لا أعرف متى اكتشفت صوت أحمد قعبور. متى جذبني الحنان الذي يتسلّل من أدائه ومن موسيقاه. ربما كان ذلك في أواخر السبعينات. حين كان قد تخرّج للتوّ من تجربتين: تجربة غازي مكداشي الموسيقية الرائدة مع فرقة الكورس الشعبي وشريط "الأسلحة والأطفال" (وفيه "يحكون في بلادنا" و"سقوط القمر" و"سجّل أنا عربي" ومجموعة قصائد أُخرى مغنّاة لبدر شاكر السياب ومحمود درويش)؛ ثم تجربة المسرح الغنائي التسجيلي المرافق لها مع فرقة السنابل (وبقيادة مكداشي أيضاً) الذي شهد أعمالاً بديعة للأطفال (بمشاركة حسن ضاهر وعبيدو باشا وإيلي حداد وآخرين)، من بينها "الغراب الأسود" و"فراس والدولاب الفصيح" و"زنبق والجبل".
كنا يومها في زمن شريط "الكاسيت" وكان يمكن عبر إقفال فتحتين صغيرتين في أسفل الشريط أن نسجّل فوق المضمون ما نريد. قرّرنا مرّة، أختي ليال وأنا، أن نعدّل في مقدّمة "الغراب الأسود" ثم أن نختم "القصة" بتقييم وبسؤال يتوجّه للمستمعين والمستمعات، وفي طليعتهم أختنا الصغرى ريّان، التي كانت في الحقيقة المستمِعة الوحيدة. سُعدنا بالنتيجة، فصارت لفرط ما أعدنا سماعها "تمطّ"، بما أصاب الشريط بضررٍ لم يردعنا عن تكرار تجارب لاحقة، ظلّت حبيسة أشرطة انتهى زمنها، وضاعت على الأرجح خلال تنقّلاتنا العديدة بين منازل بيروتية وجنوبية احتضنتنا خلال ما عشناه - كما مئات ألوف اللبنانيين - من نزوح متكرّر على مدى سنوات.
على أن صوت أحمد قعبور ظلّ واحداً من الأصوات المرافقة لكامل المرحلة تلك ولتنقّلاتنا خلالها. فهو استقلّ فنّياً بعد ذلك، وعلى نحو تدريجي، وبدأ بتأسيس مشروعه بتنوّعه وتنوّع مشاربه. وهو كان قد أنشد أغنيته الأشهر، أناديكم (من كلمات توفيق زيّاد)، التي صارت أبرز ما يعرِّف به وأكثر ما التصق باسمه لدى جيل أو جيلين. فاعتمدها لاحقاً عنواناً لأول شريط مستقلٍ له، ضمّ أيضاً "إرحل" و"نبيل" و"الضفة" و"جنوبيون" وغيرها مما طبع حقبةً من الحرب اللبنانية ومن العلاقة بفلسطين، وارتبط بالاجتياح الإسرائيلي وبقتال القوات المشتركة تصدّياً له. كما ارتبط بنوعٍ من التنافس الموسيقي اليساري الذي قام وقتها بين أحمد ومرسيل خليفة وخالد الهبر (والى حدّ ما زياد الرحباني) ومسرحيين وشعراء ابتعدوا لاحقاً عن التصنيفات والانتماءات الحزبية.

لوحة بريشة الفنانة إيمان بكداش لأحمد في قهوة الروضة في بيروت