Monday, May 18, 2009

التلويح ب7 أيار ضد رئاسة الجمهورية

يخطئ من يقرأ التصعيد السياسي والخطابي لأمين عام حزب الله حسن نصر الله وحليفه رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون خارج معركتهما مع رئاسة الجمهورية.
فالأخيرة، كرأس لهرم السلطة "الرسمية" وكموقع للتمثيل المسيحي والوطني في لبنان، بدأت تستعيد بعض وظائفها السياسية والرمزية، وبدأت تحاول شقّ طريقها وسط المعركة الدائرة على نحو قد يؤثّر في التوازن السياسي و"المؤسساتي" (التعطيلي) القائم.
وهذا يقلق حزب الله وحليفه العوني، اللذَين يريدان للرئاسة أن تكون في أحسن الأحوال داعمة لهما، وفي أسوئها عاجزة عن التدخل ومكتفية بدور الواجهة للبنان في الخارج (على طريقة العلاقات العامة) ومديرة للاجتماعات في الداخل (على أساس تسهيل الحوار وليس تبنّي أي موقف فيه أو أخذ المبادرات تجاه قضاياه). 
ولهذا التوجّه الحزب إلهي العوني سببان أساسيان.
- الأول، إبقاء اللعبة السياسية من دون قدرة المؤسسات الدستورية على الحسم فيها (إلا إن كانت بقبضتهما)، وبالتالي تعطيل "الحكم الرسمي" لإبقاء الحكم الميداني، أو حكم الأمر الواقع، الصانع الفعلي للقرارات الكبرى. وهذا بالطبع يقتضي إبعاد الرئاسة عن دور الترجيح، لجعل المواجهة المؤسساتية محصورة بين المجلس النيابي والحكومة من ناحية، وداخل الحكومة من ناحية ثانية، على نحو تتبدّد معه معاني الأكثرية والأقلية، ويتساوى الطرفان في المعادلة السياسية "الدستورية"، فيفرض "الأقوى" على الأرض (أي حزب الله المسلّح) خياراته وتوجّهاته. وإن تجرّأ أحد على رفض ذلك، يأتيه 7 أيار جديد (الذي "عُمل كي لا يُنسى" على حدّ القول الخطير للسيد نصر الله)!


- الثاني، الدفاع عن تمثيل العماد عون للمسيحيين داخل السلطة وتتويجه زعيماً أوحد لهم (وصاحب الكتلة النيابية الأكبر بينهم)، ومنع رئيس الجمهورية من التحوّل مع الوقت قطباً يسحب من "الجنرال" المشروعية المسيحية كي تظلّ الأخيرة غطاء يحمي حزب الله ويحول دون عزلته وطنياً، ويدعم مشروعه وصواريخه وارتباطاته. وإن عدنا بالذاكرة الى زيارة العماد عون الى سوريا، وحفاوة النظام في تنظيم استقبالاته السياسية والدينية والشعبية، وقعنا على نفس الفكرة: التعاطي مع سليمان بوصفه رئيساً "توافقياً" لجمهورية منقسمة على نفسها ومعطّلة، والتعامل مع عون بوصفه المرجعية المسيحية اللبنانية ذات "الدور الكبير والشراكة" في المنطقة بأسرها...
على أن المعركة الحزب إلهية العونية على رئاسة الجمهورية تعبّر أيضاً عمّا يتخطّى بعدها الآني. فهي تشير الى وصول الصيغة اللبنانية للديمقراطية التوافقية في ظل تواتر الصراعات وحدّة الاصطفافات الى حالة احتضار تتطلّب معالجات طارئة لترميمها - في مرحلة أولى - من خلال إصلاحات سياسية تبدأ باعتماد قانون انتخابات نسبي يُنهي احتكار تمثيل الطوائف من طرف واحد داخلها (ويمنع بالتالي توظيف هكذا احتكار في المسار المؤسساتي تغطية له أو نزعاً للمشروعية "الميثاقية" عنه)، ويحرّر البرلمان من القيد الطائفي، في مقابل إنشاء مجلس شيوخ على أساس مناصفة التمثيل، تُحال إليه المسائل الكيانية والسيادية وتطمئن لتركيبته مختلف الطوائف والجماعات. ثم تأتي المراحل اللاحقة لتتخطى الترميم المذكور، ولتؤسس ربما لما يتجاوز صيغة الحكم الراهنة (وآليات الشلل فيها) التي لم تعد قادرة على إدارة البلاد وحل أزماتها.
ولكن، قبل المراحل وإصلاحاتها، ولجعلها ممكنة أو على الأقل احتمالاً وارداً، لا بد من وضع عنوان وحيد للأيام والأسابيع القادمة: تحصين الاستقلال والمؤسسات الدستورية بأكثرية شعبية في أقلام الإقتراع، كي لا ينسى قادة معسكر "التعطيل والتهديد والأمر الواقع" تاريخ 7 حزيران كما لم ينسَ غيرهم تاريخ 7 أيار...
زياد ماجد

Wednesday, May 13, 2009

في النيابة وانتخاباتها

لا يسعى هذا النص الى التقليل في شيء من أهمية الانتخابات النيابية القادمة، وما تمثّله سياسياً من معركة بين خيارين: خيار ينشد الاستقرار وآخر مصرّ على إبقاء البلاد ساحة للصراعات الإقليمية وما يرافقها من تصفية حسابات.
لكنه يسعى الى الإضاءة على ثلاث قضايا غالباً ما تغيب عن النقاشات الانتخابية.
القضية الاولى هي قضية تحوّل الاستحقاق الانتخابي، حتى في لحظة سياسية شديدة التعقيد وعالية الأهمية، الى لحظة نهم تلتهم فيها قوى أهلية وعائلية وطائفية حليفاتها المدنية مضعفة البعد السياسي للتنافس ومحوّلة إياه الى شعارات فضفاضة لا يُعنى بها كثرٌ من المرشحين بقدر عنايتهم بإقامة التحالفات لتجميع الأصوات والوصول الى النجاح أو "الشهرة" (كما يفهمونها صوراً ومهرجانات وزيارات). وبذلك لا يصبح انتقالهم من لائحة الى أخرى مستغرباً، ولا قفزهم من تحالف الى آخر. حتى ليكاد البعض يقول إنه يريد انتخابات من دون سياسة أو من دون "تسييس"، وكأن المواضيع الأساسية التي يختلف عليها اللبنانيون، من الموقع والدور في المنطقة الى ملكية السلاح وقرارات الحرب والسلم في البلد، قضايا تخصّ روابط عائلية أو نوادي بلدية!

القضية الثانية هي قضية الفهم لدور النائب ولمهامه وواجباته. فالنائب هو نظرياً مشرّع ومراقب للسلطة التنفيذية وممثّل "للأمة"، ويفترض به – إضافة الى موقفه السياسي وانتمائه الحزبي أو المستقل – أن يملك مواصفات الحد الأدنى التشريعية والرقابية. على أنه واقعياً في لبنان، نادراً ما يلتزم بمهامه الدستورية وغالباً ما يكون أقرب الى متعهّد للخدمات ومعقّب للمعاملات. وهذا يفتح باب البحث في أسباب تشوّه الثقافة السياسية الناظمة للانتخابات النيابية، ويشير الى ضرورة التركيز على مسائل إصلاحية، تساهم ليس فقط في دعم معركتي الاستقلال والاستقرار، بل في بناء الدولة أيضاً. ومن بين تلك المسائل، مسألة قانون الانتخاب وضرورة اعتماد النسبية كشكل للتمثيل السليم، وكسبيل لتجديد النخب السياسية، ومن خلال الفرز السياسي البرنامجي الذي يتيح لكل مجموعة التمثّل وفق حجمها مهما كان محدوداً. ومن بين المسائل الإصلاحية أيضاً، اللامركزية الإدارية التي تقوّي البلديات وتستحدث مجالس الأقضية، فتفعّل العمل التنموي المحلي الذي غالباً ما يلتفّ عليه النواب من باب خدماتي زبائني، وتدفع الأخيرين الى الاهتمام باختصاصاتهم المفترضة (التشريعية والرقابية).
القضية الثالثة المرتبطة بما سبق، هي قضية غياب البرامج لدى أكثر المرشحين، وهو غياب وإن بدا للبعض ثانوياً أمام العناوين الكبرى للمعركة الدائرة، يبقى المدخل السليم لتمييز المرشحين عن بعضهم وفرز اللوائح والتحالفات، ويبقى المنطلق لإجراء المحاسبة لاحقاً ومقارنة الوعود بالإنجازات.
وإذا أضفنا الى هذه القضايا قضية يعتبرها كثر تجميلية أو كمالية، في حين أنها في صميم الثقافة الديمقراطية والسلوك المواطني، ألا وهي قضية ترشّح ونجاح المرشحات النساء (والمعطيات الحالية تشير الى تراجع حتى عن النسبة الضئيلة التي كانت موجودة في البرلمان الماضي، وهي في أي حال من أدنى نسب مشاركة المرأة في العالم)، بدا المشهد الى أهليّته وهشاشته يتّسم بذكورية فاقعة...
إنطلاقاً من كل ما ذكر، هل يصحّ القول إن المطالبة بالحد الأدنى من احترام السياسة بمعناها النبيل حتى وسط المعارك الانتخابية الحامية ترف لا يستحقه اللبنانيون؟
لا نعتقد ذلك، ولا نظن في أي حال أن الاستقرار والاستقلال مفصولان عن الإصلاح، ولو أنهما شرطه الأساسي، إن لم يكن الوحيد...
زياد ماجد

Wednesday, May 6, 2009

عن إطلاق الضباط الأربعة


لا بد من إحالة النقاش في مسألة إطلاق الضباط الأربعة الى ثلاثة مستويات: قانوني وسياسي وعاطفي

في المستوى الاول، أي القانوني، يجدر التمييز بين القانون الجزائي اللبناني (الذي أجاز التوقيف) وقانون المحكمة المختلطة (الذي أجاز الإفراج). فالأول يسمح بموجب المادة 108 من أصول المحاكمات التوقيف الاحتياطي للمشتبه بهم ببعض الجرائم، لا سيما ما يمسّ منها أمن الدولة، من دون مهل محدّدة. والثاني يحدّد مدة التسعين يوماً كحدّ أقصى لأي توقيف، يُصار من بعد انقضائها الى الإدّعاء على الموقوفين أو إطلاقهم، من دون أن يعني الإطلاق تبرئتهم، بل فقط تحريرهم بانتظار استكمال التحقيق وتوفّر المواد والإثباتات التي يمكن استخدامها للادّعاء عليهم وربما توقيفهم من جديد، أو تبرئتهم نهائياًَ من خلال الوصول الى وجهة اتّهامية بعيدة عنهم.
وبهذا المعنى، جاء قرار إخلاء سبيل الضباط بناءً على أن ما لدى التحقيق الدولي لا يكفي بعد لإدانتهم. لكنه لا يعني بالمقابل طيّ صفحتهم القضائية.
وفي المستوى الثاني، أي السياسي، أعاد إطلاق سراح الضباط الروح الى وجوه من الحقبة المخابراتية السورية كانت قد اختفت أو اختبأت خلف عباءة حزب الله. فعجّت شاشات
التلفزة بتلك الوجوه المدّعية تعرّضاً للجور السياسي، وتصاعد صراخها وتهديدها، وبدا وكأنها تتوثّب للعودة الى المشهد العام عشية الانتخابات النيابية القادمة.

على أنه لا يُفترض بهذا الضجيج أن يحجب جوهر الموضوع أو أن يدفع للخجل أو للتراجع عند الحديث عن التظلّم أو عما يُسمّى بالاتهام السياسي: فهناك معركة سياسية دائرة في البلاد، وهناك سياسيون ومثقفون وصحفيون وأمنيّون قُتلوا نتيجة مواقفهم وانخراطهم في المعركة، وهناك نظام معادٍ لهم مُتّهم (سياسياً) بالوقوف وراء عمليات اغتيالهم، حتى وإن لم تكتمل الأدلّة التي تدينه جنائياً.
القول "بالتسييس" إذن لا يعني شيئاً، ولا هو تهمة ولا يجب السماح له بالتحوّل وسيلة ابتزاز لإخضاع القضاء أو الأكثرية أو أهالي ضحايا الإرهاب والاغتيال.
أما في المستوى الثالث، العاطفي، فيصعب نفي المقت الذي أصاب أكثر الناس من مشهد الفجور المُتلفز. ويصعب نفي الاستفزاز الذي طال كثراً من المتسمّرين خلف الشاشات. لكن المقت كما الشعور بالاستفزاز، يولدّان أيضاً احتمالات عديدة، ليست لصالح المتسبّبين بهما، خاصة قبل أسابيع من التوجّه الى صناديق اقتراع قد تلجم المشهد السائد منذ أيام وتحاصره مؤكّدة أنه عابر ولن يتحوّل من جديد الى يوميات سياسية وإعلامية في لبنان...
 في خلاصة الأمر ومستويات نقاشه الثلاثة، أن ما جرى بُعَيد إطلاق الضباط الأربعة يُظهر أكثر فأكثر بُعد المسافات الفاصلة بين فريقين من اللبنانيين: واحد يجاهر بالولاء لأيام خوالٍ كان "جنرالات" يحدّدون السياسة فيها ويكتبون عناوين صحفية ويركّبون لوائح انتخابية ويقمعون ويسجنون إن "اقتضى" الأمر، والثاني يحاول - رغم عطب تكوينه الأهلي وتخلّف أدائه السياسي - السير نحو بلد مستقر لا تتيح ديمقراطيته، على هشاشة بعض جوانبها والتهام الطائفية لمساحات أساسية فيها، أن يتحكّم رجال أمن بالسياسة، أو أن يستبيحوا الإعلام والقضاء والحيّز العام ويُهددوا ويتوعّدوا...
زياد ماجد

Tuesday, April 28, 2009

أربع سنوات... أمام الامتحان


إنتهت منذ أربع سنوات حقبة الهيمنة السورية على لبنان
إنسحب جيش النظام البعثي في 26 نيسان 2005 تحت ضغط الشارع اللبناني ومئات ألوف المحتشدين فيه عقب اغتيال الرئيس الحريري، وتحت ضغط دولي بدأ بصدور القرار 1559 وتتابع من خلال مواقف معظم الدول الغربية والعديد من الدول العربية والإسلامية المطالبة بالانسحاب أو الناصحة بإتمامه. 
على أن الانسحاب انتهى أيضاً وسط انقسام سياسي وأهلي لبناني، اختصره مشهدا 8 و14 آذار، المعبّران عن اصطفافين متقابلين لا يكتفيان بالتصادم تجاه الموقع من النظام السوري ومن دوره في لبنان، بل وتجاه حجم تأثير كل منهما وما يمثّل طوائفياً داخل مؤسسات الحكم اللبناني نفسه.
بهذا المعنى، شكّل 8 آذار رسالة حزب إلهية مفادها أن الحزب المتحالف مع النظام السوري، والممثّل أكثرية شيعية سيسعى الى لعب دور هذا النظام لبنانياً بعد انكفائه، وسيعمد الى إدارة السياسة الداخلية للدولة على نحو يحمي سياسته الخارجية وارتباطاتها. فيما شكّل 14 آذار رداً على الرسالة المذكورة في شقّيها الخارجي والداخلي، وعبّر بأكثرياته السنية والمسيحية والدرزية (والعلمانية) عن رفض للتحالف مع "سوريا الأسد" والتحوّل أداة لاستراتيجيتها، ورفض لتفويض حزب الله لعب دور داخلي يشبه دورها الآفل.
وهكذا، صار الانقسام منطلقاً لصراع على الأحجام في سلطة ما بعد الانسحاب السوري، وعلى الموقف من المحاور في المنطقة، وعلى الحق في ملكية السلاح خارج "الدولة" واستخدامه. وصارت "الديمقراطية التوافقية" اللبنانية المستندة الى نظام انتخاب مشوَّه عاجزة عن إدارة الأزمات داخل المؤسسات وعاجزة عن استيعاب تداعيات قرار ممثلي طائفة كبرى مقاطعة هذه المؤسسات لإسقاط النصاب والمشروعية عنها.
ثم أخذ شكل الانقسام الأهلي يتعدّل، إذ انضمّ ممثل أكثرية مسيحية راجحة الى المعسكر الشيعي، منقلباً على شعاراته ومواقفه السابقة. كما انتقل النظام السوري من مرحلة استيعاب الصدمة وتوجيه بعض الضربات الانتقامية والتحذيرية الى مرحلة الهجوم المضاد الشامل متكئاً الى الانقسام اللبناني من جهة والى ما خلّفه وراءه مخابراتياً في بلد تحكّم به على مدى ثلاثة عقود من جهة ثانية، بهدف العودة السياسية والتحضير للتحكّم المباشر "بالملف" اللبناني وتوظيفه في بازارات المنطقة.
وطبعاً، شكّلت محاولات تبرئته من الاغتيالات (في تصريحات حزب الله والجنرال عون)، كما شكّل تعطيل الحياة السياسية والشغب وقطع الطرقات وصولاً الى أحداث 7 أيار واجتياح بيروت غطاءً كاملاً له ولهجومه المضاد المذكور.
في مواجهة كل ذلك، تماسكت قوى 14 آذار على مدى الأعوام الأربعة الماضية، وضحّت وتعرّضت للضربات، وتخطّت عدة استحقاقات صعبة، لكنها لم تتمكّن من انتزاع المبادرة أو من إضعاف الخصم شعبياً وسياسياً لأسباب عديدة، منها تركيبتها الطائفية، ومنها تقليدية إدارتها للسياسة والمؤسسات المستندة الى منطق المحاصصة والزبائنية، ومنها أيضاً عجزها عن صوغ برنامج جدي لبناء الدولة، ومنها كذلك ارتباكها تجاه أي تبدّل في العلاقات الدولية أو في التجاذبات والمواجهات الإقليمية (من حرب تموز الى مصالحات ما بعد حرب غزة).
واليوم، وعشية حصاد زرع السنوات الأربع الماضية، تظهر 14 آذار رغم الالتفاف الشعبي حولها ورغم صمود قسم كبير من اللبنانيين وتحمّلهم الأعباء دفاعاً عن خطّها، بمظهر منفّر مخلّعة أبوابه، بحيث تبتلع قواها الكبيرة – الأهلية بتكوينها – مكوّناتها الصغرى، الأقرب الى التمثيل المدني والعلماني والى التعبير عن هواجس المواطنين الأفراد غير المتعاقدين مع سواهم على أساس رابطة المذهب أو القربى العائلية، مُفقدة نفسها البُعد الاستقلالي الذي حماها، ومحوّلة لوائحها في الكثير من الدوائر الى تكتّلات انتخابية يبدو الهاجس التجميعي فيها مهيمناً على حساب الهاجس السياسي، عوض أن يكونا متلازمين بهدف التمثيل والفوز في آن واحد (كما يفترض بالمسلك الانتخابي أن يكون)...
مع ذلك، لا بد من القول – اليوم تحديداً - إن مقداراً من الاستقلال والاستقرار مع قوى أهلية وتقليدية يتيح العمل الإصلاحي ويسمح ببناء الأفق التغييري (ولو في مواجهتها)، في حين أن الضوضاء وقرقعة السلاح وخطابات التخوين والتصنيف (ومع قوى أهلية، ودينية أيضاً) لا تتيح غير المزيد من الانقسام والتشرذم وغير الإيغال في هتك عرى المجتمع ونهش ما تبقى من دولة تديره...
زياد ماجد

Tuesday, April 21, 2009

خطاب يحترف التناقضات

قد يُقال إن معظم القوى السياسية في لبنان تقدّم مواقف وخطابات متناقضة، وتُضطر بين الحين والآخر، بفعل عوامل داخلية أو خارجية، الى تغيير بعض المواقف والمصطلحات أو التراجع عن بعض ما تمسّكت به في مراحل سابقة. وهذا صحيح.
وقد يقال أيضاً إن المكوّنات الأهلية للطبقة السياسية اللبنانية في معسكريها الراهنين أقوى من المكوّنات المدنية، وإن خطابها التبسيطي هو الطاغي وهو القادر على استثارة العصبيات والاستنفارات. وهذا أيضاً صحيح، وهو بدأ يتجلّى في التحضير للانتخابات من خلال إفراغها في الكثير من الدوائر من البعد السياسي أو المواطني للتنافس الذي كان يُفترض أن تقوم عليه.
على أن ما هو صحيح أيضاً، هو تفوّق حزب الله على سائر مكوّنات الطبقة السياسية في قدرته على تقديم كمّ من التناقضات يكاد لا يمضي شهر دون الوقوف على أمثلة تجسّده. وهو إذ يتخبّط في تناقضاته الواحد تلو الآخر، يعوّض عن ذلك بعنف لفظي يعطفه على الهالة الدينية وعلى الشعارات الجهادية وعلى الصرامة التنظيمية والأمنية والعسكرية لإضفاء صبغة تماسك على أدائه وأدبياته.

 ولعل استعراض أمثلة من الأشهر الماضية يوضح ما نذهب إليه.
- فبعد أن ركّز الحزب حملته خلال اعتصامه الشهير في وسط العاصمة على الأكثرية "الوهمية" داعياً الى انتخابات مبكّرة تثبت من هي الأكثرية "الفعلية" فتحكم الأخيرة فيما تعارض الأقلية، ها هو اليوم يتحدّث عن إلزامية المشاركة في الحكم وإلزامية الثلث "الضامن" فيه بمعزل عن الفائز أو الخاسر. وبعد أن كان الحزب يشير الى "مفصليّة" هذه الانتخابات ونحوها لتحديد موقف أغلبية اللبنانيين من المقاومة أو "العمالة"، صارت تصريحات مسؤوليه تتحدّث اليوم عن انتخابات عادية وتستنكر على من يعتبرها مصيرية أو استثنائية سعيه التعبوي.
- ولم يفوّت الحزب مناسبة في السنتين الفائتتين دون الإشارة الى ارتهان الأكثرية للمشروع الأميركي ولكونها أداة لهذا المشروع تلتقي موضوعياً مع إسرائيل. ثم انقلب بعد فترة على مؤدّيات اتهامه وراح يتحدث عن الشراكة وعن الوطن الذي لا يُبنى بالاستثناء (قابلاً مشاركة الأدوات والمرتهنين بالحكم، ومتحدّثاً عن بناء الدولة معهم). وإذا به منذ أيام، يعود ليردّد أن "الشركاء" المفترضين مستقبلاً في الحكم والوطن والعيش الكريم هم "إما عملاء وإما أغبياء" وأن لبنان لا يحتاج "لا لأغبياء ولا لعملاء".
- ويكرّر الحزب رداً على القائلين له بإن الدولة وحدها مسؤولة عن الوطن وعن امتلاك السلاح للذود عنه: "ليش أنتو دولة؟ أعطُنا دولة وتعالوا بعد ذلك طالبونا بالسلاح!" هكذا، تصبح المشكلة أن السلاح "المقاوم" موجود لأن الدولة ضعيفة. أما أن السلاح سبب من أسباب ضعف الدولة، وأن قرار استخدامه في الداخل وفي الخارج والبنية التحتية الحاضنة له كما العلاقات الإقليمية المؤمّنة مدده والمحدّدة أوان اللجوء إليه عقبات أمام قيام أي دولة، ولو بالحد الأدنى، فالمسألة فيها نظر!
- ولطالما تباهى قادة حزب الله بأنهم يقاتلون باسم الأمّة (غير المحدّدة هويّتها وجغرافيتها وحيثياتها، وحتى لو زُعم أن المفردة مردودة الى معناها الديني، فالاجتهادات حول المعنى تطول وتتعدّد). لكنهم بعد "الصدام" الأخير مع مصر (وهي بالمناسبة من أكبر دول "الأمة") وتوقيف أحد أخوانهم في الأرض المصرية، راحوا يعودون الى الوطنية، والى الحزب اللبناني "المتواضع" على ما قال السيد نصر الله. يعودون بالتالي الى هوية ترابية "ضيقة" يصعب معها وبها تبرير تدخّل في شؤون "الأمة" لا يقتصر على الكلمة والفكرة (وهما حق لا جدال فيه) بل يدعو لإرسال الصواريخ وبناء المنظومات الأمنية وشبكات تهريب السلاح دفاعاً عن قضية "الأمة" نفسها.
طبعاً كل ذلك لا ينسينا تعدّد روايات الحزب حول أسباب ملكيّته السلاح، وحول أسباب حرب تموز، وحول الاغتيالات واستنكار الاتهامات العشوائية فيها. وهذا غيض من فيض مسار طويل لم يهدأ صخبه ولم تتباطأ انفعلاته، ولو حاول الصراخ وسبّابات التهديد التعمية على هشاشته، في زمن لا قد لا يميّز المتوتّر فيه بين الهشاشة وسواها.
غير أن الأدهى اليوم هو أن ما يواجه حزب الله وركاكة مواقفه لم يعد يبدو أكثر من مشاريع بمجملها طائفية وأهلية مثله، ولو من دون سلاح وإيديولوجيا شمولية وادّعاء حقوق تخوين وتصنيف (وهذه أمور ليست تفصيليةً، وهي تكفي حالياً للاختيار)، أو فولكلورية باحثة عن عباءات دينية وعن مشروعيات عائلية آفلة لا تقوى على مواجهة الحزب ولا تملك في أعين جمهوره أو المتردّدين تجاهه أية مصداقية.
هي معضلة تبدو عصيّة على الحل إذن. وهي تكوينية ربما في بلد مثل لبنان. والبحث الوحيد الممكن صار في منعها من التحوّل منطلقاً لعنف جسدي يترجم الألفاظ العدوانية وخلفيتها الفكرية المشتتة والحبلى بالتناقضات الى أفعال في الشارع. ذلك أنه فقط في غياب العنف وفي تقلّص التوتر يمكن مواجهة الهشاشة والتناقضات والبحث في ما يتخطّاها لاحقاً، ويتخطّى شبيهاتها...
زياد ماجد

Tuesday, April 14, 2009

ذكرى 13 نيسان بين 7 أيار و7 حزيران

تحلّ ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية هذا العام، في لحظة تشهد فيها البلاد انقسامات حادة، وتتكرّر فيها الأحداث الأمنية، وآخرها الاعتداء الذي استهدف الجيش اللبناني على طريق تمنين التحتا في البقاع الشمالي.
وإن أردنا التوقّف عند أبرز ما تثيره الذكرى الرابعة والثلاثون للحرب المذكورة سياسياً، أمكننا ربما الإشارة الى أمرين.
- أوّلهما قديم يُستذكَر عاماً بعد عام، مرتبط بملفات الحرب التي لم تُقفل، من ملفّ المخطوفين الذين لا يمكن الطلب الى ذويهم الحداد عليهم من دون الكشف عن أماكن دفنهم وإقامة ضريح جماعي لهم يكون بمثابة الاعتذار الجماعي منهم، الى ملف المفقودين في السجون السورية المجهولة مصائرهم والمطلوب توضيحاً لها وتصرّفاً بموجب التوضيح، الى درس العفو الحقيقي المؤسّس للمسامحة ولكتابة التاريخ (بصيغه المتعدّدة وتأويلات أحداثه المتباينة) من دون خوف ومن دون عِقد.
- وثانيهما جديد تأسّس العام الماضي في 7 أيار، وهو فتح الباب على ما كنّا خلنا أنه وراءنا، وأعادنا بسرعة قياسية الى ذكريات الاقتتال والاجتياحات وقطع الطرقات وحرق المؤسسات.

ولعلّ خطورته مضاعفة لأنه جاء من قوى أساسية، خاضت الحرب وظلّت وحدها بعدها مدجّجة بالسلاح. وهي تقود اليوم معسكراً سياسياً يتقدّم للانتخابات النيابية القادمة ويتحدّث عن حكم البلاد أو المشاركة في إدارتها بثلث معطّل، قد لا تكون المؤسسات وحدها مسرحاً له، بل حتى الشوارع والأحياء، إن اقتضى الأمر. 
بهذا المعنى، تحلّ ذكرى 13 نيسان علينا هذا العام، لتعطف على المتراكم والمتجدّد سنويّاً، بُعداً جديداً يفتح ملفات كانت حتى الآن مطويّة، ويُنذر بجعل الذكريات المباشرة أو المتناقلة والمتوارثة حيّةً، تقع في متناول العين والأذن واللسان واليدين، يغطّيها الإعلام بوصفها أحداثاً راهنة، لا بحثاً في الأرشيف أو تحقيقات وثائقية عن حقبة غابرة.
وبهذا المعنى أيضاً، تصبح ذكرى 13 نيسان عام 2009، منطلقاً للدعوة الصريحة للّبنانيين للاختيار بين من يريد للذكرى أن تبقى ذكرى، وبين من يريد إحياءها واستعادة تفاصيلها وعيش هواجسها وجعلها احتمالاً دائماً يهدّد به الناس ربطاً بإيقاع صراعات الخارج وتسوياته، أو بحثاً عن تعديل الأحجام في الداخل ومؤسساته.
و7 حزيران المقبل، سيكون الموعد الأول لهذا الاختيار...
زياد ماجد

Tuesday, April 7, 2009

في العونية السياسية

تثير العونية الفضول على مستويين: مستوى الخطاب الذي تحمله والذي يعبّر عنه الجنرال ميشال عون في معظم إطلالاته، ومستوى المزاج السياسي والاجتماعي المتلقّي لهذا الخطاب والموالي له أو لما يهدف إليه.
ويمكن أن نضيف مستوىً ثالثاً الى هذا الفضول يرتبط بالعلاقة التراتبية بين المستويين الأوّلين المذكورين، أي هل يسبق الخطاب العوني المزاج وبالتالي يؤدي (في ما يؤدي إليه) الى تشكيله، أو هو يلحق به وبالتالي يسعى الى تمثيله وتحويل مضامينه الى مفردات ومواقف "سياسية"؟

لنعد الى المستويين الأول والثاني، فلعلّ استطلاعهما يجعل الإجابة على الثالث ممكنة.

في معنى العونية
لطالما ساد انطباع أن العونية تكوّنت انطلاقاً ممّا رمزت إليه في أواخر الثمانينات من تمسّك بفكرة الدولة القوية المحميّة من المؤسسة العسكرية في مواجهة الميليشيات، وفي مواجهة الهيمنة السورية. وأنها بهذا المعنى عبّرت عن توق أكثرية مسيحية للتخلص من عبء أمراء القتال الأهلي، ومن ثقل الاحتلال الخارجي.
ثم نُظر الى العونية بعد اتفاق الطائف، بوصفها قوة شبابية وطلابية رافضة للتطبيع مع الأمر الواقع ومع الطبقة السياسية المتحالفة مع دمشق.
ثم قيل إنها غدت، بعد العام 2005 وخروج الجيش السوري وعودة عون الى بيروت، مركّب كراهيات يبغض القوات اللبنانية بوصفها ذاكرة حربية والحريريّة بوصفها سنّية سياسية (واقتصادية) مهيمنة والجنبلاطية بوصفها إقطاعاً مناوئاً. وأُضيف بعد "التفاهم" مع حزب الله عام 2006 أن طموح الجنرال الرئاسي والبحث عن تحالف "إبتزازي" في مواجهة الأكثرية البرلمانية صارا محرّكين أساسيين لها. 


لكن كل ذلك بقي، على صحّته التوصيفية، غير كافٍ لشرح ماهيّة العونية، على الأقل في سنواتها الأخيرة.
فالعونية صارت تعبّر عن مفارقة كبرى موجودة في السياسة والاجتماع المسيحيين في لبنان: نوستالجيا للقيادة "الفاضلة" (القوية) للبلاد معطوفةً على سلوك أقلّوي (ضعيف) يبحث عن تحالفات. أي أنها حنين الى ماضٍ سابق للحرب وتصرّف خطابيّ على أساسه، يترافق مع تعاطٍ أقلّوي لاحق للحرب يرى في الالتصاق بأقلية أخرى، ثم القفز خلف الحدود لملاقاة أقليات في المنطقة، حزام نجاة داخلي – خارجي يلجأ إليه لمواجهة أكثرية (داخلية – خارجية بدورها) يتّهمها بالمسؤولية عن تهميشه وعن إفقاده دوره القيادي.
ولعل الخطاب العوني يظهّر هذه المفارقة على نحو جليّ. فإلى اعتماده شعارات بناء الدولة ومحاربة الفساد والإقطاع وكَيله الاتهامات بالعمالة وبالمسؤولية عن الديون، وتهديده بمحاسبة الجميع وإطلاقه العنان للشتائم والتشبيهات السوقية لإظهار بأس وقوة تمثيل واستقلالية تحرّك عواطف المفتّشين عن "المجد الضائع"، يرسم الخطاب نفسه خريطة للبنان يتراجع فيها الالتصاق التاريخي بالحدود الجغرافية بوصفها حدوداً كيانية اعتبرها الساسة المسيحيون على الدوام صمّام أمان لوجودهم ولدورهم. ويتقدّم مقابل ذلك طرح يحاول تبرير نفسه "بالمشرقيّة" لتغطية اندفاعه خلف الحدود بحثاً في تحالفاته الأقلوية الناشئة.

... بعض المزاج الشعبي هو ما حماها
لذلك ربما، ولأن العونية امتَحنت في أكثر من مناسبة نجاحاً في التعبير عن بعض المزاج المسيحي هذا، لم تعد تبالي كثيراً إن هجت الفساد وهي قابعة في أحضان أبرز المرتبطين به، وإن قارعت الإقطاع متحالفة مع رموز تاريخيين له، وإن هاجمت الميليشيات وحليفها الأساسي يملك الميليشيا الوحيدة المستمرة في البلاد، وإن دعت لقيام الدولة القوية وهي منتمية الى معسكر يمنع عن الدولة هذه قرارات الحرب والسلم ويقيم على أرضها أجهزته الخاصة، وإن ادّعت التقدّمية والعصرنة والعلمنة في وقت تُزايد طائفياً وادّعاءَ حمايةٍ لحقوق المسيحيين، وإن اتّهمت خصومها بالتفريط بالسيادة في لحظة تحالفها مع من أمعن انتهاكاً للسيادة طيلة عقود، وإن هاجمت ضحايا الاغتيالات السياسية وهي تجاهر باتصالها مع المتّهمين بقتلهم...

هل هذا يعني أن العونية صارت مزاجاً مسيحياً سائداً؟
ليس بالضرورة. وهنا ربما تمكن الإجابة على سؤال المقدمة حول التراتبية بين خطابها وبين المزاج المتلقّي له. فالعلاقة جدلية تجمعهما ويتغذّى كل منهما بالآخر. وهي مؤقتة ومرتبطة بجملة ملابسات تأسّست في المنتصف الثاني من الثمانينات وتكرّست في حقبة التسعينات حين شهدت النخبة السياسية اللبنانية تغييراً هائلاً في توازناتها وتركيبتها، ولم تعدّل أحداث العام 2005، على خطورتها، كثيراً من تداعيات ذاك التغيير، وأهم عناوينه ما اصطُلح على تسميته بالتهميش المسيحي.  
هكذا، التصقت العونية بجزء من مزاج لم يُفلح مخاصموه في الفترة الماضية في تفكيكه وإظهار تهافت منطقه، ولأسباب ذلك بحث آخر. وصار الرهان الأساسي هو على تراكم الأخطاء والهفوات من داخل الخطاب العوني نفسه (في لحظات انفعال يمكن نسبها الى علم النفس أكثر منه الى علم الاجتماع أو السياسة)، لإضعاف العونية و"تعكير مزاجها" الشعبي على حد سواء.
على أن تفكيك العلاقة ممكن، وتعديل المزاج وجعله أقلّ تقبّلاً للخطاب أو صناعةً له ممكن أيضاً. وقد نكون اليوم على أعتاب امتحان كبير لهاتين الإمكانيتين... 
زياد ماجد

Wednesday, April 1, 2009

نحن وأوباما وإسرائيل

 تتوضّح منذ أسابيع مقاربات الإدارة الأميركية الجديدة لبعض ملفات السياسة الخارجية
فبعد إطلالات خجولة على الخارج نتيجة التركيز على الداخل وقضاياه المالية والاقتصادية والاجتماعية المأزومة التي سيحافظ بموجبها الرئيس الجديد على تألّقه أو يتراجع رصيده شعبياً (خاصة إن وقع في ارتباكات وتردّد طويلاً بين خيارات اليسار والوسط)، بدأت الإدارة الديمقراطية تبلور اتجاهاتها في التعاطي مع عدد من الملفات:
- ملف العلاقة مع روسيا والتباحث الهادئ في قضايا توسيع الناتو ونشر الدرع الصاروخية والتعاون للحد من الانتشار النووي،
- ملف أفغاتستان وباكستان واعتماد الشدة في الحرب فيهما على القاعدة والطالبان،
- ملف إقفال سجن غوانتانامو، والبحث الذي بدأ بالتزامن مع قرار إقفاله في احتمال الانضمام الى عدد من الاتفاقيات الدولية حول جرائم الحرب والمحكمة الجنائية،
- والأهم من حيث ارتباطه بالوعود الانتخابية، ملف العراق واتخاذ القرار بجدولة الانسحاب العسكري منه.
وفي هذه الملفات جميعاً، تطلّ السياسة الجديدة بإيديولوجيا أقل وباختلافات في النبرة والأسلوب والوسائل عما اعتُمد في الحقبة المنصرمة. وهي إذ تصل الى الملف الفلسطيني الاسرائيلي والى التشابك اللبناني السوري الايراني معه، يبدو اختلافها عن السياسات التي سبقتها أشدّ وضوحاً. وهذا ما تريد الأسطر التالية التوقف عنده. 

فعلى الصعيد اللبناني السوري الأيراني، تتحرّك مواقف الإدارة الجديدة على مسارات ثلاثة:
- خطّ إنهاء القطيعة مع دمشق على مراحل، ومن خلال "دفتر شروط" يتضمّن استمرار تعاونها الأمني في ملف "الإرهاب" عراقياً، وفكّ ارتباطها الحيوي بإيران وتخلّيها بالتالي عن لعب دور العرّاب لحركة حماس ولحزب الله أو الوسيط بينهما وبين إيران،
- خط التأكيد على دعم استقلال لبنان وتأييد المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري وسائر الجرائم التي ارتبطت بها،
- خطّ الانفتاح على الإيرانيين (بعيداً عن تصنيفات محور الشر السابقة) المرفقة بمشروطية تعاونهم أفغانياً وعراقياً ولبنانياً وفلسطينياً، ووضعهم لمشروعهم النووي تحت الرقابة الدولية.
وبهذا المعنى، يحاول الأميركيون توجيه رسائل على خطّي التواصل الايجابي المقرون بشروط والضغط السياسي الهادف الى تحقيق نفس الشروط. فيأتي حوارهم مع دمشق متلازماً مع دعم المحكمة (وما يعنيه أمرها بالنسبة للنظام السوري ولطمأنة اللبنانيين)، ويأتي توجّههم الجديد نحو طهران مترافقاً مع محاولة تطويقها روسياً (عبر التفاوض مع موسكو حول التعاون النووي معها) وسورياً (من خلال السعي الى إبعاد دمشق عنها).
على أن عطف الملف الفلسطيني الاسرائيلي على هذه المسارات، وهنا ربما بيت القصيد، يقطع مع منطق الإدارة السابقة تماماً، ويعيد الاعتبار الى المقاربة الكلينتونية – وحتى الى تلك التي أرادها بوش الأب في النصف الثاني من عهده – ولو بحذر وبطء شديدين.
ذلك أن عودة الحديث عن ضرورة السلام في المنطقة على أساس الدولتين، وتعيين جورج ميتشل الواضح في مواقفه من الاستيطان مبعوثاً خاصاً، ومحاولة تعيين فريمان المعروف بانتقاداته لإسرائيل في وكالة المخابرات (رغم الفشل في تثبيته بعد الحملة العنيفة عليه)، والتواصل مع السلطة الوطنية الفلسطينية في تأكيد على الاعتراف بها (بعد سنوات من الميوعة في التعاطي معها والاستسلام للمنطق الاسرائيلي القائل "بغياب الشريك") جميعها إشارات حول نية في التعامل مع الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بوصفه في قلب معضلات المنطقة، وبغير ربط لديناميات التفاوض حوله بالتوقيت والمشيئة الإسرائيليين.
هل تعني هذه الإشارات أن الانحياز الأميركي الى مواقف إسرائيل سيتبدّل جذرياً؟ على الأرجح لا. لكنه يعني أن التسليم لمنطق سياسيّيها وتعنّتهم الرافض لأي تفاهم مع الفلسطينيين لن يكون بديهياً. وهذا ما فهمه الإسرائيليون، وما بات يُقلق أكثر قادتهم.
ولعل مواقف نتانياهو - المباشرة وبالتلميح - تحاول امتصاص ذلك والرد عليه ببعض المصطلحات "الإيجابية" تجاه الفلسطينيين (لتغطية ما يرافقها من تسريع لوتيرة الاستيطان بين الضفة والقدس بغية جعل الواقع الميداني أكثر تعقيداً وصعوبة قبل أية مفاوضات مقبلة)، والتأكيد على أهمية السلام مع سوريا (باعتبار ولوج بابه سيخفّف احتمال الضغط على إسرائيل إن أُقفِل الباب الفلسطيني)، والسعي لتوريط أميركا في صدام مع إيران عبر تسريب أخبار عن تصميم إسرائيل، ولو وحيدة، على عدم السماح لها بالمزيد من التقدّم في برنامجها النووي، وبمعزل عن أي تفاوض.
في المقابل، تبرز أمام هكذا سيناريو الحاجة عربياً الى توسيع رقعة "عدم التفاهم" الأميركي الاسرائيلي المحتمل حول بعض القضايا المذكورة. وهذا يتطلّب جهوداً لجعل نتائج "عدم التفاهم" واقعاً لا يؤدّي الى الهروب الاميركي أو تجنّب الاستمرار في الجهد التفاوضي، بل على العكس، الى المزيد من التدخل والضغط والنشاط الديبلوماسي. وهنا يكمن ربما التحدّي الفعلي المطروح على الفلسطينيين والعرب.
فهل سيقوم الفلسطينيون ببناء سياسة واضحة في أهدافها وفي حدود مساوماتها ليفاوضوا (موحّدين بالحد الأدنى) على أساسها؟ وهل سيُطلق العرب دينامية ديبلوماسية وإعلامية تحاصر المنطق الاسرائيلي أميركياً وغربياً، وتعمّق التناقض بين تطرّفه وبين موجبات السلام "العادل" المبني على أساس القرارات الدولية؟ واستطراداً، هل سيحاول اللبنانيون الاستفادة من كل ذلك لتحصين وضعهم الداخلي بانتظار نتائج ما سيجري في المنطقة في السنوات القادمة؟
لا نريد التشاؤم، لكن الخشية الكبرى هي من الاستسلام للثنائيات السائدة حتى الآن في المنطقة، حيث منطق "التفاوض للتفاوض" (وما يقدّمه من تنازلات مجانية)، ونقيضه، أي منطق رفض فكرة التفاوض والإصرار على "إزالة الكيان الصهيوني من الوجود" (وما يوفّره للإسرائيليين من حجج – ولو مضحكة - تنعدم من بعدها حاجتهم لتبرير رفض اعترافهم الثابت بالحقوق الفلسطينية)، يتيحان غالباً للتناقضات الأميركية الاسرائيلية إن وُجدت أن تزول، ويعيدان الأمور كل فترة الى نقطة الصفر، وفي ظروف ووقائع على الأرض تكون قد اشتدّت سوءاً...
زياد ماجد

Wednesday, March 18, 2009

في ذهنية التهديد

يعبّر العلني كما المسرّب من تصريحات الرئيس السوري الأخيرة، حول الانتخابات النيابية اللبنانية وحول المحكمة الدولية و"مفاوضات السلام" في المنطقة، عن مفارقات ثلاث في السياسة وفي الثقافة السياسية يفيد التوقّف عندها.
المفارقة الأولى ناجمة عن موقف لا يكتفي بإبداء اهتمام في انتخابات دولة مجاورة وما قد ينجم عنها من تداعيات سياسية تمسّ العلاقة بين الدولتين كما يمكن لأي رئيس أو مسؤول أن يفعل، بل يذهب في تدخّل - بعيد عن الأصول الديبلوماسية - الى حدّ تحديد ما ينبغي أن تكون عليه مؤدّيات الانتخابات من استمرار لفلسفة "الثلث المعطل" التي أتى بها اتفاق الدوحة، ملوّحاً بالفوضى بديلاً وحيداً عن ذلك. ويعلن أن من سيتصرّف بعد هذه الانتخابات بعقلية "أنه رابح" سيجرّ البلد نحو الانفجار، محذّراً بالتالي الأطراف اللبنانية التي قد تحاول الحكم بناء على تفويض أكثرية المواطنين الناخبين، بأنها ستتسبّب لبلادها بكوارث... 
المفارقة الثانية تتأتّى من حديث الأسد عن المحكمة الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه. ففي هذا الحديث، يمارس الرئيس السوري التهديد من دون أي تمويه. ذلك أن "تسييس المحكمة"، على ما يقول، يعني خراب لبنان. أمّا ما هو التسييس، وكيف سيحلّ الخراب بلبنان، فللقارئ النبيه أن يفهم. ذلك أن لا استيضاحاً طُلب من الأسد، ولا تفاصيل تبرّع هو بتقديمها. لكن المُتابع للسجالات حول المحكمة يُدرك أن المقصود من قوله المذكور هو: "إن اتّهمت المحكمة النظام السوري بالوقوف وراء الجريمة، فسنجعل لبنان يدفع الثمن غالياً"...

 أما المفارقة الثالثة، فهي أقرب في دلالاتها الى تظهير العقلية التي يعتمدها النظام السوري في "الصراع" مع إسرائيل وفي "التعامل" مع دول المنطقة. فهو يعتبر أنه قادر على "جلب" حزب الله وحماس الى طاولة المفاوضات، تماماً كما هو قادر على الزج بهما في المواجهة أو "الممانعة"، بمعزل عن الدول والمجتمعات. هكذا، يقرّر مثلاً تجاهل أن ثمة دولة في لبنان وأن ثمة سلطة وطنية في فلسطين، فيدعو حزبين من كلا البلدين مشاركته مفاوضات إقليمية للوصول الى حلول واتفاقات، مكرّساً اعتماده لبنان وفلسطين ساحتين يتحالف فيهما مع تشكيلين أهليّين (مسلّحين) ويوظّف قتالهما وأداءهما (لا بل يديره) لتحسين شروط تفاوضه لاحقاً مع إسرائيل و"رفع سعره" بوصفه قادراً على التصرف بهما وبملفات دولتيهما، وبالنيابة عن سلطتين شرعيتين لا يعيرهما كثير أهمية...
 تشير هذه المفارقات الثلاث الى ذهنية سياسية سورية في العلاقات الخارجية قوامها التدخّل والتهديد وتخطّي الدول ومؤسساتها الشرعية ومصادرة خياراتها. وهي ذهنية إن عُطفت على القمع الداخلي، تعطي صورة عن الثقافة التي تدير سياسة الاستبداد: غرور ومطامع وشعارات مزايدة تجاه الخارج، وتسلّط وسجن ونفي تجاه الداخل.
فهل نبالغ إن كرّرنا من لبنان إن استقلالنا واستقرارنا على المدى البعيد مرتبطين بديمقراطية سوريا وحرية أبنائها؟ 
زياد ماجد

Monday, March 16, 2009

حدود التسامح

لا يمكن لرصانة في السياسة أن تعتبر القضية الطائفية في لبنان مسألة يمكن تجاوزها بقانون أو بشعار والتعاطي معها بشتم أو بهجاء. فالطائفية مسار معقّد وحالة يتداخل فيها السياسي بالاجتماعي بالثقافي بالاقتصادي بالخدماتي، على نحو يعيد إنتاج تجلّياتها في المؤسسات وفي الوعي العام وفي حالات الاصطفاف إثر الخلافات السياسية على القضايا الداخلية والخارجية وعلى التأثير فيها والتموضع تجاهها.
على أن الطائفية هي أيضاً سبب لتشكيل ولاءات في السياسة ووعي في الاجتماع تحيل كل مسألة مطروحة في لبنان الى مصالح تخال الجماعات نفسها معنيّة في التعامل معها إنطلاقاً من هويات تعبر المناطق والطبقات، وتنسج أوهاماً وحقائق يبدو معها الانتماء أو القيد الأولي الثابت الوحيد، وكل ما عداه متغيّر.
وإذا ما أضيفت الى ذلك قوانين وتشريعات، أو أعراف وممارسات، تكرّس الربط بين الطائفة والسلوك السياسي والإداري والخدماتي والشخصي، وتجعل التمثيل في لحظات الأزمات احتكاراً (عبر نظام انتخابي يقوم على المبدأ الأكثري البسيط) لجهة وحيدة ضمن كل طائفة تلغي التمايزات وتدّعي الدفاع عن مكانة الطائفة بوصفها جسماً تتماهى مكوّناته وتفوّضها النطق باسمها والتفاوض على "حقوقها"، وقعنا إثر كل مشادة على تصاعد حاد في الخطاب والتحريض والتعبئة الطائفية، وصرنا أمام مجموعات من الناس على أهبّة الاستعداد للانقضاض على بعضها ولإنشاء حدود داخل المدن والبلدات بين المناطق والأحياء حيث تقطن الأكثريات المتواجهة أو تمارس سيطرتها وتعبيرها عن طقوس ولاءاتها.


 وقد عرفنا في لبنان لحظات درامية عديدة في تعرّج المسارات الطائفية وفي تبدّل التحالفات وتغيّر الأحجام والتوازنات، وخضنا حرباً ضروساً ما زالت آثارها الى اليوم قائمة. وهي جميعها قد بيّنت لنا:
- قدرة الطائفية على استيعاب الحيويات المختلفة وتفكيكها وتطبيعها مع عصبيات مذهبية في اللحظات المفصلية.
- قدرة النظام الطائفي على كفالة بعض الحريات وحماية التنوّع السياسي من خلال توازنات الرعب التي يقيمها بين المجموعات الطائفية المختلفة في حالات الاستقرار، وعجزه عن إيجاد الحلول أو حتى إدارة الأزمات كل ما وقع انقسام داخلي على الخيارات الإقليمية للبلاد، أو حتى على الأحجام في المؤسسات، دون صدامات أو وساطات وتدخّلات خارجية.
- عجز النخب العلمانية عن تحويل خطابها وثقافتها الى تيارات شعبية قادرة على الضغط من أجل تعديل في القوانين والممارسات يقلّص مساحة الطائفية في الحياة العامة، لسببين: أوّلهما أن قضايا الفرز السياسي في البلاد، التي أثمرت انقسامات طائفية، قسّمت العلمانيين أيضاً ودفعتهم الى التواجه والتمركز داخل معسكرات متقاتلة. وثانيهما، أن العلمنة في ذاتها، لا يمكن أن تكون هدفاً مفصولاً ومستقلاً عن السياقات السياسية المصيرية التي يمرّ فيها لبنان.
 وعلى هذا الأساس، يمكن القول اليوم، إن رفع شعار العلمنة وحده بحجة انتماء يساري أو تقدّمي لا يقدّم الكثير في المعركة السياسية الدائرة، حيث الاستقلال والاستقرار وبناء الدولة (أي دولة) هي العناوين "المركزية". وتأتي العلمنة، كما العدالة الاجتماعية، لترفدها بأفق يساري، وبما يمكن أن يحصّن الدولة والمجتمع لاحقاً، أي بعد استتباب الأمور، من مخاطر الانزلاق المتجدّد (وربما الحتمي) الى الانفجار أو التنافر.
 هل يعني هذا حياداً تجاه المؤسسات الدينية والخطابات الطائفية والممارسات المذهبية هنا أو هناك بحجة المعركة الكبرى؟
أبداً. فالمعركة الاستقلالية التي يخوضها جزء كبير من اللبنانيين، تتطلّب توسيع التحالفات قدر الإمكان للفوز بها، لكنها تتطلّب أيضاً تأكيداً على ثوابت مواطنية، لا علوّ كعب عليها، ولا فتوى شرعية أو حرماً كنسياً أو عنصرية مذهبية تظلّلها.
والمساومة المطلوبة لحماية الأولوية الوطنية لا تعني طغيان صوت المعركة وحده على ما عداه، وللمرونة في المواقف حدود يُدافع عنها فور اختراقها على نحو يهدّدها في وجودها... ذلك أن السماح بتسلّل قوانين "إلهية" الى المعركة الاستقلالية نفسها قد لا يُلغي مع الوقت "وضعيّة" قوانينها وتحالفاتها فحسب، بل هو قد ينسف المعركة بأسرها...
زياد ماجد

Tuesday, March 10, 2009

منطق عجيب

تثير مذكّرة المحكمة الجنائية الدولية، القاضية باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، ردود فعل عربيّة مختلفة، يتقاطع أكثرها على إدانة المذكّرة والتنديد بمصدّريها والتشكيك بخلفيّاتها
ولعل التوقّف عند بعض ردود الفعل هذه ومساءلة منطقها يفيد لتسليط الضوء على التخبّط السياسي والقيمي الذي نعيشه في منطقتنا، والذي يضع أكثر الأنظمة كما العديد من القوى المعارضة لها في مركب واحد، وقودُه شتمٌ "للتدخّل الخارجي ولمشاريع الهيمنة المتلطّية بقوانين أو بقرارات أممية".
فإن أحلنا المنطق الذي تتعالى بموجبه بياناتُ الشجب والاستنكار الى قوام سياسي و"قانوني"، وقعنا على دعائم - مقولات ثلاث تكرّر التالي:
أولاً، أن المذكّرة تخفي المصالح الفعلية المحرّكة لها، والمتمثّلة بتقسيم السودان لضرب شعبه ونهب ثرواته النفطية والمعدنية والذهبية والمائية. وهي، بهذا المعنى، استهداف لوحدة البلاد وسيادتها وليس لشخص البشير أو لنظامه.
ثانياً، أن المذكّرة تجسّد ازدواجية المعايير المعتمَدة في العالم بحيث لا تنظر المحاكم سوى في جرائم وحالات بعينها، فيما تغضّ الطرف عن مجازر وأهوال في حالات أخرى لأسباب سياسية، أميركية تحديداً.
ثالثاً وربطاً بذلك، لم تتحرّك المحكمة الجنائية تجاه الهمجية الإسرائيلية وانتهاكاتها اتفاقيات جنيف في غزة منذ أسابيع، في حين أنها تقيم الدنيا ولا تقعدها اليوم في "عدوان سافر على السودان وأهله".
لنحاول معاينة كل مقولة من المقولات الثلاث وتفكيكها، ولو بشديد اختصار.

أولاً، ليس مفهوماً كيف أن مذكّرة جلب بحق شخص، ولو كان رئيساً، هي أشدّ خطراً في استهدافها بلداً من قتل وتشريد مئات الألوف من أبنائه وتدمير نسيجهم الاجتماعي وتهجيرهم من منطقة الى أخرى في حروب قبلية لم تحرّك السلطات ساكناً تجاهها، أو هي حرّضت على الاستمرار بها أو تواطأت ضد بعض أطرافها. وليس واضحاً كذلك كيف أن التحقيق مع رئيس ثم إدانته (أو تبرئته) قد يفضيان نهباً للثروات يفوق تبديد هذه الثروات إنفاقاً على حروب متواصلة منذ عقود حصدت حتى الآن في الجنوب والغرب، وفي الوسط وانقلاباته، أكثر من مليوني إنسان وجعلت البؤس والفقر واقع حال ملايين غيرهم.
ثانياً، لا شك أن في العالم ازدواجية معايير، ولا شك أن من تُعينه دول عظمى، غالباً ما قد ينجو من عقوبات أو من زجر أو من إجراءات. والازدواجية في المعايير هذه، المرفوضة والظالمة، ليست وقفاً على الولايات المتحدة ولا هي معتمدة تجاهها حصراً. فروسيا والصين لا تقلاّن ضراوة في الحروب والاحتلالات (من الشيشان الى جورجيا فالتيبت) من "زميلتهما" في مجلس الأمن، وحصانتهما (كما قدرتهما على استخدام الفيتو حمايةً لحلفائهما) ليست أقل من تلك المتمتّعة بها واشنطن. على أن الأهم من ذلك، وبمعزل عنه، هو أن وجود ازدواجية معايير لا يمنح أحداً الحق في ارتكاب المجازر أو السماح بوقوعها، ثم القول رداً على مريدي الحساب أن ثمة ما يوازيها هولاً في أماكن أخرى! ففي ذلك رداءة حجة يصبح بحسبها المتّهَم بالتسبّب في مجازر أو المشارك فيها بريئاً ليس لأن أدلّة قد تثبت تهافت اتّهامه، بل لأن مجرمين غيره موجودون في مكان ما من العالم لم يُحاكموا بعد!
ثالثاً، إن كان التواطؤ مع إسرائيل وممارساتها في الكثير من الدوائر السياسية في العالم وانعكاس ذلك على الدوائر الحقوقية مقزّزاً، فإن استمرار تبرير الاستبداد أو القتل أو الاغتيال في الدول العربية تجاه مواطنين عرب أو غير عرب من أبنائها وسكّانها بحجة "حصانة" الجرائم الإسرائيلية صار أكثر تقزيزاً. فالجريمة جريمة ورفض ازدواجية المعايير يبدأ بعدم اعتمادها، إلاّ إن كان البعض يعتبر أن الردّ على وحشية الاحتلال في فلسطين يكون مثلاً بإبادة أبناء منطقة في السودان، أو اغتيال أساتذة جامعيين وصحفيين في العراق، أو اعتقال مثقّفين وتصفية معارضين في سوريا!
إن "النموذج السوداني" الذي نراه اليوم هو أحد تجلّيات الإفلاس الفكري والأخلاقي عندنا. والتصدّي لهذا النموذج شرط ضروري لاستقامة النقاش في غيره من النماذج.
ولعلّنا في لبنان ندرك أهمية ذلك، وندرك معنى الاحتفال بالأول من آذار والتمسّك بالمسار الذي انطلق بعده، من دون أوهام ومن دون كلل أو سأم…
زياد ماجد

Sunday, March 8, 2009

التيارات الرئيسية في الحركة النسوية - نادية عيساوي


يثير ذكر حركة التحرّر النسائية أو الحركة النسوية (Mouvement Féministe) ردود فعل سلبية عند أكثر الرجال والنساء تجاه ما قد يعدّونه مبالغة أوتطرفاً في تفكيرٍ وسلوكٍ نسويَّين يشبهان إعلان الحرب على الرجال وعلى المجتمع ومؤسساته.

ولا يمكن النظر الى ردود الفعل هذه دون الإشارة الى أنها  تعبّر عن خوف عميق من إمكانية زعزعة دعائم النظام البطركي (الأبوي) الذي جرى بناؤه منذ آلاف السنين: نظام هيمنة ذكورية ظلّ متماسكاً رغم كل الثورات والتطوّرات التكنولوجية التي حصلت على مرّ القرون الماضية. فالتراتبية الناظمة للعلاقات  بين الجنسين تحوّلت الى قناعات راسخة عند النساء والرجال الى حدٍّ صارت تبدو فيه السيطرة الذكورية طبيعية وبديهية.
ويؤكد الفيلسوف وعالم الإجتماع الفرنسي بيار بورديو، في هذا المجال، أن هذه السيطرة مغروسة في اللاوعي الجمعي عند البشر وأنها تحوّلت الى عنصر غير مرأي وغير محسوس في العلاقات ما بين الرجال والنساء. وينبغي بالتالي إخراج هذا اللاوعي، وتحويله الى وعي يعيد كتابة التاريخ.

هذا العمل هو بالضبط ما يسعى إلى تحقيقه النسويون والنسويات من خلال جهدهم الفكري وتحالفهم مع الحركات الاجتماعية الباحثة عن التغيير والحاملة مشاريع بديلة للسائد.
وبهذا المعنى، تُعتبر الحركة النسوية حركة تغييرية تهدف الى تحطيم البداهات الخاطئة ووضع المرأة في موقع "الفاعل" في المجتمع. ومن هنا التعاطي مع صعودها على أنه تهديد لأسس التنظيم الاجتماعي القائمة. 


ولكن، ما هي "النسوية" التي نتحدّث عنها اليوم؟

في ما يلي تعريفان أوّليان للمصطلح المعرّف بها. يقول القاموس: "النسوية هي منظومة فكرية، أو مسلكية مدافعة عن مصالح النساء، وداعية الى توسيع حقوقهن" (Hachette, 1993). أما لويز توبان، النسوية الكندية، التي سنعتمد لاحقاً تصنيفها للتيارات النسوية، فتذهب أبعد من التعريف القاموسي لتقول "إن النسوية هي انتزاع وعي (فردي بداية ثم جمعي)، مَتبوعٍ بثورة ضد موازين القوى الجنسية والتهميش الكامل للنساء".
نذكر هذا، لنؤكد في نفس الوقت إنه لا يوجد نسوية واحدة، بل نسويّات تندرج ضمن مدارس عديدة وتتغذّى من المعطيات الثقافية والاجتماعية المختلفة، وتحاول كل منها الإضاءة على الأسباب التي أدّت الى تهميش المرأة واستضعافها، وبلورة إستراتيجيات لمواجهتها.

يستفيد الفكر النسوي من تراكم تاريخي ومن توليفات نظرية وتحليلات اغتنت الواحدة من الأخرى ونضجت في القرنين الأخيرين. ولعل النسويين والنسويّات الأنغلو-ساكسونيين كانوا السباقين الى بلورة قضايا نظرية وتحويلها الى نضال سياسي.

ويمكن القول إن الحركات النسوية تمحورت لغاية سبعينيات القرن الماضي حول ثلاثة تيارات رئيسية: النسوية الإصلاحية الليبرالية، والنسوية الماركسية، والنسوية الراديكالية. 

1- النسوية الإصلاحية الليبرالية: ينتسب هذا التيار الى خط الثورة الفرنسية وامتداداته الفكرية، ويستند الى مبادئ المساواة والحرية للمطالبة بحقوق للمرأة مساوية لحقوق الرجل في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية. ويتميّز هذا التيار بقناعته بقدرة النظام الرأسمالي الدائمة على التطوّر والتكيّف مع المتغيرات. ويعمل المنتمين والمنتميات إليه من أجل أن يوفّر النظام نفسَ الفرص والحقوق للنساء والرجال، من خلال التركيز على التربية وتغيير القوانين المميّزة بين الجنسين وتكوين لوبيات الضغط وتغيير الذهنيات على المدى البعيد.

2- النسوية الماركسية: على النقيض من توجّه التيار الأول، يعتبر نسويو ونسويّات هذا التيار أن قمع المرأة وقهرها بدآ مع ظهور الملكية الخاصة. فنقل الملكية بالإرث سبّب مأسسةً للعلاقات غير المتوازنة وتوزيعاً للمهام والأعمال على أساسٍ من التمييز الجنسي. وقد شيّدت الرأسمالية نظاماً للعمل يميّز ما بين المجالين الخاص والعام: فللرجل العمل المنتج والمدفوع، وللمرأة الأعمال المنزلية المجانية غير المصنّفة ضمن الإنتاج. واستندوا الى مقولة إنجلز المعتبرة أن "قيام الرأسمالية والملكية الخاصة هو أكبر هزيمة للجنس النسائي".
يرى أتباع هذا التيار أن إعادة انخراط النساء في سوق العمل ومشاركتهن في الصراع الطبقي سيؤدي الى قلب النظام الرأسمالي وإزالة الطبقات.
لكن اقتصار تحليلهم على البعد الطبقي بدا غير كافٍ لشرح أسباب التهميش والتمييز ضد المرأة. كما أن إصرارهم على عدم اعتبار النضال النسوي قائماً بذاته بحجة عدم تشتيت القوى خارج ميدان الصراع الطبقي، أدّى الى ظهور أدبيات نسوية ماركسية تتخطّى إطار تفكيرهم الكلاسيكي وتضيف الى التحليل الطبقي تحليلاً مرتبطاً بالتمييز الجنسي، والى الرأسمالية مفهوم البطركية (أو الأبوية).
ومع سقوط جدار برلين وانهيار التجربة السوفياتية، تبلور ضمن التيار النسوي الماركسي هذا مذهبان رئيسيّان: الأول، مذهب "النسوية الشعبية" والثاني مذهب "الأجر مقابل العمل المنزلي".
"النسوية الشعبية" تكافح لكي يترافق النضال من إجل المساواة بين الجنسين مع النضال ضد الفقر والتهميش والعنصرية.
ونسوية "الأجر مقابل العمل المنزلي" تعمل لتبيان حجم القطاع غير المرأي وغير المحسوب في الإقتصاد، منطلقة من أن العمل المنزلي وعمل الولادة أو "إنتاج البشر" هو مكان استغلال النساء لكونه مجانيّاً ضمن منظومة السوق الإقتصادية (التي يديرها الرجال المتحكّمين). وبالتالي، يشكّل المنزل والحيّ النصف الثاني أو المكمّل من التنظيم الرأسمالي الذي يخدم النصف الأول، أي السوق.

3- النسوية الراديكالية: هدَفَ هذا التيار الى التعويض عن بعض النواقص في النسوية الليبرالية والماركسية من خلال التأكيد على الطابع العام والعابر للمناطق والثقافات، المستقلّ عن الطبقات، للتمييز ضد النساء. ويعتبر أنصاره أن البطركية بحد ذاتها هي أساس هذا التمييز ضد النساء والسيطرة عليهن التي تنسحب على ميادين الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والجنسية، وتخلق نظام تنميط للجنسين من خلال ثقافتين: واحدة ذكورية مسيطِرة وأخرى نسائية مسيطَر عليها. 
ومن بين استراتيجيات هذا التيار الهادفة الى تغيير المعادلة الراسية، استعادة النساء لأجسامهن وكيانهن وإعادة الاعتبار الى ثقافة خاصة بهنّ (ذهبت في بعض الحالات الى حدّ الانفصال عن الرجال والعيش في مجتمعات نسائية مستقلة).
وانطلاقاً من عمل هذا التيار، وُلدت مذاهب فكرية ونقدية أضاف كلّ منها مساهمته الى تحليل الواقع وفهم الحالة النسوية. وتأسّس مذهب متمحور حول عالمة النفس لوس إيريغاراي التي طوّرت التفكير في مفهوم الاختلاف، وخلقت نقاشات حول الطابع البيولوجي والاجتماعي لهذا الاختلاف. واستعاد هذا المذهب قول المفكّرة والنسوية الفرنسية سيمون دو بوفوار"لا نُخلق نساء، بل نصير نساء" جاعلاً منه أبرز شعاراته.

نضال المثليات والسوداوات والبيئيات 
في السبعينيات، نما  تياران جديدان وراحا يوسعان حقول التفكير والنشاط النسويين.
فظهر تيار النسويّات المثليّات الذي اخترق جميع التيارات والمذاهب النسوية منظّراً لكون منطلق التمييز يكمن في العلاقات بين الجنسين، ومحاربته تتمّ بالتالي من خلال الانسحاب من هذه العلاقات نحو علاقات إنسانية جديدة مثلية تتساوى أطرافها جميعاً...
أما التيار الثاني الذي ظهر، والذي أغنى الحركة النسوية الى أبعد الحدود، فكان "حركة النسويات السوداوات" (Black Feminists)، الذي صبّ لصالح المدرسة النسوية الراديكالية. والجِدّة في هذا التيار نشوؤه في أوساط المناضلين والمناضلات السود، مما أضاف البعد العنصري الى معادلة الجنسي والطبقي، ووضع التشابهات بين آليات التمييز العنصري وآليات التمييز الجنسي تحت المجهر. فبالنسبة الى النسويات السوداوت، وصل التمييز الجنسي الى ذروته مع بدء دخول النساء الحيز العام ومشاركتهنّ الرجل في العمل. فقد انتقلن عندها من نظام سيطرة ذكورية واستغلال تقليدي الى كائنات لها نظرياً حقوقها ومسؤولياتها المدنية، تنافس الرجال وتولّد عندهم العدائية والتمييز الجنسي العنيف، على نحو يشبه تماماً التمييز العنصري الذي تعرّض له السود بُعيد تحرّرهم القانوني من العبودية.

وفي الثمانينيات، ومع تصاعد الكوارث البيئية، انخرط النسويون والنسويات في العمل والتنظير البيئي. وتصدّرت النسوية الهندية فاندانا شيفا تياراً نسوياً بيئياً ارتفعت شعبيته في دول العالم الثالث، ومفاد مقولته ان المرأة (المشبّهة بالطبيعة في معظم المعتقدات والخرافات الدينية) تتعرّض لنفس أنماط الاستغلال التي تتعرض لها الموارد الطبيعية على يد النظام الرأسمالي ورجاله.  وبالتالي، لا يمكن لغير ثقافة سلمية، معادية للرأسمالية ومحترمة للشعوب والطبيعة أن تلغي الاستغلال والتمييز اللذين تتعرض لهما نساء الكون...

خلاصة

إذا كان يُؤخذ ماضياً على الحركة النسوية استئثار النساء بعضويّتها واستبعادهنّ الرجال، فتبريرها كان يأتي من قرار بعض مكوّناتها الابتعاد في المرحلة الأولى عن المجتمع وأخذ المسافة عن آلياته التي همّشت النساء والتفكير بواقعهنّ، قبل مواجهته في المرحلة الثانية والانخراط في الصراع ضد مظالمه.

أما اليوم، فالحركة النسوية تحاول بتيّاراتها المختلفة والمتجدّدة الفِعل في المجتمع نفسِه بالتعاون مع القوى التغييرية، وهي تقترح، كما معظم الحركات الاجتماعية، تحوّلات وتغييرات تطال بنية المجتمع ككلّ، وتُقاوم عولمة مساوئه.

ولعلّ تجربة "المسيرة العالمية للمرأة ضد العنف والفقر" ومشاركة النسويين والنسويّات الكثيفة في اللقاءات المواطنية العالمية، كما كتاباتهنّ السياسية وأصواتهنّ في الكثير من المنتديات والمحافل الأكاديمية والإعلامية والاجتماعية تشير الى بداية خروج معظم مذاهب وتيّارات الحركة النسوية من "انعزاليّتها" الأولى، وبحثها عن آفاق جديدة، ولَو أن الطريق أمامها ما زالت طويلة...

نادية عيساوي
ترجم النص من الفرنسية زياد ماجد
نُشر النص في جريدة السفير البيروتية في 8 مارس 2002