ في لبنان؟

 تشير التطوّرات الميدانية والسياسية المستمرّة في لبنان، إن لجهة مواصلة إسرائيل قصفها للجنوب واجتياحها لمناطق فيه وتهجير سكّانها، أو لجهة المفاوضات على "وقف إطلاق النار" في واشنطن بين ممثّلين عن حكومتَي بيروت وتل أبيب برعاية أحادية أمريكية، الى أرجحية استمرار التصعيد وفشل الإجراءات التي جرى الإعلان عنها في الاتفاق الموقّع في 4 حزيران/يونيو 2026، لثلاثة أسباب.

الأول، أن إسرائيل لا تريد هدنة شاملة أو وقفاً لجميع "الأعمال العسكرية" ولا تقبل بالبحث بالانسحاب من الأراضي الواسعة التي احتلّتها. وقد أكّد رئيس وزرائها عزمها البقاء لمدّة غير محدودة في الجنوب، وشدّد وزير دفاعها على تمسّك دولته بالحقّ "بضرب حزب الله كلّ ما اعتبرت أن أمنها مهدّد". وهو أمرٌ يتيحه تأويل ما أُعلن عنه في أي حال، تماماً كما أتاحته التباسات اتفاق وقف النار السابق في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

الثاني، أن حزب الله بلسان أمينه العام رفض الاتفاق الجديد، واعتبره اتفاق إذعان. والأكيد أن الحزب لن يقبل بأي اتفاق قبل اتّضاح مسار التفاوض الأمريكي الإيراني وقبل إيعاز طهران له بالأمر. كما أنه لن يقبل باتفاق يُبقيه عرضة للنيران الإسرائيلية كما كانت حاله طيلة 15 شهراً سبقت 2 آذار/مارس الماضي. وسيجاريه رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الى حدّ بعيد في المواقف هذه.

والثالث، أن السلطة اللبنانية لا تستطيع فرض الاتفاق وتنفيذ ما تعهّدت به في واشنطن إن لم يقبل الحزب به، لأن لا مواجهة ممكنة بين الطرفين، ولأن تأييد جزء واسع من الرأي العام اللبناني لها لا يكفي لتعويض معارضة جزء آخر، غير قليل، لمواقفها التي بدت مؤخراً شديدة الالتصاق بالمواقف الأمريكية والمراهنة عليها.

Wednesday, June 3, 2026

في تعاملَين إطلاقيَّين مع إسرائيل

ثمة تشابه متزايد في تحليل "الفلسفة الحربية" الإسرائيلية بين مريدي حزب الله وبعض ألدّ أعدائه اللبنانيين. ذلك أنهم يُجمعون على ثلاثة أمور.

الأول، أن إسرائيل تتصرّف عسكرياً على نحو "إطلاقي" أو حتى "ماهوي"، وعلى أسس لا ترتبط بالظروف السياسية ولا بالمعادلات الإقليمية والدولية وموازين القوى فيها. فحروبها هي إما حتمية، لا مفرّ منها ولا ضرورة لمناقشة جدوى فتح جبهات ضدّها لأنها في أي حال ستشنّ الهجمات التدميرية وستقتل بلا حسيب أو رقيب؛ وإما مجرّد ردّات فعل يمكن دائماً تلافيها لأن تاريخ العنف الاسرائيلي هو تاريخ دفاعيّ، وكل ما يجري حالياً هو نتيجة تعرّض إسرائيل لعنف تقابله بعنف مضاعف.

الأمر الثاني، ربطاً بالأول، أن الحل الوحيد معها هو إما قتالها حتى إزالتها، أو السلام معها لأنه سيُنهي الخراب والخسائر ويوفّر مستقبلاً مستقراً في لبنان والمنطقة. بمعنى آخر، هي طرف غير مبادر وغير "سياسي" ولا أهداف له في ما يخصّ محيطه المباشر، والحل معه كما مستقبل المنطقة لا هوامش عمل سياسي فيه، ولا فرضيات واحتمالات تبدّل وديبلوماسية وثقافة وبناء تحالفات بأساليب مختلفة، بل حرب مفتوحة أو "سلام" لا يُعرف المقصود به في ظلّ الاحتلال وتفجير البلدات والقتل اليومي في لبنان، وفي ظل استمرار الإبادة في غزة والاستيطان المتوحّش في الضفة والقدس والاجتياحات في سوريا.

أما الأمر الثالث، فمفاده أن القانون الدولي وكل ما بنته الإنسانية من نظم كونية وقيم تضامن وتفاعل تحملها القوى الاجتماعية ("الغربية" تحديداً) المكافحة من أجل عالم أفضل، لا أهمية لها في ما يخصّ إسرائيل. فهي موضع تشكيك واتهام بانعدام الفاعلية والجدوى من ناحية، وموضع تندّر واستخفاف بالمصداقية والمعرفة (خاصةً حين تعادي إسرائيل!) من ناحية ثانية.

Saturday, May 16, 2026

الحطام بوصفه سياسة إسرائيلية من غزة الى جنوب لبنان

في الوقت الذي ينتظر فيه الجميع في لبنان مآل التفاوض في إسلام آباد وواشنطن، ويعلن حزب الله تمسّكه بالاستراتيجية الإيرانية وبخياراتٍ لم تردع آلة القتل الإسرائيلية ولم تحدّ من توسّع الاحتلال، تواصل إسرائيل تنفيذ سياسة الأرض المحروقة، ساحقةً البيوت والبنى التحتية في الجنوب.

وفيما تتصاعد السجالات والاتهامات، وينبري سياسيون وكتّاب إلى تحليل المشهد الجنوبي وفق مقاربات لا تبدو إسرائيل، في كثير منها، فاعلاً صاحب سياسة، بل مجرّد طرف يستجيب للأحداث ولأهوائهم، تُسالم إن سالموا فتنسحب إلى الحدود، أو تقتل وتدمّر إن تأخّر الأمر، تواصل إسرائيل نفسُها توسيع رقعة احتلالها وقضم المزيد من البلدات وتفجير معالم الحياة فيها. وهذا في ذاته، صار هدفاً رئيسياً من أهدافها، منذ حربها الأخيرة في غزة قبل عامين ونصف، في استعادة لما اعتمدته أيضاً لحظة قيامها، أي لحظة النكبة الفلسطينية، قبل ثمانية عقود.

الإبادة العمرانية 

حوّلت إسرائيل الحطام، أو الخراب، إلى سياسة متكاملة: سياسة تصيب المكان والزمان معاً. فمن خلال تدمير البيوت والمكتبات والأرشيفات والصور والوثائق العقارية، وصولاً إلى المقابر، يشنّ الإسرائيليون حرباً على الحاضر وعلى الذاكرة. يمدّدون سطوة الحرب إلى ما بعد القصف و"وقف إطلاق النار"، ويحوّلون مشهديّة الحطام إلى مؤسّسة للعقاب، وإلى استعراض للقوة وللحصانة في انتهاك القوانين الدولية.

Monday, May 11, 2026

عن الواقعية والحتمية ووهم السلام

أثار طرح "خيار ثالث" في لبنان، في موقع "ميغافون" الالكتروني، سجالات وردوداً بعضها رصين ومُحفّز على التفكير، وبعضها الآخر يرتبط بثقافة ثنائيات مقفلة لا تقبل الاختلاف، ولا تُعنى أصلاً بالنقاش السياسي بقدر ما يعنيها التموضع والتسليم بمنطق التخوين الذي صار أداة الاستقطاب الأبرز في البلد.

و"الخيار الثالث" المُشار إليه هو ذاك الذي يدعو الى البحث في سبل الخروج داخلياً في لبنان من حلقة مفرغة بين خيار حزب الله الحربي ربطاً بتحالفه مع إيران وخيار بعض الأطراف المعارضة للحزب، التي تتباين وجهات نظرها حول الكثير من المسائل، لكنها تُجمع على ما يُشبه سحرية الحلول الآتية من واشنطن ومن التفاوض مع إسرائيل.

والتفكير بسبل الخروج من هذه الحلقة يفترض إضافة الى القول بضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومثله قرارات الحرب والسلم ورفض منطق ربط الجنوب اللبناني باستراتيجيات طهران، قولاً آخر حول سبُل تحقيق ذلك، وسُبل التعامل مع المفاوضات، وضرورة التمييز بين كل تفاوض مشروع وواجب على الدولة اللبنانية للوصول الى وقف نهائي للنار ولعمليات تفجير القرى الحدودية وإنهاء الاحتلال، وبين اتفاقيات سلام ثم تطبيع مع إسرائيل، يُمنّي بعض القوى السياسية النفس بها، ولنا عودة الى ذلك.

هل صحيح أن الخطّ الثالث مجرّد وهمٍ وطهرانية سياسية؟

منذ إطلاق صواريخ حزب الله الستة دعماً لإيران في 2 آذار الفائت، وما تلاها من حرب إسرائيلية شاملة تَوجّت بعنف همجيّ مسار جرائم وانتهاكات لم تتوقّف يوماً رغم اتفاق وقف النار الموقّع أواخر تشرين الثاني 2024، والبلد منقسمٌ بين خطابين حادين وتبسيطيّين، ولَو أنهما لا يختزلان المشهد بأكمله.

Monday, April 27, 2026

بعض الليبراليين العرب والمسألة الإسرائيلية

يجهد بعض الكتّاب اللبنانيين والعرب، المُحتسَبين على تيار ليبرالي فضفاض أو متعدّد المشارب، في تسويق خطاب سياسي يواكب المرحلة الراهنة التي يميّزها فائض العنف والتدمير في منطقة "الشرق الأوسط".

ويقوم خطابهم هذه المرّة، بعد أن كان مكرّساً في مرحلة سابقة لنقد التيارات الممانعة، يسارية وقومية وإسلامية، ولنقد الأنظمة العربية باستثناء الأنظمة الخليجية، على اعتبار أن السلم مع إسرائيل هو الحلّ للكثير من المعضلات المجتمعية والثقافية والاقتصادية في المنطقة.

والحقّ أن الخطاب هذا، رغم افتقاره لأي تماسك، ورغم هشاشة براهينه والأمثلة التي يُقيم عليها مقارناته ليثبت حججه، يبدو جذّاباً لفئات من جيل أو جيلين، سئمت الحروب وبلادة المقولات المرافقة لها أو المبرّرة لأطوارها الكارثية، وحاصرتها ظروفها المعيشية ضمن أطر لم تعد تسمح لها بالإطّلاع  الدقيق على ما يجري في العالم، ولا على ما يشغل بال قسمٍ كبير من جيل جديد، لا يتشارك وإياها نفس وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت صلتها شبه الوحيدة بالقراءة و"المعرفة".

وإذا كان الخطاب الليبرالي المذكور قد امتلك سابقاً مشروعيةً من نقده للممانعة ورثاثة منظومتها الفكرية، وادّعى حكمة ونضجاً من نقده لتجارب الإخفاقات التنموية والهزائم العسكرية والسياسية لبعض الأنظمة العربية، فإن عجزه عن قول أي جديد خارج إطار هذين النقد وادّعاء الحكمة، يدفعه اليوم لترداد مقولات لا تقلّ رثاثة عمّا سبق أن انتقده على مدى عقود.

Wednesday, April 22, 2026

درونْ

ليس مبالغاً القول إننا نعيش منذ أكثر من عقد في مرحلة تكنولوجية جديدة عنوانها الـ"درون"، أو الطائرة المسيّرة الصغيرة التي غيّرت وتغيّر تفاصيل الحياة. 

بدأ الأمر بالعلاقة مع التصوير. التصوير من ارتفاعات لمسح الأراضي، ثم لتقديم صور جوية مدنية أو عسكرية لمناطق، ثم لتغطية صحافية أو وثائقية لتجمّعات أو استحقاقات رياضية. ثم تطوّر الأمر سينمائياً ليصبح من النادر أن نشاهد فيلماً أو "فيديو كليب" من دون مسيّرات ومن دون صور توفّر بعداً آخر للمَشاهد والأحداث.

 ثم أقحم باراك أوباما المسيّرات في "الحرب على الإرهاب" بحجة بدء سحبه الجيوش الأميركية من أفغانستان والعراق ورفضه الاستمرار بعمليّات عسكرية واسعة النطاق. فكان لجوؤه الى ما سُمّي اغتيالات إطلاقاً لحرية عمل المسيّرات المبرمجة، التي قتلت المئات في أفغانستان واليمن بشكل خاص، ثم في العراق وسوريا، وكان بين ضحاياها العشرات من المدنيّين الذين انطبقت عليهم الخصائص الفيزيولوجية للمُستهدفين من عناصر الطالبان والقاعدة ثم الدولة الإسلامية في الضربات المذكورة. وكنا يومها في بداية "الذكاء الاصطناعي" المُعسكر، ولم تُثر مسائل الاستهداف والقتل المبرمج والاغتيال وجرائم الحرب المستجدة الكثير من الاهتمام، إذ أن "الحرب على الإرهاب" تكاد تُجرّم نقدها وتستسهل الإيغال في دم ضحاياها. كما أن تطبيق القانون الدولي الإنساني على آلات صمّاء مبرمجة للقتل من الجو وفق قواعد بيانية ومعلومات استخباراتية أو تصوير مسبق تطلّب اجتهادات جديدة وكلاماً حول المبرمِجين وحول أوامر القصف أو القتل الفوري عند الشك بالهدف من دون العودة الى "بشريّ" يُتيحه أو يحول دونه. وهي اجتهادات وكلام ما زال النقاش محصوراً حولها بخبراء يحاولون بلورة قواعد للأمر ولو من دون تأثير كبير، حتى الآن، على المقرّرين والمنفّذين.

Thursday, April 16, 2026

مفاوضات تبحث عن وفاق داخلي

حول التحديات الداخلية والخارجية في لحظة المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية 

لوقف إطلاق النار 

خطّان تفاوضيّان لا حلّ لبنانياً بغير تكاملهما

تتسارع في "الشرق الأوسط" بعد توقّف الحرب الأمريكية الإسرائيلية مؤقتاً على إيران، وتصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، مسارات التفاوض، ومثلها مسارات التصعيد والتحضير لجولة عنف جديدة.

ففي وقت تنطلق فيه المفاوضات الايرانية الأمريكية في باكستان، على أساس سلّة تفاهمات مبدئية ومجموعة بنود خلافية جوهرية ليس من السهل الوصول الى اتفاقات حولها، انطلقت أيضاً اتصالات لبنانية أمريكية إسرائيلية، من دون وقف للنار وفي ظلّ التباسات حول مضمونها وحول علاقتها ببعض البنود التي ستُبحث في أي حال في اجتماعات إسلام أباد.

Sunday, April 5, 2026

أحمد قعبور: قمر بيروت وناسها

لا أعرف متى اكتشفت صوت أحمد قعبور. متى جذبني الحنان الذي يتسلّل من أدائه ومن موسيقاه. ربما كان ذلك في أواخر السبعينات. حين كان قد تخرّج للتوّ من تجربتين: تجربة غازي مكداشي الموسيقية الرائدة مع فرقة الكورس الشعبي وشريط "الأسلحة والأطفال" (وفيه "يحكون في بلادنا" و"سقوط القمر" و"سجّل أنا عربي" ومجموعة قصائد أُخرى مغنّاة لبدر شاكر السياب ومحمود درويش)؛ ثم تجربة المسرح الغنائي التسجيلي المرافق لها مع فرقة السنابل (وبقيادة مكداشي أيضاً) الذي شهد أعمالاً بديعة للأطفال (بمشاركة حسن ضاهر وعبيدو باشا وإيلي حداد وآخرين)، من بينها "الغراب الأسود" و"فراس والدولاب الفصيح" و"زنبق والجبل". 

كنا يومها في زمن شريط "الكاسيت" وكان يمكن عبر إقفال فتحتين صغيرتين في أسفل الشريط أن نسجّل فوق المضمون ما نريد. قرّرنا مرّة، أختي ليال وأنا، أن نعدّل في مقدّمة "الغراب الأسود" ثم أن نختم "القصة" بتقييم وبسؤال يتوجّه للمستمعين والمستمعات، وفي طليعتهم أختنا الصغرى ريّان، التي كانت في الحقيقة المستمِعة الوحيدة. سُعدنا بالنتيجة، فصارت لفرط ما أعدنا سماعها "تمطّ"، بما أصاب الشريط بضررٍ لم يردعنا عن تكرار تجارب لاحقة، ظلّت حبيسة أشرطة انتهى زمنها، وضاعت على الأرجح خلال تنقّلاتنا العديدة بين منازل بيروتية وجنوبية احتضنتنا خلال ما عشناه - كما مئات ألوف اللبنانيين - من نزوح متكرّر على مدى سنوات.

على أن صوت أحمد قعبور ظلّ واحداً من الأصوات المرافقة لكامل المرحلة تلك ولتنقّلاتنا خلالها. فهو استقلّ فنّياً بعد ذلك، وعلى نحو تدريجي، وبدأ بتأسيس مشروعه بتنوّعه وتنوّع مشاربه. وهو كان قد أنشد أغنيته الأشهر، أناديكم (من كلمات توفيق زيّاد)، التي صارت أبرز ما يعرِّف به وأكثر ما التصق باسمه لدى جيل أو جيلين. فاعتمدها لاحقاً عنواناً لأول شريط مستقلٍ له، ضمّ أيضاً "إرحل" و"نبيل" و"الضفة" و"جنوبيون" وغيرها مما طبع حقبةً من الحرب اللبنانية ومن العلاقة بفلسطين، وارتبط بالاجتياح الإسرائيلي وبقتال القوات المشتركة تصدّياً له. كما ارتبط بنوعٍ من التنافس الموسيقي اليساري الذي قام وقتها بين أحمد ومرسيل خليفة وخالد الهبر (والى حدّ ما زياد الرحباني) ومسرحيين وشعراء ابتعدوا لاحقاً عن التصنيفات والانتماءات الحزبية.

لوحة بريشة الفنانة إيمان بكداش لأحمد في قهوة الروضة في بيروت

سيناريوهات لإعلان "الانتصار"

تتزايد الاتصالات الديبلوماسية بموازاة تصاعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وبات من الواضح أن باكستان وتركيا تقومان بجهد كبير لنقل الرسائل والرسائل المضادة بين واشنطن وطهران، وسط مهل وإنذارات متبادلة.

وفي حين تتعرّض إيران لضربات عسكرية دمّرت حتى الآن جزءاً كبيراً من قوتها العسكرية ومن بنيتها التحتية وقضت على قيادات أمنية ومن الحرس الثوري فيها، إضافةً طبعاً الى اغتيال علي لاريجاني وقبله المرشد علي خامنئي، تتعرّض واشنطن وتل أبيب لتحدّيات جدّية لم تكن جميعها في حسبانهما.