Saturday, August 23, 2025

أن تكون/ي يسارياً/ة في لبنان اليوم

ما الذي تعنيه صفة "اليساري/ة" في بلد مثل لبنان في العام 2025، في ظلّ كل ما جرى ويجري داخله وفي المنطقة المحيطة به، وفي ظل تراجع اليسار واليساريين وانقسامهم الى تيارات ونُحل معظمها متخاصم منذ عقود؟

ولماذا استمرّ ذكر اليسار وهجاؤه في أوساط محافظة (بعضها أكثرويّ في طائفته) رغم تواضع حجمه وضعف تأثيره على السياسة والخيارات السياسية؟

قد تكون الإجابة الأمثل، أو بالأحرى محاولة الإجابة، هي تلك المبنية على قضايا يرتبط بها تعريف اليسار، وتثير كل واحدة السخط من قبل هذا الطرف أو ذاك من الأطراف المهيمنة على السياسة والاقتصاد.

Friday, August 22, 2025

إسرائيل وإبادة الصحافيين في غزة: أبعد من التوحّش والرقابة المطلقة

 لم يشهد أي صراع في العالم ولم تعرف أي ساحة حكَمتها الهمجية منذ أكثر من قرن مقدار التوحّش الإسرائيلي المسلّط منذ قرابة العامين على الصحافيين في غزة.

فأن تقتل إسرائيل في 680 يوماً أكثر من 230 صحافياً وصحافية مستهدفة معظمهم بالقصف الجوي والقنص ومطاردة الـ"درون"، ففي الأمر ما يرقى الى مستوى الإبادة المعمّمة على حاملي كاميرات وميكروفونات وكمبيوترات يسجّلون عليها وينقلون عبرها مشاهداتهم ويومياتهم وسيرة ناسهم وأرضهم وأحوالها.

والاستهداف هذا يُضاف الى الاستهدافَين الآخرَين الممنهجَين للأطباء والطواقم الطبية والإسعافية وللعاملين والعاملات في القطاع الصحي الذين تخطّى عدد الضحايا في صفوفهم الـ400 ضحية، وللأساتذة الجامعيين والجسم التعليمي الفلسطيني الذي تخطّى عدد المقتولين من أعضائه الـ450 شخصاً، في مسعى إباديّ واضح للمستقبل الفلسطيني في غزة، أو ما صار يسمّى بالـ"فيوتشوريسايد" في الحرب الإسرائيلية المستمرّة، المعطوفة على تدمير أكثر من 85 في المئة من البنية الاستشفائية والمدرسية والجامعية الغزّاوية.

سلاح حزب الله بين التسليم والعصيان

تتحضّر الحكومة اللبنانية هذا الشهر لاستحقاق وطني هو الأهم والأخطر منذ سنوات طويلة: بلورة استراتيجية دفاعية للبنان وتوفير الظروف اللازمة لاحتكار مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية للسلاح وللقدرة على استخدامه. وهذا يعني بالدرجة الأولى تسليم حزب الله كامل عتاده وتجهيزاته الحربية للجيش والبحث في سبل تحقيق الأمر ومراحله الزمنية، وما سيرافقه ويليه من إجراءات وخطوات لتوفير الاستقرار الداخلي وتجنّب التوترات الأهلية من ناحية، ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرّة واحتلال أراض لبنانية في الجنوب من ناحية ثانية.

إسرائيل في مواجهة الديموغرافيا الفلسطينية والقانون الدولي

لطالما سعت إسرائيل وعملت على تقسيم الفلسطينيين الى خمس مجموعات ديموغرافية وفق انتشارهم الجغرافي القسري، لتتعامل مع كل مجموعة سياسياً و"قانونياً" على نحو يُبقيها معزولةً عن الأخريات، ويمنع التواصل المباشر في ما بينها والقدرة على العمل المشترك من أجل مشروع ممكن التحقّق على الأرض.

عن مسرحيّ وموسيقيّ وأنتروبولوجي مُدهش لم تُسعفه السياسة

لم يؤثّر شخص في لغة جيل كامل (أو جيلين) من اللبنانيين كما أثّر زياد الرحباني. كانت مفردات مسرحياته، كما بعض كلمات الأغاني التي كتبها ولحّنها، مستوحاة من كلام فئات من الناس راقبها وعاش معها وعبّر بمزاجيّة ثاقبة عن عقليّتها، ثم اعتمدها في قوالب مسرحية تُحاكي كلَّ واحد منّا وتذكّره بورود ما يشابهها مرّة على الأقل في علاقاته وأفراحه ومتاعبه. وهو فوق ذلك، حوّلها الى تعليقات أو لازمات أغنيات أضحكتنا لدرجة أنها صارت مرجعاً في حالات كان يمكن أن تكون غليظة الوطأة لولا تذكّرها.

فمن منّا لم يعلّق على شخص يتأخّر دائماً في المشاركة في حديث أو يعود لذكر ما جرت الاستفاضة بنقاشه وكأنه لم يكن حاضراً أو لم يفهم شيئاً ممّا سبقَ ذكرُه بحضوره: "وأيمتى جايي الحكيم؟" نقول له، والقول يكفي ليشرح الوضع بأكمله (من مسرحية "فيلم أميركي طويل").

ومن منّا لم يقل أو تمنّى أن يقول لمتذاكٍ يريد تعديل عنوانٍ أو شعارٍ غير موفّق اقترحه سواه، أو يريد أخذ مكان شخص لم يكن إداؤه مُرضياً، فإذا بالعنوان أو الشخص القديم أفضل بكثير منه كبديل: "خلّيك خلّيك روجيه" (من مسرحية "شي فاشل"). ومن لم يُشارك نصيحة مدير المسرح "الأرمني" الذي أشار لمدرّب الرقص بأنه إن أراد إبداء ملاحظة لجوزف فعليه أن يعطي واحدة مباشرة من بعدِها لعبد تجنّباً لأي تأويل (من "شي فاشي" أيضاً). ثم هل من "ليلة وضواحيها" يمكن ذكرها من دون تذكّر أبي الجواهر ورشيد "ملك الساحة اللبنانية عَ بياض" الذي بدا مقتنعاً أن "الناس عم يستغلّوا الزعما والزعما معتّرين" (من "فيلم أميركي طويل")... طبعاً يمكن إضافة الكثير وتذكّر النماذج التي ظهرت في مسرحيّاته والتي نصادفها في حياتنا اليومية، مثل مزيج السوقية والظرف في "يا أرض احفظي ما عليكِ يقبش" (من "بالنسبة لبكرا شو")، أو كل ما يمكن أن يحيط بتسريحة شَعر "الست هند" اللي "شوي عالية"، أو في ما خصّ النقد الفنّي المتحذلِق الذي يخترع أحياناً أموراً لا أساس لها في العمل المعنيّ، كما حين تسأل الناقدة الفرنكوفونية الرسّامةَ الشابة (في "شي فاشل") عن مغزى تكرار الدائرة في لوحاتها، فيتبيّن أنها بسبب "الجرّة" التي وضعها أحدُ الممثّلين خطأً فوق اللوحات، فخلّف قاعها الرطب دوائر أضرّت بها وعلّمت عليها جميعها.

Monday, July 28, 2025

المركزيات الطائفية إذ حلّت مكان المركزية الفلسطينية

لطالما اشتكى بعض الليبراليين العرب، عن حقّ، من شعار مركزية القضية الفلسطينية الذي رفعته تيارات قومية ويسارية، ثم استظلّت به أنظمة عربية قمعية لتبرّر التقاعس في التعامل مع المتطلّبات الحياتية في المجتمعات، اقتصاديةً وثقافية وحقوقية، ولتخوّن وتعتقل وتغتال المختلفين معها أو المعارضين لاستبدادها. ولطالما استُخدِم هذا الشعار للتعتيم أيضاً على خواء فكري يهرب من أي استحقاق أو سؤال وجوديّ، فيستنجد بفلسطين وبالظلم الذي سلّطه المحتلّون الإسرائيليون على أهلها ليتمنّع عن الإجابة.

واستمرّ الأمر إياه قائماً، ولَو مع مفردات جديدة، بعد صعود الحركات الإسلامية، وسيطرة بعضها على الفضاء العام والخطاب السياسي الذي تراجعت فيه مكانة القوميين واليساريين وسطوتهم.

لكن ما لم يُنتبه إليه كفاية في الفترة إياها، هو أن الموقف المضاد، أو البديل، للمركزية الفلسطينية، لم يتكوّن على أساس البحث الجديد فيها كمسألة تفرض تحدّيات سياسية وعسكرية وحضارية، من ضمن مسائل وتحديّات كثيرة أُخرى، بل على افتراض أن تجاهلها تماماً أو التصرّف أحياناً وِفقاً لما يناقضها، هو أبرز عناصر التأسيس لفكرٍ "متنوّر"، ولتنظيمِ قوى سياسية "حديثة" تقود الى شكلٍ من أشكال الخلاص الفردي والعام. وبهذا، انطلق من عدّ نفسه مجدِداً أو تغييرياً من مفارقة صارخة، مفادها أنه يريد التفكير والعمل بمعزل عن أخطر قضية تتطلّب التفكير والعمل! ذلك أنها، بمعزل عن توظيفاتها ورقاعة الاستظلال بها، تفرض نفسها في المنطقة والعالم بوصفها مختبراً سياسياً وأمنياً لا يمكن إغفاله وإغفال تداعياته وآثاره، ولو أنه لا يمكن في المقابل الاستسلام لاستعصائه على الحلول وتأجيل ما عداه بحجة الاستعصاء هذا.

المسألة الطائفية في سوريا وشروط التطبيع الاسرائيلي

مثّلت الاشتباكات في السويداء في جبل العرب جنوب سوريا بين ميليشيات بدوية ودرزية، وما تخلّلها وتلاها من خطف وجرائم واعتداءات نفّذت بعضها أجهزة أمنية وعسكرية تابعة أو موالية للنظام الجديد في دمشق، فصلاً جديداً من فصول النزاع الأهلي المستمرّ منذ سقوط بشار الأسد.

والفصل الجديد هذا، إذ يختلف عن ذاك الذي شهد اشتباكات ثم مجازر ضد مواطنين علويين في منطقة الساحل بحُكم انعدام البُعد الثأري المرتبط بالحقبة الأسدية فيه، يشابهه لجهة أسلوب التعامل مع خصوصية جغرافية-طائفية لا تقلّ أهمية وخطورة اليوم في سوريا عن المسألة القومية، أو الخصوصية الكردية الشمال-شرقية التي ما زالت معلّقة.

الممانعة التي حوّلت بعض خصومها الى مرآة لها

لا يُسجّل لما اصطُلِح على تسميته "ممانعة" في بلادنا، أنظمةً كانت أو أجهزةً أو مروّجي خطاب، أي إنجاز حاسمٍ في أي ميدان. لا في المواجهات السياسية ولا في المواجهات العسكرية ولا في مواجهة تحدّيات الاقتصاد والتنمية، ولا في المواجهات الثقافية، حيث تتبدّى أكثر أوجهها رثاثة.

على أن الممانعة هذه إذ تلاشى نظامها العربي في دمشق، وانتهى رئيسه مختبئاً في روسيا بعد أن خلّف مئات آلاف الجثث في بلدٍ ورثه عن والده وأكمل بعد الوالد تحطيمه، وإذ تراجعت قوّة دولتها العظمى إيران وحليفها الأكثر فاعلية حزب الله بعد حروب أساءا تقديرها، تلت نجاحات متقادمة ظنّا أنها كافية بلا مراجعات ولا تغيير مقاربات ولا احترام مصالح مجتمعات، وإذ خمدت معظم الأصوات الصيّاحة التي كانت تهدّد باسمها وتتوعّد، هذه الممانعة إياها، نجحت نجاحاً باهراً في تحويل قسمٍ من خصومها الى أشباه لها، تحديداً في وجهها الأكثر ضحالة، أي الوجه الثقافي أو الخطابي.

Friday, July 18, 2025

Monday, June 2, 2025

سمير قصير: ثأر يشبه القدر

لا شيء يعوّض الفقدان ولا أمر يُنسي كمّ التجارب والإنجازات والقراءات ومقدار اللهو والسمر التي كان يمكن لكاتب وأستاذ جامعي وناشط سياسي أن يحظى بها خلال عشرين عاماً، لو تيسّر له أن ينجو من مقتلةٍ، أو من مجزرة أطاحت بعمره إذ كان في الخامسة والأربعين، وأطاحت مع العمر بمشاريع واحتمالات وأحلام لم تعرف حدوداً أو تواضعاً أو اكتفاءً بما تحقّق.

ولا شيء يعوّض الشوق لصوتٍ ولابتسامةٍ أو لفكرة أو نميمة أو لحدّة ذكاء وسرعة بديهة، أو حتى لنزعة غرور كانت ترافق سميراً في الاجتماعات والسهرات على نحو يصعب أن يُبقي أحداً حيادياً تجاهه.

وتذَكُّرُه بعد عشرين عاماً من دويّ انفجار في سيارة ألفا روميو في بيروت يعني أيضاً تذكُّر سيرةٍ لم تكتمل لرفيق وصديق وشريك في عمل سياسي لم يكتمل بدوره في لبنان. والأرجح أن مصرعه كان من أسباب عدم الاكتمال. 

Friday, May 16, 2025

ماذا نفعل بكل هذا الحطام؟

الى جان وغابرييل

ليست المسافة بين بيروت والنبطية بالمسافة الطويلة. لكنها تبدو سفراً أو عبوراً من كوكبٍ الى آخر، من مكان "شبه عاديّ" الى آخر لم يعُد للعادية سبيل إليه.

مكان تصله بحثاً عن دمار، أو بحثاً عن نجاة من دمار، أو بحثاً عن ذكرى تعرف سلفاً أن تحطيماً ما جرى لآثارها أو أن لحظة عنف فظيع طحنت موقعها وجعلت من محاولة لمس تفاصيلها أو استعادة روايتها شأناً متعذّراً، مضنياً، ومحزناً.

مكان تصله لتقوم بواجب رؤيته كي لا يفوتك من خرابه مشهد، كي لا يكون ما عرفته خالياً من غباره، وكي لا يكون ما توقّعته أقلّ وقعاً أو أكثر صدماً لك ولما صنعته مخيّلتك عنه وله، بعد أن عرفته لسنوات طويلة، قبل سنوات طويلة.

Thursday, May 15, 2025

مفاجآت ترامب و"الشرق الأوسط الجديد"

فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب معظم المراقبين (والسياسيين العرب والأوروبيين) بإعلانه من السعودية قراره برفع العقوبات عن سوريا. ومردّ المفاجأة هو ما بدا غياباً تاماً لذكر الشروط التي سبق أن ابلغتها واشنطن عبر وسطائها للرئيس السوري أحمد الشرع، والتي ركّزت بشكل خاص على قضايا إبعاد الجهاديين الأجانب، والحقّ الأميركي في "مطاردة الإرهابيين" في سوريا، والتفاوض مع إسرائيل لوقف النار معها (وصولاً الى التطبيع). 

طبعاً لم تثر الشروط إياها قضايا "حقوق الإنسان" ولا مسألة الأقليات ولا شؤون "العدالة الإنتقالية" (تماماً كما لم يركّز الرئيس الفرنسي عليها في لقائه مع الشرع، رغم كل ما ذُكر من أخبار كان بعض السوريين يمنّون النفس بهاَ). 

لكن ما الذي دفع ترامب لهذا القرار الآن، المُتطلّب في أي حال آليات قانونية وإجرائية لاحقة في واشنطن قبل سريانه؟

Thursday, May 8, 2025

هل من سلام ممكن مع إسرائيل الإبادية؟

ثمة مقولات تعتمدها بعض الكتابات والتصريحات العربية والغربية مفادها أن السلام الفلسطيني والعربي مع إسرائيل ممكن، وأن المشكلة لا تكمن سوى في بعض الظروف الموضوعية غير المتوفّرة اليوم.

لمناقشة هذه المقولات، بسذاجتها أو بغاياتها الترويجية للمواقف الإسرائيلية، يستعرض النص التالي عدداً من المسائل المرتبطة بإسرائيل ذاتها وبديمغرافيّتها وبعلاقتها بمسار "السلام" التي غالباً ما يتمّ تغييبها عند الحديث عن "حلفاء بنيامين نتنياهو المتطرّفين" أو عن القوى الفلسطينية المعادية للتسوية والرافضة لأي تفاوض.

Saturday, April 26, 2025

نتذكّر سنوياً بداية الحرب ولا نتذكّر نهايتها

يتذكّر اللبنانيون دورياً تاريخ 13 نيسان 1975، تاريخ الهجوم على "بوسطة عين الرمانة" وبداية الحرب الأهلية، أو الحرب في لبنان، ويعدّون السنوات والعقود التي تفصل بينهم وبينه ليُقيموا الاحتفال السنوي به. وهم أحيوا قبل ايام ذكراه الخمسين، وعقدوا الندوات ونظّموا المعارض لهذا الغرض.

لكن ثمة أسئلة تفرض نفسها ربطاً بهذا التاريخ وبفلسفة إحياء ذكراه. ذلك أن استذكار الحروب يقوم عادة على الاحتفال بنهاياتها، أي بالأيام التي تُعدّ آخر أيام القتل فيها. هكذا تحتفل أوروبا مثلاً بتاريخَي انتهاء الحربين العالميتين الأولى والثانية. وهكذا أيضاً تحتفل أميركا بتاريخ انتهاء حربها الأهلية، ومثلها يحتفل البوسنيون بنهاية حرب يوغوسلافيا السابقة والإيرلنديون بالاتفاق الذي أنهى الحرب في بلفاست، والأمثلة كثيرة.

فما الذي يجعل الحالة اللبنانية استثنائية، أو بالأحرى يجعل تاريخ "احتفاليّتها" استذكاراً لبدء الحرب وليس لنهايتها؟ هل لأننا لا نملك أن نعتمد تاريخاً واحداً يحدّد نهاية الحرب، ويحظى بقبول أكثرية الفرقاء والمؤرّخين؟ هل لأن الحروب التي تتالت في سياق الحرب المندلعة في 13 نيسان 1975 وابتلعتها ووسّعت من إطارها وعدّلت من فُرقاء النزاع فيها وأفضت احتلالات خارجية للتراب اللبناني لم تنتهِ بعد؟

Tuesday, April 1, 2025

المصارف والإصلاح والإعلام البديل في لبنان

شهد لبنان في الأسبوع الأخير سلسلة تطوّرات أعادت رسم المشهد السياسي وتحالفاته المتحرّكة بحسب المواضيع المطروحة وأولويات القوى النافذة، أو صاحبة التأثير الأعمق في مسار الأمور.

ففي بضعة أيام، تراجع الكلام عن قضايا عديدة، أمنية وسياسية وإعمارية، ليتركّز على قضية تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان. وترافق ذلك مع حملة شنّتها وسيلة إعلام مرئي على موقعين إخباريّين بارزين، وأحيلت دعوى ضدّهما الى النيابة العامة، قبل أن يتمّ تعيين حاكم للمصرف بواسطة تحالف جمع لأول مرة منذ سنوات القوى السياسية الطائفية جميعها، بلا استثناء، بدعم من رئيس الجمهورية. 

هكذا، ظهرت مركزية "المسألة المصرفية" لبنانياً، وبانت قدرتها على جمع الأضداد في موقع واحد، بما يفرض إعادة نظر في التحليل الكلاسيكي لبعض خصائص الانقسامات والتحالفات السياسية والطائفية وأسبابها الخارجية والداخلية.

Sunday, March 23, 2025

التوحّشُ سياسةً وثقافة

منذ بدء حرب الإبادة التي تشّنها إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة، تحوّل فائض العنف المسلّط على المدنيّين الى العامل الوحيد الذي تتطوّر بموجبه الخطط السياسية وتتحدّد الأهداف الاسرائيلية، بدعم أميركي، صار منذ عودة دونالد ترامب الى البيت الأبيض شراكة كاملة. 

بكلام آخر، اعتمدت إسرائيل منذ عام ونصف التوحّش العاري أو المدعّم بالتكنولوجيا و"الذكاء الاصطناعي" كسياسة رسمية للتعامل مع "المسألة الفلسطينية" في غزة. هكذا تدرّج عنفها من التدمير الممنهج للمساحات الحضرية وبناها التحتية المائية والكهربائية، أو ما يُسمّى بالانكليزية "أوربيسايد"، الى التخريب المنظّم تحطيماً ونهباً وحرقاً لما ينجو من القصف من منازل وأملاك خاصة، أو ما يسمّى "دوميسايد"، الى الاستهداف المباشر والقضاء على الجامعات والثانويات، "إيدوسايد"، وعلى المواقع الأثرية والتاريخية وعلى المتاحف والمكتبات العامة، "كولتوريسايد"، وصولاً الى التلويث المتعمّد للمياه وآبارها والحرق المتلِف للأراضي والمحاصيل الزراعية وللمساحات الخضراء استخداماً لأسلحة تحتوي على مواد حارقة مثل الفوسفور، أو ما يسمّى "إيكوسايد".

ومؤخراً استخدمت منظمات حقوقية مصطلحاً جديداً لتوصيف عمليات قتل أو اغتيال العاملين والعاملات في القطاع الطبي وفي القطاع التعليمي وهو "فيوتشوريسايد"، أي "إبادة المستقبل"، إذ لا أفق ولا حياة ممكنة إذا تمّ القضاء على المكوّن البشري القادر على توفير الطبابة والتعليم للناجين من المقتلة، وللجيل الجديد الذي لن يكون بمقدوره بعدَ تدمير المقوّمات المادية والمرافق الحيوية أن يدرس وأن يتخرّج بشهادات تُعين مجتمعه على إكمال الحياة فوق أرضه، ولو كانت أنقاضاً أو خيما.

Friday, March 21, 2025

المجزرة وتبِعاتُها

شهدت منطقة الساحل السوري بين السادس والعاشر من شهر آذار/مارس الجاري سلسلة أحداث وفظائع قُتِل فيها مئات الأشخاص. وظهّر ما جرى في أربعة أيام مقدار العنف الكامن في بعض البيئات في سوريا، ومقدار الكراهية وما يُبنى عليها من انقسامات أهلية. كما ظهّر استسهال إشهار مظلوميات، واستخدام الواحدة منها طرداً أو نبذاً للأُخرى، تبريراً للدم المُراق، أو تعمية على ازدواجيات معايير لم يستطع كثرٌ الخروج منها. ينطبق الأمر على حدّ سواء على من ارتبكوا في الكلام عن المقتلة الأخيرة وقلّلوا من شأنها، وعلى من تفجّعوا على ضحاياها حصراً بعد أن صمتوا أو تلعثموا لسنوات سابقة رغم عشرات ألوف جثث المدنيّين التي تناثرت في كامل الأراضي السورية.

Wednesday, March 12, 2025

هل سيواجه القادة العرب دونالد ترامب من أجل غزة؟

عادت غزة من جديد في الأسابيع الأخيرة الى صدارة الأحداث في المنطقة والعالم. ذلك أنها تحوّلت الى موضع تجاذب، ليس من المبالغة القول إن نتيجته ستكون عميقة التأثير في العلاقات الدولية وفي مستقبل القانون الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة. 

بدأ الأمر بحملة إدارة ترامب على المحكمة الجنائية الدولية وعلى مسؤوليها بسبب مذكّرات التوقيف التي أصدروها بحقّ رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير دفاعه بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. ثم تواصل مع الحملة الأميركية على جنوب إفريقيا، التي لم تأتِ ضمن سياق الهجوم على كندا والمكسيك وبنما، ولا على الصين أو الدانمارك، بل ضمن سياقٍ انتقامي من الجنوب أفريقيين بسبب دعوى الإبادة الجماعية في غزة التي رفعوها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية (ولأسباب عنصرية أيضاً، على صلة بخلفية إيلون ماسك، الجنوب أفريقي، ذي العائلة المرتبطة بنظام التمييز العنصري البائد). 

بموازاة ذلك، أكّد ترامب وقف كل تمويل لوكالات أممية ودولية إنسانية وتنموية، وكرّس القطيعة مع الأونروا استكمالاً للاستهداف الإسرائيلي لها بما هي "الشاهد" على القرار الأممي الخاص باللاجئين الفلسطينيين وبحق العودة، بعد أن كان هو نفسه قد قاطع اليونيسكو في ولايته الأولى بسبب اعترافها بعضوية فلسطين.

Wednesday, March 5, 2025

السعار الترامبي بوصفه تهديداً للعالم

لا تكفي مقاربة مسلك الرئيس الأمريكي السياسي وخطابه انطلاقاً من نظريات علم السياسةِ التي تحلّل خصائص القيادة الشعبوية وبحثها عن إثارة الغرائز وادّعائها التميّز والمعرفة والقدرة على الإجابة عن الأسئلة جميعها وفق ما يُرضي ميول مريديها، بمعزل عن الوقائع والحقائق.

ذلك أن الرجل تخطّى كلّ هذا منذ سنوات ولايته الأولى العام 2017. فهو امتهن الديماغوجية والمراوغة، وحوّل الأرقام الاقتصادية والمعطيات العلمية الى وجهة نظر، ودافع عن محاولات رفض النتائج الانتخابية وتداول السلطة حين خسر، وبرّر عنف الشرطة ضد المواطنين السود. وهو فوق ذلك اعتمد خطاباً رسمياً شديد التبسيط، قال الألسنيون إن قاموس مفرداته فقير لدرجة أن "عمره اللغوي" لا يتخطّى عمر المراهقة، جاعلاً السوقية في الكلام ركيزة من ركائز تصريحاته تجاه كلّ من لا يوافقه الرأي داخلياً وخارجياً.

Friday, February 28, 2025

الاحتلال الإسرائيلي والابتزاز التطبيعي

بعد أن نجح نواف سلام، مدعوماً من رئيس الجمهورية جوزف عون، في تشكيل حكومة هي أفضل الممكن في ظل النظام الطائفي وفي ظل موازين القوى في المجلس النيابي، متجاوزاً لأول مرة منذ العام 2008 قدرة هذا الطرف أو ذاك على تعطيل السلطة التنفيذية، وبعد أن ضمّت الحكومة أشخاصاً مثل طارق متري وغسان سلامة يُشهد لهم بالاستقامة السياسية والخبرة الديبلوماسية والثراء الثقافي، وبعد أن صدر بيان وزاري دقيق في توازناته وواضح في تحديد مهامه الجسام للأشهر الستة عشر المقبلة، طرأ على المشهد اللبناني عنصر توتّر خطير ينبغي التفكير الجدّي بمؤدّياته. 

ذلك أن إسرائيل قرّرت عدم الانسحاب من خمسة مواقع استراتيجية احتلّتها خلال حربها الأخيرة مع حزب الله في جنوب لبنان، وقرّرت تحصينها وإبقاء وحدات عسكرية فيها، وسط مناطق دمّرتها بالكامل.

Tuesday, February 11, 2025

عن "الاستعصاء الشيعي" لبنانياً

يشهد لبنان منذ انتخاب رئيس جمهورية جديد هو قائد الجيش السابق جوزف عون، ثم تكليف رئيس حكومة إصلاحي من خارج الطبقة السياسية هو الحقوقي نواف سلام، تجاذبات حادة بين التوّاقين الى انطلاقةٍ جديدة للدولة اللبنانية وإعادة بناءٍ لمؤسساتها من ناحية، وبين الباحثين عن استمرارية النظام السياسي نفسه مع تعديلات في موازين القوى داخله وسعي للاستفادة من دعم مالي إقليمي ودولي في انتظار الانتخابات النيابية المقبلة من ناحية ثانية.

وتخترق تيارات سياسية وطائفية الاصطفاف هذا في ضفّتيه، فتتقاطع مواقفها ومصالحها عن قناعة أو عن انتهازية حيناً، ثم تتصادم أو تتباين حيناً آخر، مع استثناء وحيد، يكاد يكون استعصاء، هو استثناء "الثنائي الشيعي" كما يُسمى، أي تحالف حزب الله وحركة أمل.

Sunday, January 5, 2025

عن طبيب فلسطيني اسمه حسام أبو صفية

ما الذي يجعل صورة الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية وهو يسير فوق حطام مستشفى كمال عدوان في شمال غزة نحو دبّابتين إسرائيليّتين أيقونيةً الى هذا الحدّ؟ أهي عناصر التراجيديا الإنسانية التي بإمكانها تخطّي كل حدودٍ جغرافية أو زمنية؟ أم هي عناصر الجغرافيا والزمن المحدّدة التي تجعلها الأكثر دقّة وتعبيراً عن الملحمة الغزاوية وعن أحوال فلسطين المحتلّة في أواخر كانون الأول – ديسمبر 2024 حين التُقطت الصورة؟ 

لا شكّ أن جوانب من الجواب تكمن في شمول الصورة على العناصر المذكورة جميعها، موضعية وزمنية أو متخطّية لموضعها وزمنها، وهي توثّق للحظة استثنائية القسوة كونياً (إنسانياً) وفلسطينياً: لحظة خروج طبيب بعد تدمير مستشفاه وقتل أو تشريد العاملين والمصابين فيه، وسَيرِه بثوبه الأبيض نحو البرابرة المدجّجين بآلات الموت التي تجثم فوق الحطام العظيم.